منوعات - علوم

جولة في عالَم الدورة الدموية

بقلم: هنري نيكولز

تعددت المعاني، الحقيقي منها والمجازي، التي تستحضرها كلمة ثرية لغويًا ككلمة "قلب"، التي تثير في أذهاننا، بمجرد سماعها، صورًا شتى. فالقلب هو المضخة وهو الشجاعة والطِيبة والحب ورزمة من ورق اللعب وشكل من الأشكال المألوفة ولُب كل الأمور. لكن ثمة صورًا أخرى تحضرنا عندما يُذكَر القلب في هذه الأيام، وهي صور يخيم عليها شبح مرض «كوفيد-19» وما يصاحبه من تصاعُد في معدلات الإصابة بالنوبات القلبية وتلف القلب والأوعية الدموية على مستوى العالم. كل ذلك وأكثر يجعل من القلب مادة خصبة لأي كتاب يتناوله.

هنا، يأتي دور بيل شوت، اختصاصي علم الحيوان، الذي يرفض في كتابه «المضخة» Pump أن يظل ذِكر القلب مرتهنًا بالحديث عن الدورة الدموية. ولهذا نجد شوت يجعل من القلب نقطة الانطلاق في رحلة يستكشف فيها الطُّرق المختلفة التي استطاعت من خلالها كائنات متعددة الخلايا مواجهة تحد أساسي، يتمثل في تلبية الاحتياجات الأيضية لخلاياها التي يَصعُب الوصول إليها من خلال عملية ضخ الدم العادية. ويكتب شوت عن التطور المشترك الذي طرأ على الدورة الدموية والجهاز التنفسي لدى تلك الكائنات، فيقول: "إنهما يعملان في تناغم شديد، ويعتمدان على بعضهما البعض لدرجة أن أيًّا منهما لا جدوى منه دون الآخر".

يبدع شوت في بعض أقسام الكتاب التي تأخذنا في جولة ممتدة منذ نشأة أول خلايا قادرة على الانقباض قبل أكثر من 500 مليون عام، وصولًا إلى تطور الفقاريات بعد ذلك بوقت قصير. وفي خلال تلك الجولة، يتطرق شوت إلى كائنات مثل سلطعون حدوة الحصان الذي يصطبغ دمه باللون الأزرق بسبب احتوائه على بروتين haemocyanin القائم على النحاس، والذي يتولى نقل الأكسجين في هذا النوع من السلطعون (مما يجعله معادلًا للهيموجلوبين القائم على الحديد في البشر).

ويوضح الكتاب أيضًا أن الحشرات، التي ليس لديها قلب بالمعنى والشكل المتعارف عليهما، تستعيض عن ذلك بوعاء عضلي يقع في الجزء العلوي من الظهر ويغمر أنسجة هذه الحشرات بسائل يشبه الدم، يُسمى اللمف الدموي. كذلك نعرف أن دودة الأرض ليس لديها قلب، شأنها في ذلك شأن الحشرات، إلا أنها تعتمد على نظام أكثر تعقيدًا يتكون من خمسة أزواج من الأوعية المنقبضة. كذلك يمتلك الحبار وغيره من رأسيات القَدم ثلاثةَ قلوب يتميز كل منها بسِمات خاصة.

"يلعب علم الأوبئة، وأجهزة التخطيط الكهربائي للقلب، وجراحة المجازة، والدعامات، دورًا هامًا في تشخيص أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاجها"، ويعج الكتاب بحقائق طريفة عن عالم الحيوان. على سبيل المثال، نعرف أن بخاخ البحر لديه قلب أنبوبي يحتوي على خلايا تُشبه في عملها جهاز تنظيم ضربات القلب الذي يستخدمه البشر، حيث تناوب بين ضخ الدم في اتجاهين مختلفين. ونعرف أيضًا أن بعض المخلوقات تحتاج إلى كميات هائلة من الأكسجين، بينما لا يحتاج البعض الآخر سوى القليل منه، وهو ما يُسهِم في إثراء التنوع البيولوجي. ويذكر شوت كذلك أن هناك فصيلة من كائنات السلمندر تفتقر إلى وجود رئة أو خياشيم، وأنها تحصل على احتياجاتها المحدودة نسبيًا من الأكسجين عن طريق ضخ الدم من خلال الجلد.

تاريخ القلب

يمكن للأسماك المخاطية أن تحيا بمعدل ضغط أبهري أقل من نظيره لدى أي من الفقاريات يتراوح بين 5.8 و9.8 ميليمتر زئبقي. على النقيض، نجد أن قلب الزرافة يولّد كميات ضغط هائلة – قد تصل إلى 280/180 ميليمترًا زئبقيًّا – حتى يتمكن من ضخ الدم إلى الدماغ عبر عنقها البالغ طوله مترين. ويمكن أن يصل معدل ضربات القلب لدى طائر الطنان إلى 1260 نبضة في الدقيقة. أما قلب حيوان الزَبّابة فلا تستغرق دورته القلبية أكثر من 43 ملي ثانية، وهو "أقرب ما يكون" إلى الحد الأقصى الذي تسمح به الفيسيولوجيا الكهربية.

ويشير شوت إلى أحد اهتماماته البحثية وهي عملية تكيُّف الخفافيش مع البرد؛ تلك الحيلة الفسيولوجية التي بموجبها ينخفض معدل ضربات قلب الخفاش من أكثر من 500 نبضة في الدقيقة في أثناء الطيران إلى أقل من 20 نبضة في الدقيقة خلال فترة السُبات. ويساعدنا هذا التباين الأيضي الحاد على تفسير كون الخفافيش مستودعًا للعديد من الفيروسات (A. T. Irving et al. Nature 589, 363–370; 2021). ومع ذلك، لا يحتوي كتاب شوت على أية إشارة إلى فيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، ولا الطُّرُق العديدة - سواء منها المباشرة أو غير المباشرة - التي يبدو أن هذا الفيروس التاجي يؤثر بها على منظومة القلب والأوعية الدموية (M. Nishiga et al. Nature Rev. Cardiol. 17, 543–558; 2020).

ويحرص شوت في استعراضه لمراحل تطور الكائنات على التأكيد أنه "لا مجال للتفاخر بحقيقة أن بعض منظومات الدورات الدموية معقد للغاية بينما البعض الآخر منها بسيط نسبيًا، فالأهم هو أن جميعها يعمل بكفاءة". ولا يرى شوت البشر متربعين على قمة السُلَّم التطوري، كما رآهم كُتاب آخرون خلال القرون الماضية، بل نجده يحتفي بالتكافؤ بين منظومات الدورة الدموية البشرية وغير البشرية من حيث كفاءة عملها، بوصفها أنظمة ناجحة تحقق غايات عظمي للكائنات المختلفة. وتضم صفحات الكتاب رسومات توضح المعالم التشريحية المميزة لهذه الكائنات، بريشة الفنانة باتريشيا وين الحائزة على عدة جوائز.

فرصة للحوار

لا شك أن بعض القراء سينفِر من النبرة المفتعَلة التي يكتب بها شوت. على سبيل المثال، في حوار متخيَّل مع بعض المخلوقات (مثل الديدان المسطحة) التي وصفها بأنها ليس لديها "أي من ذلك الهُراء المعروف باسم الجهاز الدوري"، يكتب شوت مخاطبًا هذه الكائنات: "مرحبًا يا رفاق، أرجو ألا تُسيئوا فهمي". وفي موضع آخر، يقول شوت: "دعونا نتوقف عند هذا الحد في هذا الفصل ..."، ليعلن أن أي شخص ليس لديه جهاز لقياس نسبة أول أكسيد الكربون في الهواء، عليه أن يذهب لشراء واحد، معقبًا بقوله: "سوف أنتظره حتى يعود". وعلى الرغم من "الإسهامات العظيمة والمتميزة التي أدخلها المراجعون اللغويون على أسلوب الكتاب" والتي يقر بها شوت، فلعل أبلغ العبارات التي تُخلد في الذهن جاءت بعد أحد الاستطرادات التي يعج بها الكتاب، ويقول فيها شوت: "لسبب غير محدد، ارتأيت أن ذكر هذه المعلومات سيكون مفيدًا هنا".

ونظرًا إلى أن شوت لا يكف عن التنقل بين علم التشريح المقارَن والتصورات التي قدمها الباحثون على مر التاريخ عن طبيعة القلب، ليمضي بعد ذلك إلى محطات أكثر حداثة في طب القلب والأوعية الدموية، فإن رحلته الجامحة سرعان ما تشرد عن وجهتها وهدفها. فهناك الكثير الذي يسعى الكتاب لتغطيته، امتدادًا من عصر المصريين القدماء الذين آمنوا بأن القلب يحتوي على سجل لأعمال الإنسان الصالحة والسيئة، ووصولًا إلى عصر استخدام الخلايا الجذعية والطابعات ثلاثية الأبعاد في تخليق أعضاء جديدة. وفي أبرز المحطات في هذا العرض الممتد، نجد أن شوت يذكر الإسهامات التي قدمها كل من العلّامة السوري ابن النفيس في القرن الثالث عشر، وعالم اللاهوت الإسباني مايكل ساربيتاس، وعالم التشريح الإيطالي ماتيو ريالدو كولومبو في القرن السادس عشر، والتي طوَّرَت من فهمنا للعلاقة الحقيقية بين القلب والرئتين، وهو الاكتشاف الذي عادة ما يُنسب إلى الطبيب الإنجليزي ويليام هارفي (1578–1657).

تناقض في الأولويات

وقد اتخذ شوت في الكتاب قرارات أخرى محيرة، جاء من بينها تخصيص فصل لصراع تشارلز داروين مع المرض بعد عودته من رحلة على متن السفينة «بيجل». فعلى الرغم من أن الغموض الذي اكتنف هذا الحدث جاء مرتبطًا بقلب داروين، وهو أمر مثير للاهتمام بلا شك، فلا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كان هناك ما يدعو لتخصيص كل تلك المساحة لذلك الموضوع في الوقت الذي يُهمل فيه شوت الحديث بشكل مُفصَّل عن علامة فارقة في مجال طب القلب والأوعية الدموية مثل اختراع الجهاز الذي يؤدي دور القلب والرئة في آن واحد. تجدر الإشارة أيضًا إلى كل من علم الأوبئة، وأجهزة التخطيط الكهربائي للقلب، وجراحات المجازة، والدعامات، يلعب دورًا مهمًا في تشخيص أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاجها، حيث أسهمت هذه الاكتشافات والابتكارات جميعها في تراجع معدل الوفيات الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 60% على مدار الخمسين عامًا الماضية، إلا أن شوت يولي هذه الموضوعات اهتمامًا ضئيلًا في كتابه. أما مدى الضرر الذي وقع على قلوب الناس - بكل ما تحمله كلمة "قلب" هنا من معنى - جراء جائحة «كوفيد-19»، فهذا كتاب ما زال يبحث عمن يؤلفه.

اضف تعليق