على الرغم من الانتقادات والتحركات الدولية الاخيرة، بخصوص بعض المشكلات والازمات الانسانية الخطيرة التي تعاني منها بورما، ماتزال حكومة ميانمار تواصل سياسات التمييز والفصل العنصري ضد أقلية الروهنغيا في البلاد، وهو ما اثار الكثير من الانتقادات الدولية التي اجبرت حكومة ميانمار وكما نقلت بعض المصادر، على تشكيل لجنة استشارية لمعالجة المشكلات واعمال العنف المتواصلة ضد المسلمين، عين عليها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، وتضم اللجنة ايضا تسعة أعضاء منهم ثلاثة ممثلين عن المجتمع الدولي، وستة من ميانمار، من بينهم اثنان من أعضاء المجتمع البوذي في أراكان وعضوان مسلمان من مدينة رانغون واثنان ممثلان عن الحكومة.

ويرى بعض المراقبين ان هذه التحركات والاجراءات ربما لن تغير الواقع الحالي في بورما، التي تشهد نزاعات أعمال عنف مستمرة بين البوذيين ومسلمي أقلية الروهنغيا، خصوصا وان البعض يشكك في قدرة والتزام حكومة ميانمار بقضايا حقوق الإنسان في البلاد، ويعتبر الكثيرون في ميانمار أقلية الروهنغيا مهاجرين غير شرعيين من بنجلاديش وأغلبهم لا يحملون جنسية البلاد، كما تظاهر مئات البوذيين في بورما ضد كوفي عنان، الذي بدأ زيارة في غرب البلاد، حيث كلفته أون سان سو تشي بإيجاد حل لمأساة الأقلية المسلمة عديمة الجنسية الروهينجيا.

ورفع المتظاهرون لافتات كتبوا عليها لا للجنة برئاسة كوفي، لا للتدخل الأجنبي المتحيز في شؤون ولاية راخين، وهتفوا ضد الأمين العام السابق للأمم المتحدة فور نزوله من الطائرة عند مخرج مطار سيتوي، العاصمة الإقليمية لولاية راخين. ولا يمتلك مواطنو الروهينجيا أوراق هوية، ولا يستطيعون بالتالي الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأسواق العمل، حتى الخروج من المخيمات يتطلب إظهار جواز مرور.

من جهة اخرى توعدت أحزاب سياسية ومجموعات بوذية متطرفة بعقد اجتماعات وتنظيم فعاليات عنصرية ضد أقلية الروهنغيا في أحياء ومدن ولاية أراكان بميانمار، وبحسب بعض المصادر فان مواقع إلكترونية تابعة لأحزاب سياسية ومجموعات بوذية متطرفة أعلنت عن اعتزامها على تنظيم أنشطة وفعاليات مناوئة ضد الوجود الروهنغي وضد التوجهات الحكومية التي تسعى لحل مشكلة الروهنغيا عبر تكوين لجنة استشارية دولية، و هذه الأنشطة والفعاليات سوف تتركز على كل من مدينة منغدو وبوسيدونغ وراسيدونغ وفقا لما جاء في المواقع التابعة لتلك الأحزاب والمجموعات.

حشود مسلحة

وفي هذا الشأن هدمت حشود كانت تحمل مختلف انواع الاسلحة مسجدا في ولاية كاشين شمال بورما، في ثاني عملية تخريب تستهدف مسجدا خلال ثمانية ايام في بلد شهد اعمال عنف طائفية دامية، كما ذكرت الصحافة الرسمية، وتعتبر التوترات بين البوذيين والمسلمين، ولاسيما منها تلك المتصلة بمجموعة الروهينغيا المضطهدة، واحدا من اكبر التحديات التي تواجهها اول حكومة مدنية تألفت منذ عقود وتقودها اونغ سان سو تشي. وقد اقتحم سكان من مدينة باكانت المنجمية في ولاية كاشين، مسجدا مستخدمين "عصيا وسكاكين واسلحة اخرى"، ثم اضرموا النار في قاعة الصلاة، كما ذكرت صحيفة "غلوبال نيو لايت اوف نيانمار". واضافت الصحيفة "كان من الصعب السيطرة على الحشود سيطرة تامة. وقد هدم مثيرو الشغب المبنى"، موضحة ان اعمال العنف وقعت على اثر خلاف يتعلق ببناء المسجد". وقالت الصحيفة ان قوات الامن لم تعتقل احدا.

وقبل ثمانية ايام، نهب عشرات القرويين البوذيين مسجدا ومدرسة مسلمة في قرية تقع وسط بورما. وشهدت البلاد التي تواجه تنامي تيار قومي بوذي متطرف في 2012 اعمال عنف طائفية خصوصا في الغرب حيث تعيش مجموعة كبيرة من المسلمين الذين يشكل الروهينغيا القسم الاكبر منهم. وقتل اكثر من 200 شخص خلال اسابيع معظمهم من المسلمين واضطر الاف منهم الى الفرار من قراهم وما زالوا يعيشون في مخيمات بائسة.

وتزامن تدمير المسجد مع تصاعد التوترات في ميانمار بشأن الاسم الذي يجب إطلاقه على الروهينجا وهي جماعة مسلمة مكونة من 1.1 مليون شخص تعيش في ولاية الراخين تحت ظروف أشبه بالفصل العنصري. وقالت الزعيمة أونج سان سو كي لمقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ميانمار يانج هي لي إن الحكومة لن تستخدم لفظ الروهينجا لأنها ترى أنه تحريضي. ودعت سو كي المواطنين بالإشارة إلى الروهينجا باسم "بالمجتمع المسلم في ولاية الراخين". وطالبت الأمم المتحدة سو كي الحائزة على جائزة نوبل للسلام بأن تجعل إنهاء الانتهاكات على رأس أولويات الحكومة وقالت إن الانتهاكات التي تشمل إعدام وتعذيب قد ترقى لجرائم ضد الإنسانية. ويعارض الكهنة المتشددون والقوميون البوذيون بشدة اي اعتراف باقلية الروهينغا ويصرون على تسميتهم "بنغاليين" وهي كلمة توازي المهاجرين غير الشرعيين عبروا الحدود مع بنغلادش.

حماية الروهينغيا

في السياق ذاته دعا البرلمان الأوروبي بورما إلى وقف "القمع الوحشي" و"عمليات الاضطهاد المنهجية" التي تستهدف أقلية الروهينغيا المسلمة، موضحاً أن على الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي إيلاء هذا الملف مزيداً من الاهتمام. وأكد النواب الأوروبيون في قرار اتخذوه في ستراسبورغن أن على السلطات البورمية "حماية الروهينغيا من أي شكل من أشكال التمييز" و"إنهاء الإفلات من العقاب الذي يتعين إنزاله بمرتكبي الانتهاكات ضد هذه الأقلية" التي تعد واحدة من "أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم".

وأضاف النواب أن من المهم خصوصاً "إلغاء القوانين المحلية التمييزية في ولاية راخين" حيث تعيش أكثرية الروهينغيا، و"رفع القيود التي تحول دون حصولهم على العناية الطبية العاجلة، وتحد من حرية تحركهم"، و"إعادة الجنسية" البورمية إلى أفراد هذه الأقلية. وقال البرلمان الأوروبي أيضاً، إن على أونغ سان سو تشي التي يتولى حزبها زمام الحكم في البلاد منذ مطلع أبريل/نيسان، "الاستفادة من مراكزها الأساسية في الحكومة" من أجل تحسين وضع الروهينغيا.

وأعربت الأمم المتحدة في تقرير نشر مؤخراً عن قلقها من انتهاك حقوق الروهينغيا في بورما، وخصوصاً حرمانهم من الجنسية، وإرغامهم على العمل القسري وتعرضهم للعنف الجنسي، معتبراً أن من الممكن اعتبار هذه الأمور "جرائم ضد الإنسانية".

من جانب اخر قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إن العالم قلق للغاية حيال مصير عشرات الآلاف من لاجئي الروهنجيا المسلمين في ميانمار، الذين فروا إلى مخيمات في ولاية أراكان شمال البلاد، من أعمال العنف من قبل الأغلبية البوذية. وأضاف كي مون، أن مسلمي الروهنجيا يستحقون الأمل، وينبغي أن يكون جميع مواطني ميانمار قادرين على العيش إلى جانب جيرانهم. ويعيش أكثر من 100 ألف من الروهنجيا في مخيمات غير صحية منذ نزوحهم من منازلهم في ولاية أراكان بداية من عام 2012، في أعقاب أعمال العنف الدامية التي قادتها حشود من البوذيين. ويرى البوذيون أن الروهنجيا مهاجرون غير شرعيين من بنجلاديش، على الرغم من أن العديد منهم يعيشون في ميانمار على مدار أجيال.

دولة فيدرالية

على صعيد متصل وعدت أونج سان سو تشي بتحويل بورما إلى دولة فيدرالية بعد توقيع السلام مع حركات التمرد الإتنية في البلاد التي جمعتها لإجراء محادثات غير مسبوقة. وقالت سو تشي التي تقوم فعليا بمهام رئيس الحكومة إن اتفاقا حول وقف وطني لإطلاق النار يشكل المرحلة الأولى باتجاه السلام، وكذلك باتجاه إقامة اتحاد فدرالي منتظر منذ فترة طويلة. وكانت المعارضة التي أصبحت في السلطة منذ انتخابات 2015 جعلت من حركات التمرد وإقامة دولة فيدرالية من أولوياتها الرئيسة.

وتشهد بورما نزاعات إثنية منذ استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية في 1948، مع بدء أقليات عديدة حركات تمرد مسلحة في محاولة للحصول على حكم ذاتي أوسع في مواجهة حكومة تجاهلتهم لفترة طويلة. وقالت أونج سان سو تشي طالما أننا لسنا قادرين على تحقيق مصالحة ووحدة وطنية، لا يمكننا إقامة فيدرالية بسلام، من دون أن تكشف ملامح هذه الفيدرالية التي يمكن أن تمنح حقوقا أكبر إلى المناطق المتمردة العديدة في البلاد. ويشارك ممثلون عن الأقليات الإتنية وعسكريون في هذه المحادثات التي يحضرها الأمين العام للأمم المتحدة كضيف شرف.

وبعد خطاب سو تشي، ألقى قائد الجيش مين أونج هلاينج كلمة توجه فيها إلى المجموعات المسلحة المترددة في توقيع اتفاق السلام. وقال علينا أن ننهي هذا الوضع المأساوي. وأضاف أن تغليب الرغبات الشخصية عبر الاستمرار في استخدام السلاح، يتعارض مع الديموقراطية. ودعت سو تشي من جهتها كل المجموعات المتمردة التي رفضت توقيع اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية يواجه انتقادات حادة، إلى القيام بهذه الخطوة. وقالت محذرة إن الخلافات الأيديولوجية بين الموقعين وغير الموقعين يمكن أن تؤخر الطريق إلى السلام. وأضافت لا يمكننا أن نكون متساوين مع الدول الأخرى في المنطقة والعالم إلا عندما يعيش بلدنا في سلام.

وتشهد بورما ازدهاراً اقتصادياً بعد عقود من الحكم العسكري. لكن المناطق المتمردة في شمال البلاد وشرقها الغنية بمواردها الطبيعية الثمينة، ما زالت خارجة عن سيطرة الحكم المركزي. ووافق نحو 700 شخص يمثلون حركات التمرد التوجه إلى نايبيداو العاصمة الإدارية لبورما، لإجراء هذه المناقشات وأعلن عن جولة جديدة من المحادثات خلال ستة أشهر. بحسب فرانس برس.

وقال عدد من المشاركين إنهم لا يأملون في أن تؤدي هذه الجولة الأولى من المحادثات إلى نتيجة كبيرة باستثناء تحديد موعد للقاء جديد خلال ستة أشهر كما قررت الحكومة مسبقاً. وشارك في مفاوضات 17 مجموعة متمردة لكن مجموعات أخرى مهمة وخصوصاً الكاشين والشان قاطعت الاجتماع. واتهم المتمردون الجيش بأنه شن هجمات في مناطق هاتين الإتينيتين مما أثر على المحادثات، بينما كانت الحكومة تأمل في استقرار الوضع قبل مؤتمر السلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1