إنسانيات - حقوق

مأساة امرأة نازحة

في اول ايام النزوح الجماعي وبعد ان ترك المواطنون منازلهم وهجّروا قسرا من بيوتٍ كانت تأويهم من حر وبرد، مستقلين بحياتهم يعيشون ويعملون بأمان، أصبحوا الآن يفترشون الشوارع، وفي مدارس ومساجد وحسينيات المحافظات الآمنة، ممن سمحوا لهم بدخولها، ولكن ما كان يهون من معاناتهم قليلا، ان الاهالي وبعض المنظمات الانسانية كانوا يقدمون لهم المساعدات، فمحافظة كربلاء المقدسة مثلا، استقبلت اعدادا كبيرة من النازحين وقد كان اهالي المحافظة يقفون الى جانبهم ويقدمون لهم يد العون.

كنتُ مثل الآخرين اجمع المساعدات من الناس لأرسلها اليهم واتفقد احوالهم، وكان بعض النسوة يلفتن نظري لأني ارى الحزن في أعينهن، وقد جلسن في احدى زوايا الحسينية وكأنهن ﻻ يرين من حولهن ولا يسمعن شيئا، وقد خيم الحزن على وجوههن.

ام حسن نازحة من مدينة الموصل هي كالأخريات كانت في معزل عن الباقين، جلستُ الى جانبها وبعد ان عرفتْ أنني سوف أوصل ولو قليل من معاناتها الى الناس من خلال عملي، بدأت تقص عليَّ اسباب حزنها.

قالت ام حسن: في ليلة ظلماء لم يتبسّم فيها القمر، ما اصعبها من ليلة وما اشد سوادها، خرجنا من ديارنا ولا نعلم الى اين الرحيل؟ طرق وأزقة عشنا بها ولكن ما الذي غيرها وجعلها وعرة فتشعرنا كأننا نمشي على مسامير او على جمر ملتهب، باليت لم يعد يسعنا، والمدينة تخلت عنا،

ترى هل اقترفنا ذنباً ام ماذا حصل فتغير حالنا، أيريدون استعبادنا، ونهب اموالنا، وإباحة اعراضنا ودمائنا؟

هل نحن بلا ثمن؟ ام هي فتوى غيرت حياتنا، وقربت اقدارنا، وجعلتنا بلا ثمن.. ولا احد يدافع عنا وينقذنا،

ترى هل تصوروا اننا لم نعد مسلمين حتى انتهكوا حرمتنا، لا وألف لا فأنا اصرخ بأعلى صوتي (ﻻ اله الا الله محمد رسول الله وعلي ولي الله)، وهذا يعني اني مسلمة، اذا ما الذي يحصل، هل انا لم اعد عراقية؟ ﻻ فأنا احمل تلك الورقة التي تضم العديد من التواقيع، فتشهد إني من العراق، من اب عراقي وام عراقية، لا بل وحتى اجدادي اصولهم عراقية. اذاً ما بال هؤﻻء يخرجونا من بيوتٍ تعبنا وسهرنا وكافحنا وعملنا ما بالوسع لكي تشيد وتأوي عيالنا، وفي ليل مظلم لا رحمة فيه يخرجوننا منها، وكأننا اغراب، لماذا يريدون اخراجنا من المدينة ايضا... ترى هل هذا حلم ام هو كابوس؟ وهل أصحوا منه يوما، اوﻻدي يصرخون اين والدنا، وانا من هول الموقف لا طاقة لي على النطق بأي حرف لأجيبهم، ولكن سرعان ما صحوت من تلك الغشاوة التي لم ولن انساها في حياتي، صحوت على صراخ اوﻻدي، فقد شاهدوا أباهم مكبل اليدين يساق الى المجهول.

ولكن ما سَرّع في منيته، انه استعان بالمظلومين وقال ياعلي ياعلي ياعلي بأعلى صوته. عند تلك اللحظة بانت دسائسهم وعداوتهم لآل البيت عليهم السلام، فأمر أميرهم بقتل زوجي وبأسرع وقت لأنه من الموالين، قتلوه ابشع قتلة، نحروه كالأضاحي امام أعين الصغار، عندها سقطت على الارض مغشياً عليَّ، وادركت حينها انه لم يكن حلما ولا كابوسا، انما هي حقيقة مؤلمة، صحوت مجددا على صراخ اوﻻدي الاربعة وكنت اتمنى الموت على ان اواصل طريق لا اعرف نهايته، عبارات الشتم، وعبارات الغضب التي ينطقونها بحقنا، الاوامر التي تلقى على اسماعنا، هيا قومي اسرعي لا تجلسي، والتهديد بقتل الاطفال وقتلي بين كل لحظة واخرى، افكاري تخبرني بأني لولا اطفالي لاخترت الموت على النزوح.

مشيت والتعب يحيط بي، والحزن يحاصرني، أحدث نفسي ماذا حدث منذ قليل؟، عاد زوجي من العمل وتناولنا العشاء معا، ونمنا بأمان بأحضان بيت دخلته عروس بثوب ابيض، بيت يحمل الكثير من الذكريات، بيت عشت داخله ايام العسر واليسر، ايام العيد والفرح والحزن والغبطة. حملت بولدي الاول وانا فرحة وهانئة بعيشي وسعيدة، وانجبت الولد الرابع وكنت اسعد من ما مضى، وانا الان حبلى ولكن لم اتخيل يوما ان تكون النهاية هكذا.

اسمع اصوات النساء الثكالى من حولي، فمنهن فاقدات للابناء، ومنهن الازواج واخريات فقدن الاخوان والاباء والاقرباء. اسير ولا اعرف هل انا اسير، ام هناك احد يزج بي الى الأمام، اقدامي لم تعد تحملني فأنا حامل في الشهر الخامس، واحمل ولدي الصغير الذي يبلغ من العمر عامه الثاني، فخطاه الصغيرة المتعثرة واقدامه الناعمة الخالية من الاحذية، اجتمعتا معا لتمنعاه من المسير بسرعة، ستجعل من لا رحمة بقلبه يصرخ عليه، بيدي الاخرى اجر اولادي الثلاثة بشكل فزع وخائف. لكن عينيّ تبحث عن والدهم، لا استطيع ان اصدق ان الموت اخذه مني، ولن اعد اراه فهو لم يفارقني منذ عرفته لقد كان حبيبي وزوجي ودنيتي وأباً لأولادي.

اطفالي يشكون من البرد، لكني لم اشعر به هل بسبب الصدمة ام من التفكير بما حدث؟ هل حقا ما حدث ولماذا حدث؟ وما هذا الحدث وما الذنب ومن هو المذنب بما حدث؟ ترى انا ام ابنائي ام زوجي الشهيد؟ ام الاخريات اللاتي بجانبي ويمشين معي واصبحن يأنسن بالأنين، حيث لا زوج معهن ولا احد يعينهن، هن والاطفال من حولهم يتباكون، مازلت اسأل نفسي عن السبب وعن الذنب حتى صار حادثا امامي، عندها عرفت السبب بما حصل وما هو الذنب.

امرأة عجوز بجانبي اخذوا منها زوجها وابناءها وهي تصرخ يا علي اعنّي على مصيبتي، واذا بشمر من هذا الزمان قطع لسانها!، عندها ادركت وعرفت لماذا قتلوا زوجي واخذوا بيتي وشردونا انا وعائلتي وجيراني واحبتي، عرفت لماذا كانوا ينعتونا بالكفرة، فررنا انا وأولادي من بين ايديهم بأعجوبة، سرنا في طرق عديدة من مجهول الى مجهول، الى ان وصلنا الى مكان آمن، وانا لم اصدق ما حصل الى يومنا هذا، اما الان فما زلت استرجع ذكرياتي مع زوجي وابنائي وبيتي في كل لحظة، واسأل نفسي هل سأعود يوما ما الى بيتي، وهل سأجد زوجي هناك بانتظاري؟ ولكن صورة مقتله لا تفارقني، انظر الى ابنائي ولأول مرة اتمنى إني لم أنجبهم!، واتمنى لو أنني مت قبل هذا اليوم.

ولكن شيئا واحدا كان يهدّئ من مصابي ولوعتي، هو تذكري بأن زوجي قُتل لأنه محب لعلي، ولأنه نادى يا علي، وان ابنائي أصبحوا ايتاما وانا ترملت وهجّرونا من بيتنا لأننا موالين ومحبين لأمير المؤمنين، عندها احمد الله على نعمة الوﻻية وأسأل الله الثبات عليها.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0