تستمر الانتهاكات التي تقوم بها حكومة ميانمار ضد ابناء من الأقلية المسلمة (الروهينجا)، والتي كانت سببا في مقتل وتشريد مئات الآلاف منهم إلى بنجلاديش ودول اخرى. وباتت قضية الاضطهاد والتعسف العرقي والديني لمسلمي الروهينجا بحسب بعض المصادر، أحد أهم القضايا التي شغلت الرأي العام الدولي، لما لها من انعكاسات سلبية على مستقبل الأمن والسلم الدولي في تلك المنطقة، والتي من شأنها تأجيج الصراعات العرقية والدينية من جديد بسبب غياب حقوق المواطنة والديموقراطية، والرغبة في العيش المشترك.

وطلب مجلس الأمن الدولي وكما نقلت بعض المصاد، من الحكومة البورمية التعاون مع خبراء من الأمم المتحدة للتحقيق في الاتهامات بحصول فظائع استهدفت الأقلية التي حرمت من أبسط الحقوق المدنية وترفض حكومة ميانمار الاعتراف بها، وتتعرض ميانمار لضغوط دولية متزايدة. فقد فرضت الولايات المتحدة في منتصف أغسطس عقوبات على أربعة قادة ووحدتين عسكريتين اتهمتهم جميعًا بالتورط في التطهير العرقي.

ورفض المتحدث باسم حكومة ميانمار " زاو هتاي" التقرير الذي أصدره محققون من الأمم المتحدة وطالب بمحاكمة كبار القادة العسكريين بتهمة الإبادة الجماعية، قائلًا أن المجتمع الدولي ينشر "مزاعم كاذبة"، وهو ما يؤكد من جديد على استمرار معاناة مسلمي الروهينجا على خلفية أحداث استهدافهم من قبل قوات الجيش والميليشات البوذية. ويأتي ذلك بعد أن أشارت الأمم المتحدة أيضًا إلى احتمال إعادة نحو 700 ألف من مسلمي الروهينجا، الذين فروا من ولاية راخين غربي ميانمار إلى بنغلاديش، بعد حملة قمع تم شنها في أغسطس 2017، من قبل جيش ميانمار وميليشيات بوذية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها نموذج للتطهير العرقي.

وقالت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة إن ما حدث ما هو إلا نموذج للتطهير العرقي، إلا أن حكومة ميانمار تنفي ذلك، بل ونفت ميانمار معظم الاتهامات قائلة إن الجيش يتعامل مع تهديد يمثله المتشددون الروهينجا الذين هاجموا نقاطا للشرطة في ولاية راخين بغرب البلاد، وعليه قامت ميانمار عدم السماح لمحققي الأمم المتحدة بدخول البلاد لذا فإنها لا توافق ولا تقبل أي قرارات من مجلس حقوق الإنسان. كما طالبت ميانمار من بنجلاديش التوقف عن تقديم المساعدات لنحو 6000 من الروهينجا العالقين على الحدود بين البلدين، منذ حملة قمع عسكري دامية قادها الجيش البورمي وأدّت إلى نزوح واسع للأقلية المسلمة العام الماضي، بحسب وزارة الخارجية البنجلاديشية.

كما دعت منظمة "هيومان رايتس ووتش"، بنجلاديش إلى تحسين ظروف معيشة الروهينجا الذين تستقبلهم في أكبر مخيم للاجئين في العالم، والتخلي عن خطة نقل أعداد كبيرة منهم إلى جزيرة معرضة للفيضانات، فيما شددت على أهمية دعم الجهود التي تبدلها بنجلاديش لاستضافة اللاجئين، عبر زيادة المساهمات لتحسين ظروف معيشتهم في جنوب البلاد، من خلال البنك الدولي الذي منح مساعدة قدرها نحو نصف مليار دولار لمساعدة بنجلاديش فيما يتعلق بمسلمي الروهينجا. بجانب ذلك، دعا التقرير الحكومات المانحة والوكالات والمنظمات غير الحكومية إلى زيادة مساهماتها للمساعدة في تحسين الظروف. وقالت إن نداء لجمع 136.6 مليون دولار لبناء مراكز إيواء وشراء مواد غير غذائية لم يحصل على تجاوب سوى بنسبة 14 في المائة.

استهداف مستمر

وفي هذا الشأن ذكر حرس الحدود في بنجلادش وناشط أن عشرات القرويين من أقلية عرقية عبروا من غرب ميانمار إلى بنجلادش في الأيام القليلة الماضية وسط قتال بين جيش ميانمار ومتمردين عرقيين في ولاية راخين. وقال الكولونيل ظهير الحق خان قائد حرس الحدود في مقاطعة بانداربان، حيث تعيش حاليا مجموعة من 136 شخصا في أماكن إيواء، إن أفرادا من 38 عائلة قالوا إنهم فروا من منازلهم خشية تعرضهم لهجوم طائرات الهليكوبتر التابعة للجيش.

وشردت اشتباكات بين جيش ميانمار وجيش أراكان المتمرد، الذي يضم بالأساس عناصر من جماعة راخين العرقية، ما يربو على خمسة آلاف شخص في أجزاء من ولايتي راخين وتشين منذ مطلع ديسمبر كانون الأول. وتعهد زعماء ميانمار بسحق المتمردين، الذين يقاتلون من أجل الحصول على حكم ذاتي لولاية راخين، ومنعوا معظم وكالات الإغاثة من الوصول للمنطقة، مما أثار مخاوف من معاناة مزيد من المدنيين في منطقة تعصف بها منذ فترة طويلة انقسامات عرقية معقدة.

وفي حين أن ولاية راخين ذات أغلبية بوذية، دفعت هجمات شنها مسلحون من أقلية الروهينجا المسلمة على مواقع أمنية عام 2017 الجيش إلى شن حملة أجبرت 730 ألف شخص على الفرار من منازلهم إلى مخيمات في منطقة كوكسز بازار وفقا لوكالات الأمم المتحدة. وقال وين ثين عضو لجنة حقوق الإنسان غير الحكومية في بنجلادش إنه زار اللاجئين، وهم من جماعتي خومي تشو وراخين العرقيتين، في مخيمهم بغابة نائية.

وأضاف أنهم عبروا إلى بنجلادش بعد الفرار من قريتين ببلدة باليتوا في ولاية تشين بعدما سمعوا دوي إطلاق نار وشاهدوا طائرات هليكوبتر قريبة. ونقل عن بعض القرويين القول إنهم شاهدوا لاحقا جنود ميانمار ينهبون المنازل ثم يشعلون النار فيها. وقال وين ثين إن بعض اللاجئين أطفال يعانون من مرض شديد ولا سبيل لهم للحصول على الرعاية الصحية. وأضاف ”لا توجد بطاطين على الإطلاق والجو بارد للغاية“.

جزيرة نائية

من جانب اخر أفادت وثائق جديدة بأن الأمم المتحدة تضع خططا لمساعدة بنجلادش على نقل آلاف من اللاجئين الروهينجا إلى إحدى الجزر النائية قبالة سواحلها، في خطوة يعترض عليها كثير من اللاجئين ويخشى بعض خبراء حقوق الإنسان من أنها ربما تؤدي لأزمة جديدة. وتقول بنجلادش إن نقل اللاجئين إلى جزيرة باسان تشار سيخفف التكدس المزمن في مخيماتها في كوكس بازار حيث يوجد ما يربو على مليون من الروهينجا المسلمين الفارين من ميانمار.

وتقع الجزيرة في خليج البنغال ويمكن الوصول إليها باستخدام القوارب من ساحل بنجلادش في رحلة بحرية تستغرق عدة ساعات. وانتقدت منظمات إغاثية وحقوقية مقترح نقل اللاجئين بدعوى أن هذه الجزيرة معرضة لأخطار الفيضانات والأعاصير بل وربما تغمرها المياه بفعل أمواج مد عالية. وتفيد وثيقة لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بأنه أمد حكومة بنجلادش بخطط مفصلة، تتضمن جدولا زمنيا وميزانية، عن كيفية الوصول إلى الآلاف من الروهينجا الذين سيتم نقلهم في غضون أسابيع. وتشدد الوثيقة على أن انتقال أي لاجئ ينبغي أن يكون طوعا ”وبما يتماشى مع المبادئ والأعراف الإنسانية“. وقالت جيما سنودن مسؤولة الاتصال ببرنامج الأغذية العالمي في كوكس بازار إن البرنامج يشارك في ”المناقشات الجارية“ مع الحكومة بشأن سبل التعامل مع اللاجئين.

وأبلغت بنجلادش مجلس الأمن الدولي بأنها لا تستطيع استقبال مزيد من لاجئي ميانمار، وذلك بعد نحو 18 شهرا من بدء أكثر من 700 ألف شخص أغلبهم من مسلمي الروهينجا عبور الحدود فرارا من حملة عسكرية. وتسببت هجمات مسلحين من الروهينجا على مواقع عسكرية في ولاية راخين بميانمار في الحملة التي وصفتها الأمم المتحدة وبريطانيا ودول أخرى بأنها تطهير عرقي. وتنفي ميانمار تلك الاتهامات.

وقال وزير خارجية بنجلادش شهيد الحق ”آسف لأن أبلغ المجلس بأن بنجلادش لن تكون بعد الآن في وضع يسمح لها باستيعاب مزيد من الأشخاص من ميانمار“. واتهم شهيد الحق ميانمار بإصدار ”وعود جوفاء واتباع عدد من الأساليب المعرقلة (لعودة اللاجئين)“ خلال المفاوضات بشأن العودة. وقال ”لم يقدم ولو فرد واحد من الروهينجا على العودة إلى راخين لعدم وجود البيئة المواتية هناك“.

وتقول ميانمار إنها كانت مستعدة منذ يناير كانون الثاني لقبول اللاجئين العائدين، لكن الأمم المتحدة تقول إن الظروف لم تصبح مناسبة بعد لعودتهم. ويقول الروهينجا إنهم يريدون ضمانات بشأن سلامتهم والاعتراف بهم كمواطنين قبل العودة. وحملت القوى الغربية في مجلس الأمن حكومة ميانمار المسؤولية عن عدم عودة اللاجئين.

وقالت السفيرة البريطانية كارين بيرس للمجلس ”نشعر بخيبة أمل كبيرة... من عدم حدوث مزيد من التقدم بشأن إعادة اللاجئين ويشمل ذلك بوضوح تهيئة الظروف التي تجعل اللاجئين يشعرون بالقدرة على العودة“. وشدد عدد من أعضاء المجلس من الدول الغربية على ضرورة أن تكون عودة اللاجئين آمنة وطوعية وتحفظ كرامتهم، وضغطوا على حكومة ميانمار كي تسمح بوصول الأمم المتحدة إلى راخين دون قيد أو شرط. وأعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر منقسمون بشأن كيفية التعامل مع الأزمة، إذ تقف القوى الغربية في مواجهة مع روسيا والصين حليفة ميانمار. بحسب رويترز.

وقال وو هايتاو نائب سفير الصين في الأمم المتحدة إن الأمر بالأساس هو مشكلة بين ميانمار وجارتها بنجلادش ”والدولتان هما المناطتان بالعمل لحلها“. ووافقه في الرأي نائب السفير الروسي بالمنظمة الدولية ديمتري بوليانسكي. أما جوناثان كوهين نائب السفير الأمريكي فقال ”المجتمع الدولي لا يمكنه تجاهل أكبر مخيم لاجئين في العالم“.

الحدو الهندية

على صعيد متصل قالت الشرطة الهندية إنها اعتقلت 31 من المسلمين الروهينجا تقطعت بهم السبل على الحدود بعد أن مُنعوا من دخول بنجلادش ولم يتفق مسؤولو الحدود على ما يمكن أن يفعلوه تجاه الروهينجا الفارين من الهند. وتعتبر الحكومة الهندوسية في الهند الروهينجا غرباء غير شرعيين وخطرا أمنيا وأمرت بمعرفة هوية عشرات الآلاف منهم الذين يعيشون في مستوطنات وأحياء فقيرة متفرقة حول البلاد وإعادتهم لبلادهم.

والروهينجا وبينهم نساء وأطفال تقطعت بهم السبل في أرض حرام على حدود بنجلادش مع الهند. ولم تسفر جولتان من المحادثات بين مسؤولي الحدود عن التوصل إلى حل. وقال الشرطي أجاي كومار داس في ولاية تريبورا بشمال شرق البلاد على الحدود مع بنجلادش ”ألقينا القبض عليهم وفقا لقانون الأجانب بتهم دخول الهند دون وثائق سفر سليمة“. وفر مئات الآلاف من الروهينجا من ميانمار التي تقطنها أغلبية بوذية من منازلهم في ولاية راخين على مدار عقود وأغلبهم بسبب حملات القمع والتمييز التي يقوم بها الجيش. بحسب رويترز.

ولجأ الكثيرون إلى بنجلادش التي يعيش فيها نحو مليون ولكن آخرين انتهى بهم الأمر في الهند وجنوب شرق آسيا وما ورائها. وكان المعتقلون الواحد والثلاثين يعيشون في كشمير وبعضهم يحمل بطاقات هوية صادرة عن مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. وأصدرت المفوضية نحو 16500 بطاقة هوية للروهينجا في الهند قائلة إنها يمكن أن تساعد في ”حمايتهم من التحرش والاعتقالات التعسفية والترحيل“. ولا تعترف الهند بهذه البطاقات.

من جانب اخر قال زعماء لأقلية الروهينجا إن مئات العائلات المسلمة من الروهينجا غادرت الهند إلى بنجلادش منذ ترحيل سبعة رجال إلى موطنهم في ميانمار في أكتوبر تشرين الأول، وأضافوا أن المزيد يستعدون للفرار من حملة القمع. ورحلت الهند أسرة من الروهينجا مؤلفة من خمسة أفراد إلى ميانمار ذات الأغلبية البوذية، وهي ثاني عملية ترحيل في غضون ثلاثة أشهر. وقد أثار ذلك قلق أبناء الأقلية خاصة بعدما قالت الأمم المتحدة إن الظروف ليست مواتية لهم للعودة إلى ميانمار بعد فرارهم من العنف والاضطهاد على مر السنين.

وقال محمد عرفات، وهو أحد شبان الروهينجا وغادر إلى بنجلادش في أكتوبر تشرين الأول بعد ست سنوات من الإقامة في مدينة جامو بشمال الهند ”تحدث العديد من الأشخاص في الهند عن أشياء مثل تشكيل حركة للقتل“. وقال عرفات، وهو أب لطفلين ويبلغ من العمر 24 عاما، من منطقة كوكس بازار في بنجلادش ”لقد واجهنا العديد من المشكلات في بلادنا ونحتاج إلى حرية للعيش في مكان آخر، ولكن إذا تعرضت للخوف مجددا كما كان الحال في ميانمار، فلماذا تعيش هناك؟“. وبحسب عرفات وقيادي شاب آخر فقد سافر نحو ألفين من الروهينجا إلى بنجلادش خلال الشهور القليلة الماضية.

وقال مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في بنجلادش إن الروهينجا القادمين من الهند ”جميعهم بخير وسلام“ ويتلقون المساعدة. وقال فراس الخطيب المتحدث باسم المفوضية من كوكس بازار ”أعداد قليلة جدا من الناس تأتي من ميانمار الآن... لقد جاء معظمهم من الهند هذا الشهر“. وتشير تقديرات الهند إلى أن 40 ألفا من الروهينجا يعيشون في مخيمات في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في جامو وحيدر أباد والعاصمة نيودلهي. ونحو 16500 فقط لديهم بطاقات هوية من مفوضية اللاجئين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0