شهدت العلاقات بين إيران وبعض دول الخليج العربية وفي مقدمتها المملكة السعودية، حالة من التوتر والخلاف بسبب تضارب المصالح بخصوص بعض الملفات والقضايا الإقليمية المختلفة، ومنها ملف الصراع في سوريا والعراق والحرب في اليمن، تلك الخلافات والتوترات وبحسب بعض المراقبين ازدادت بشكل كبير بعد تولي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تبني سياسة أكثر عدائية تجاه طهران، وهو ما دفع دول الخليج التي لم تستسغ بحسب بعض المصادر، أبداً التقارب بين واشنطن وطهران إبان عهد إدارة الرئيس أوباما، الى تصعيد خطابها المعادي لإيران بهدف الحد من نفوذها المتزايد في المنطقة، من جانب اخر يرى بعض المراقبين ان دول الخليج ربما ستسعى أيضا الى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل وتكوين تحالفات جديدة سرية او معلنة برعاية أمريكية في سبيل إضعاف ايران، التي عمدت هي الأخرى الى اعتماد خطط جديدة من اجل إزالة الشكوك وكسب ثقة بعض دول الخليج. التي تسعى هي الاخرى الى تحسين العلاقات مع طهران عن طريق حل الخلافات بالحوار والمباحثات وابعاد شبح الحروب والصراعات.

ومرت العلاقات التاريخية بين البلدان العربية وبين إيران بمراحل متعددة قبل وبعد الثورة الإسلامية، ولإيران مكانه هامة في الشرق الأوسط إذ أنها أحد أكبر البلدان الإسلامية لاسيما في المشرق الإسلامي فيما يشكل العرب ثقل العالم الإسلامي. لدى إيران عموماً ثلاث حلفاء رئيسيِّين في العالم العربي، هُم العراق وسوريا ولبنان، فيما أن أكثر علاقاتها توتراً في المنطقة هي مع دول الخليج العربي.

جبهة إسرائيلية خليجية

وفي هذا الشأن تسعى واشنطن لإقامة جبهة إقليمية موحدة بين إسرائيل والقوى العربية السنية ضد إيران الشيعية، وهو ما أشار إليه دونالد ترامب في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في البيت الأبيض، وتهدف هذه "المقاربة الإقليمية" لإيجاد حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي وإقامة جبهة ضد إيران. وقد هيمنت على أول لقاء بين دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، التصريحات الملتبسة لترامب الذي تراجع عن الموقف الأمريكي المؤيد "لحل الدولتين" إسرائيلية وفلسطينية.

وعزز مساعدو ترامب بعد ذلك الالتباس بتأكيدهم أن الولايات المتحدة تبقى متمسكة بهذا المبدأ المرجعي للأسرة الدولية، لكن واشنطن منفتحة على حلول بديلة أيضا. لكن نتانياهو كان واضحا باقتراحه "مقاربة إقليمية" لإنهاء النزاع في الشرق الأوسط وهو الأقدم في العالم. وتحدث دونالد ترامب عن هذا العرض في مؤتمرهما الصحافي في البيت الأبيض. في اليوم التالي، دعا نتانياهو في مقابلة مع تلفزيون "أم إس أن بي سي" إلى "سلام شامل في الشرق الأوسط بين إسرائيل والدول العربية". وأشاد "بفرصة غير مسبوقة إذ أن عددا من الدول العربية لم تعد تعتبر إسرائيل عدوا بل حليفا في مواجهة إيران و داعش، القوتين التوأمين في الإسلام اللتين تقومان بتهديدنا جميعا".

وأكد ترامب من جديد أنه يريد الوصول إلى "اتفاق سلام رائع" إسرائيلي فلسطيني. وبناء على نصيحة صهره جاريد كوشنر اليهودي المؤمن، تبنى ترامب "المقاربة الاقليمية" التي يتحدث عنها نتانياهو، وتحدث بشكل مبهم عن "الكثير من الدول" وعن "أرض واسعة جدا". وبعبارات أوضح، تحدث السفير المقبل للولايات المتحدة في اسرائيل ديفيد فريدمان عن تشكيل تحالف بين إسرائيل والدول العربية السنية ضد إيران. وقال فريدمان إن "دول الخليج والمصريين والأردنيين والإسرائيليين يوحدهم (...) القلق نفسه في مواجهة إيران، وهي دولة ترعى الإرهاب".

وكان هذا المحامي اليهودي المثير للجدل في واشنطن بسبب تصريحاته التي تؤيد بانحياز الاستيطان الإسرائيلي وتناهض دولة فلسطينية، يتحدث في جلسة الاستماع الخاصة لتثبيت تعيينه في مجلس الشيوخ. ويرى خبراء أمريكيون أن هذا التوافق في وجهات النظر بين إسرائيل ودول عربية سنية في مواجهة الخصم الإيراني، يجب أن يلقى دعما من إدارة ترامب التي فرضت للتو عقوبات على طهران شكلت قطيعة مع أجواء التهدئة التي بدأت في عهد باراك أوباما.

وقال جوناثان شانجر نائب رئيس مركز التحليل المحافظ "فاونديشن فور ديفنس أوف ديموكراسيز" إن "ترامب يمكن أن يحقق إنجازا دبلوماسيا كبيرا بين إسرائيل ودول الخليج عبر تطويق التهديد الإيراني". وأضاف هذا الباحث إن الولايات المتحدة يمكن أن تكون "في أساس تفاهم إقليمي بين إسرائيل ودول الخليج"، مشيرا إلى أن السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية. لكن القضية ترتدي حساسية كبيرة إلى درجة أن اسم هذه الدول لا يرد إطلاقا في إسرائيل، باستثناء مصر والأردن اللذين أبرما معاهدتي سلام مع الدولة العبرية وتقيمان علاقات دبلوماسية معها. لكن هذا لا يمنع وجود علاقات شبه رسمية بين إسرائيل ودول الخليج. بحسب فرانس برس.

فقد التقى الضابط السعودي المتقاعد أنور العشقي في تموز/يوليو الماضي في القدس الغربية المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد. وكان الرجلان قد التقيا قبل سنة في مركز للأبحاث في واشنطن. وقد تحدثا حينذاك عن عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي تراوح مكانها منذ ربيع 2014 ودعوا إلى إحياء مبادرة السلام العربية، الخطة السعودية التي عرضت في 2002 تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية مقابل نقاط عدة بينها إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 1967.

من جهة اخرى دعت السعودية وإسرائيل إلى حملة جديدة على إيران في مؤشر على التقاء متزايد للمصالح بشأن الجمهورية الإسلامية بينما وعد نواب في الكونجرس الأمريكي بالسعي إلى فرض عقوبات جديدة على طهران. وانضمت تركيا إلى الجبهة الفعلية الموحدة ضد طهران مع رفض وزراء من السعودية وإسرائيل دعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لدول الخليج العربية العمل مع طهران لتقليل العنف في المنطقة.

وبينما لا تزال السعودية في عداء مع إسرائيل إلا أن وزراء البلدين طالبوا في مؤتمر ميونيخ للأمن بمعاقبة طهران على دعمها للحكومة السورية وتطوير صواريخ باليستية وتمويل الانفصاليين في اليمن. وألغيت العقوبات الدولية على إيران قبل عام بناء على اتفاقها النووي مع القوى العالمية لكن نوابا عن الحزب الجمهوري بالكونجرس الأمريكي قالوا خلال المؤتمر إنهم سيضغطون لفرض عقوبات جديدة بسبب مسألة الصواريخ وتصرفات طهران "لزعزعة" استقرار الشرق الأوسط.

ووصف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إيران بأنها الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم وقوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط. وتجنب الوزير السعودي الإجابة على سؤال بشأن دعوة إسرائيل لعمل منسق مع الدول العربية السنية وسط ازدياد التكهنات بإقدام البلدين على تطبيع العلاقات والاتحاد في مواجهة إيران كما فعلت تركيا. وتتهم الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية إيران باستخدام الطائفية للتدخل في الدول العربية ومد نفوذها في الشرق الأوسط. وتنفي طهران الاتهامات.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان إن إيران هدفها تقويض السعودية في الشرق الأوسط ودعا إلى حوار مع الدول العربية السنية لهزيمة العناصر "المتطرفة" في المنطقة. وقال للمندوبين في المؤتمر "الانقسام الحقيقي ليس بين اليهود والمسلمين... ولكن المعتدلين في مواجهة المتطرفين." كما انتقد وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو ما أسماها "سياسة إيرانية طائفية" تهدف إلى تقويض البحرين والسعودية. وقال الوزير التركي "تركيا تعارض تماما أي انقسام سواء ديني أو طائفي. من الجيد أن نقوم حاليا بتطبيع علاقاتنا مع إسرائيل." وافتتح وزير الخارجية الإيراني الجلسة بدعوة للحوار لمعالجة "أسباب القلق" في المنطقة.

محاولة لتحسين العلاقات

على صعيد متصل قام الرئيس الإيراني حسن روحاني بجولة خليجية تهدف إلى حل "سوء التفاهم" مع الدول الخليجية. ووصل روحاني إلى الكويت، التي كلفها مجلس التعاون الخليجي بإجراء حوار مع طهران، بعد أن زار سلطنة عمان حيث التقى السلطان قابوس. والتقي روحاني أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي أطلق في وقت سابق، عبر إيفاد وزير خارجيته إلى طهران، حوارا مع الجمهورية الإسلامية بهدف تحسين العلاقات.

وقال روحاني خلال لقائه السلطان قابوس في مسقط، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، أن "لا ضمان لأمن المنطقة سوى بتحمل بلدان المنطقة المسؤولية والتعاون الإقليمي. من هنا، على دول المنطقة العمل سوية مع بعضها البعض لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة". وقبيل مغادرته طهران، أعلن روحاني أن دول مجلس التعاون الخليجي وجهت مؤخرا رسالة إلى بلاده عبر الكويت "بشأن حل سوء الفهم ورفع مستوى العلاقات". وأكد أن طهران ترحب "بمبدأ الرسالة وسيتم خلال زيارة اثنتين من الدول الأعضاء في مجلس التعاون تبادل وجهات النظر في هذا المجال".

وكان روحاني يشير إلى زيارة قام بها وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح إلى طهران، وصرح خلالها "إننا شركاء في المنطقة ولدينا مصالح مشتركة وإمكانيات كثيرة"، معتبرا أن "فتح هذا الحوار سوف يعود بالمنفعة على الجانبين". وكلف مجلس التعاون الخليجي، الذي اجتمع في كانون الأول/ديسمبر في المنامة، الكويت بدء حوار مع إيران بهدف تحسين العلاقات. وتشهد العلاقات بين طهران ودول مجلس التعاون الست، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، توترا متصاعدا. وتختلف الرياض مع منافستها الإقليمية حول العديد من المسائل في المنطقة، فيما العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مقطوعة منذ سنة.

ففي اليمن، تدعم طهران الحوثيين بينما تقود الرياض تحالفا عربيا عسكريا ضد هؤلاء دعما للرئيس المعترف به عبدربه منصور هادي. أما في سوريا، فتقدم إيران مساندة عسكرية وسياسية لنظام الرئيس بشار الأسد، بينما تدعم السعودية ومعها دول الخليج المعارضة السورية. وتتهم دول الخليج، لا سيما البحرين، طهران بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة زعزعة الاستقرار فيها. وبينما تتقرب دول الخليج من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخوض إيران مع هذه الإدارة حربا كلامية منذ توليها السلطة في البيت الأبيض.

وتحدث روحاني في تصريحاته في مسقط عن "الوضع المزري للشعب اليمني المظلوم"، مشددا على مسؤولية جميع الدول الإسلامية في المنطقة لاتخاذ "إجراءات جادة وإنسانية في مساعدة هذا الشعب"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الإيرانية. ودعا إلى "ترسيخ وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية وإجراء مفاوضات سياسية يمنية-يمنية". وكان قال في تصريحاته في العاصمة الإيرانية أن سياسة إيران قائمة على "حسن الجوار وضمان الأمن في منطقة الخليج"، مشيرا إلى أن طهران "لم ولن تفكر بتاتا بأي اعتداء على أحد أو أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".

وفي مسقط، استقبل السلطان قابوس بن سعيد الرئيس الإيراني في قصر العلم، وعقدا اجتماعا بحثا خلاله "العلاقات الوطيدة التي تربط البلدين والتعاون الثنائي (...) وسبل تعزيزه في مجالات مختلفة"، بحسب وكالة الأنباء العمانية. وقالت الوكالة في تقرير إن زيارة روحاني "تتسم بالكثير من الأهمية"، كونها تأتي في ظل "تطورات بالغة الأهمية تشهدها المنطقة والعالم". واعتبرت أن الزيارة تفرض "تبادل وجهات النظر والسعي الحثيث إلى العمل بكل السبل الممكنة لتعزيز مناخ السلام وفرص التقارب بين دول وشعوب المنطقة والدفع نحو حل مختلف المشكلات بالحوار والطرق السلمية وعبر الالتزام باحترام المصالح المشتركة والمتبادلة ومبادئ حسن الجوار". بحسب فرانس برس.

وتعود آخر زيارة للرئيس الإيراني إلى عمان إلى آذار/مارس 2014، فيما زار السلطان قابوس طهران في آب/اغسطس 2013. وتقيم إيران وسلطنة عمان تقليديا علاقات جيدة. وقامت عمان خصوصا بدور وساطة بين إيران والولايات المتحدة في ملفات عدة خصوصا المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. وتسيطر إيران وسلطنة عمان على ضفتي مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تمر عبره نسبة 40% من النفط المنقول بحرا في العالم. وزيارة روحاني إلى الكويت هي الأولى له إلى الدولة الخليجية النفطية، فيما قام أمير الكويت في حزيران/يونيو 2014 بزيارة إلى إيران وصفتها طهران آنذاك بـ"التاريخية".

من جانب اخر دعا مسؤول إيراني كبير دول الخليج العربية لاستغلال فرصة زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لعمان والكويت لتحسين العلاقات محذرا من أن فرصة كهذه لن تتكرر. وقال حامد أبو طالبي نائب مدير مكتب روحاني في تغريدة على تويتر "مبادرة روحاني الإقليمية لقبول دعوة زعيمي عمان والكويت هي مؤشر على الحاجة لإقامة صداقات إسلامية واستعادة العلاقات الإقليمية." وتابع قوله "هذه المبادرة الإقليمية هي فرصة يتعين على أصدقائنا في المنطقة أن يستغلوها لأنها لن تتكرر. استغلوا الفرصة الطيبة".

اتفاق جديد

من جانب اخر قال وزير النفط الإيراني بعد اجتماعه مع نظيره العماني في طهران إن إيران وسلطنة عمان اتفقتا على تغيير مسار خط أنابيب بحري مزمع لتصدير الغاز لتفادي مروره بالمياه التي تسيطر عليها الإمارات العربية المتحدة. وسيربط خط الأنابيب المزمع بين احتياطيات الغاز الضخمة في إيران والمستهلكين العمانيين إضافة إلى محطات للغاز الطبيعي المسال في السلطنة يمكنها إعادة تصدير الغاز.

وفي 2013 وقعت الدولتان اتفاقية لتوريد الغاز إلى سلطنة عمان من خلال خط الأنابيب الجديد في صفقة بقيمة 60 مليار دولار على مدى 25 عاما. وبعد رفع العقوبات الدولية عن طهران في يناير كانون الثاني 2016 جدد البلدان الجهود الرامية لتنفيذ المشروع لكنه تأخر بسبب خلافات على السعر والضغوط الأمريكية على مسقط لإيجاد موردين آخرين. ونقلت وكالة أنباء مهر الإيرانية عن وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه قوله "اتفقت الدولتان على أن يتفادى خط أنابيب تصدير الغاز المياه التي تسيطر عليها الإمارات العربية المتحدة ويمر عبر المياه العميقة." بحسب رويترز.

وقال زنغنه خلال اجتماعه مع وزير النفط والغاز العماني محمد بن حمد الرمحي في طهران إنه تم توقيع اتفاقية جديدة لتمديد الاتفاق السابق. وتابع "تغيير مسار خط الأنابيب عبر المياه العميقة ليس له أثر اقتصادي على مشروع تصدير الغاز." وأضاف زنغنه أن ممثلين عن شل وتوتال وشركة كوريا جاس كورب (كوجاس) حضروا أيضا الاجتماع في طهران وعرضوا مقترحاتهم. وقال إن المشروع بأكمله سيحتاج استثمارات بنحو 1.2 مليار دولار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0