العلاقة المستقبلية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، يمكن ان تشهد وبحسب بعض المراقبين تحول كبير بعد استلام الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب مقاليد الحكم، بسبب بعض المواقف والتصريحات التي أثارت الكثير من الجدل حول علاقة الولايات المتحدة بالحلف وكذلك التقارب المحتمل مع الروس، حيث اكدت بعض التقارير أن التصريحات أدلى بها ترامب، حول الناتو، تثير قلق قيادة الحلف. واعتبر ترامب في مقابلة مع صحيفتي تايمز البريطانية وبيلد الألمانية أن حلف شمال الأطلسي منظمة "عفا عليها الزمن". متهما دولا أعضاء في الحلف بأنها لا تدفع حصتها في إطار عملية الدفاع المشتركة والاتكال على الولايات المتحدة.

وقال ترامب إن "الأطلسي لديه مشاكله وهو (منظمة) عفا عليها الزمن لأنها أنشئت بالدرجة الأولى منذ سنوات"، مضيفا أنه من المفترض أن نقوم بحماية بلدان (الحلف) "لكن بلدانا كثيرة لا تدفع ما يتوجب عليها وهذا غير عادل بحق الولايات المتحدة إلى حد كبير"، مضيفا أن هناك فقط 5 بلدان تدفع ما يتوجب عليها. لكن ترامب قال لصحيفة بيلد الألمانية إنه "إذا تم استثناء كل مكامن الضعف هذه، فإن الأطلسي يبقى في نظري مهما جدا". وألمح في المقابلة ايضا إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع موسكو لتقليص أسلحتها النووية مقابل رفع العقوبات عنها.

ومن شأن هذه الانتقادات تعزيز مخاوف حلفاء الولايات المتحدة من السياسة التي ستعتمدها واشنطن من الآن فصاعدا. من الجدير بالذكر أن ترامب وعد، خلال حملته الانتخابية، بإعادة النظر في التزامات الولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي، إذا لم تزد الدول الأعضاء الأخرى في الناتو نفقاتها الدفاعية إلى 2% من الناتج الداخلي، كما كان الحال فيما سبق. ويرى بعض المراقبين ان ترامب يسعى ومن خلال هذه التصريحات الحصول على تنازلات مهمة من الحلف وهو ما سيتحقق لكن ليس كما يريد ترامب، خصوصا وان الحلف لا يستطيع الانفصال عن أمريكا، والأخيرة لا تستطيع التحرك دون حلفائها، لأن التهديدات الروسية تحتم عليهم جميعا ذلك.

قلق كبير

وفي ما يخص هذا الملف قال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير إن تعليقات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب التي وصف فيها حلف شمال الأطلسي بأنه "عفا عليه الزمن" أثارت قلق التحالف المكون من 28 عضوا. وأضاف شتاينماير عقب اجتماع مع الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرج في بروكسل أن تعليقات ترامب ناقضت الآراء التي عبر عنها وزير دفاعه المكلف جيمس ماتيس. وتحدث أيضا عن "دهشته".

وقال شتاينماير للصحفيين عندما سُئل عن مقابلة ترامب مع صحيفتي بيلد وتايمز أوف لندن "لقد تحدثت اليوم ليس مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فحسب ولكن مع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي أيضا ويمكنني القول إن هناك إشارات إلى عدم تهدئة التوتر. "من الواضح أنه جرى النظر بقلق لتعليقات الرئيس المنتخب ترامب التي يعتبر فيها حلف شمال الأطلسي بأنه عفا عليه الزمن." بحسب رويترز.

وقال ترامب إنه ينظر إلى حلف شمال الأطلسي باعتباره عفا عليه الزمن لأنه لم يدافع عن أعضائه ضد الهجمات الإرهابية. كما قال ترامب إنه يكن على الدوام "احتراما كبيرا" للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لكنه انتقد قرارها عام 2015 السماح بدخول مليون مهاجر ووصفه بأنه "خطأ كارثي" فتح الباب للهجمات الإرهابية.

ترامب والالتزام الامريكي

الى جانب ذلك كرر ينس ستولتنبرغ ثقته الكاملة بان دونالد ترامب سيحترم الالتزام الاميركي في الحلف الاطلسي، اضافة الى تطابق في وجهات النظر معه حول روسيا. وكرر الامين العام للحلف الاطلسي "انا واثق تماما بان الرئيس المنتخب ترامب سيحافظ على الالتزام القوي لاميركا من اجل الامن الاوروبي وامن الحلف الاطلسي". واضاف ان ذلك "يصب في الوقت نفسه في صالح اوروبا والولايات المتحدة"، مشيرا الى كتلتين تربطهما صلة وثيقة بعد "حربين عالميتين وحرب باردة".

وتابع رئيس الوزراء النروجي الاسبق "اتطلع الى العمل مع الرئيس المنتخب ترامب واستقباله هنا في بروكسل خلال قمة الحلف العام المقبل". واعتبر ان مطالبة الرئيس الاميركي المنتخب الاوروبيين داخل الاطلسي بالتزام مالي اكبر هو امر "يمكن تفهمه تماما" مذكرا بانها مسالة سبق ان اثارها باراك اوباما. وفي اول حديث عبر الهاتف بينهما، تطرق ستولتنبرغ وترامب الى قضية سقف النفقات العسكرية للحلفاء، وعلق الامين العام "كان حديثا جيدا" مؤكدا ان هذا الموضوع لا يزال "اولويته الاولى" منذ تسلمه منصبه في 2014.

ووحدها خمس دول اعضاء في الاطلسي من اصل 28 (الولايات المتحدة وبريطانيا وبولندا واليونان واستونيا) تنفق على صعيد الدفاع ما يشكل 2 في المئة من اجمالي ناتجها الداخلي، وهو السقف الذي يرغب فيه الحلف. وكان ترامب اثار قلقا خلال حملته الانتخابية حين لمح الى ان واشنطن قد تفكر مرتين قبل ان تساعد حليفا في خطر لم يسدد المتوجب عليه على المستوى الدفاعي، علما بان الولايات المتحدة تؤمن اكثر من ثلثي النفقات الدفاعية للاطلسي. ومن شان موقف مماثل ان يؤثر في مبدأ الدفاع المشترك الذي تضمنه البند الخامس من المعاهدة المؤسسة للحلف.

وكرر ستولتنبرغ "المرة الوحيدة التي تمت الاشارة فيها الى البند الخامس (...) كانت بعد هجوم على الولايات المتحدة" في اشارة الى اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 التي اعقبها تدخل الحلف في افغانستان. كذلك، ابدى ستولتنبرغ اطمئنانا بالنسبة الى العلاقة مع روسيا في ظل مخاوف جيرانها من اللهجة التصالحية التي تبناها ترامب ازاء موسكو.

ودعا باراك اوباما ترامب الى "الوقوف في وجه" روسيا معبرا عن مخاوف عدد لا يستهان به من الحلفاء. لكن الامين العام للاطلسي قال "سمعت ان (ترامب) اوصل رسالة مفادها انه يرغب ايضا في التحاور مع الروس"، مشددا على ان الحلف لديه ايضا هذه الرغبة في الحوار رغم التوتر الراهن. واضاف "روسيا هي اكبر جار لنا، هي هنا لتبقى. لا يمكننا في اي حال عزل روسيا، علينا اذن ان نجهد لعلاقة بناءة اكثر معها". بحسب رويترز.

لكنه اوضح ان هذه العلاقة يجب ان تبنى على احترام "مبادىء اساسية" مثل الحفاظ على وحدة اراضي اوكرانيا. وتوترت العلاقة بين الغربيين وموسكو منذ ضمت الاخيرة القرم في اذار/مارس 2014. وقرر الحلف في تموز/يوليو في وارسو تعزيز امكاناته العسكرية على الضفة الشرقية الى درجة غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب الباردة. وفي هذا السياق، سيتم نشر اربع كتائب تضم كل منها نحو الف عنصر اعتبارا من بداية 2017 في كل من بولندا وليتوانيا واستونيا ولاتفيا. وفي 14 تشرين الثاني/نوفمبر، اي بعد ستة ايام من انتخابه رئيسا، اجرى دونالد ترامب اول اتصال هاتفي مع الرئيس فلاديمير بوتين معربا عن امله في اقامة "علاقات قوية ودائمة مع روسيا والشعب الروسي" وفق ما اعلن فريقه. ولفت الكرملين من جهته الى ارادة مشتركة ل"تطبيع" العلاقات بين موسكو وواشنطن.

تعاون لردع روسيا

في السياق ذاته تعهد الجيش الأمريكي بزيادة نطاق وكثافة مناورات التدريب في أوروبا لردع العدوان الروسي وذلك في وقت وصل فيه مزيد من الدبابات والشاحنات والمعدات الأمريكية الأخرى إلى ألمانيا لبناء حشد عسكري كبير في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. وقال الجنرال بسلاح الجو الأمريكي تيم راي نائب قائد القيادة الأمريكية في أوروبا في تصريحات معدة سلفا "لأكن واضحا: هذا أحد أركان جهودنا لردع العدوان الروسي وضمان وحدة أراضي حلفائنا والحفاظ على أوروبا كيانا مكتملا وحرا ومزدهرا ويعيش في سلام."

ويشير راي إلى "التزام أمريكا الصلب كالصخر تجاه أوروبا" الذي شهده ميناء بريمارهافن في شمال ألمانيا والذي تابع فيه القائد العسكري الأمريكي وصول نحو 2800 قطعة من العتاد العسكري سيستخدمها حوالي 4000 جندي أمريكي يجري نشرهم لمناورات تدريبية في دول أعضاء بالحلف قريبة من روسيا. وجاء الحشد العسكري من جانب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بعد أيام من اتهام أجهزة المخابرات الأمريكية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصدار أوامر ببذل جهد لدعم الفرص الانتخابية للمرشح الجمهوري دونالد ترامب في حملة انتخابات الرئاسة في 2016 من خلال التشكيك في المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والتي خسرت الانتخابات.

وقال راي إن قوات الجيش الأمريكي في أوروبا والتي يقترب عددها من 70 ألفا توائم نفسها مع التحديات الاستراتيجية المتغيرة بسرعة مثل العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا وتدفقات المهاجرين من سوريا والتطرف الإسلامي الذي يمثله الهجوم بشاحنة في برلين الذي أودى بحياة 12 شخصا. ويسعى الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي إلى زيادة قدرتهما على الرد السريع على الأخطار الجديدة من خلال النشر المسبق لإمدادات ومعدات في أنحاء أوروبا في الوقت الذي يحدثان فيه المطارات والممرات وغير ذلك من البنية التحتية بعد سنوات من الإهمال. بحسب رويترز.

وقال راي "سنزيد أيضا نطاق وكثافة كثير من المناورات في نطاق مهمتنا مع التركيز على التبادل المشترك للأدوار والدفاع الصاروخي وعمليات مواجهة الأزمات." وأضاف أن الدبابات والشاحنات التي وصلت في الآونة الأخيرة هي جزء فقط من قوة كبيرة تشمل معدات في "الفضاء والفضاء الإلكتروني والجو والبحر".

وأجرت قوات من 11 دولة عضوا بحلف شمال الأطلسي من بينها الولايات المتحدة تدريبات على المهارات القتالية في غابة يكسوها الجليد في ليتوانيا وعبًرت رئيسة الدولة المطلة على بحر البلطيق عن الثقة في استمرار التزام أمريكا بالدفاع عن أوروبا بعد تولي دونالد ترامب الرئاسة. وأثار ترامب انزعاج حلفاء الولايات المتحدة أثناء الحملة الانتخابية بإشادته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووصفه لحلف الأطلسي بأنه "عفا عليه الزمن" وتساؤله بشأن ما إذا كان يجب على واشنطن أن تحمي الحلفاء الأوروبيين الذين لا ينفقون بالقدر الكافي على الدفاع عن أنفسهم.

من جهة اخرى قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، ينس ستولتنبرغ ، إن الحلف لا يرغب في مواجهة مع روسيا، ولا في حرب باردة جديدة. وأضاف ستولتنبرغ، إن خطط نشر 4 آلاف جندي إضافي في أوربا الشرقية تهدف لمنع اندلاع نزاع، وليس إثارته. وقال ستولتنبرغ إنه على الرغم من التوترات الحالية، إلا أن الحلف العسكري لا يرى روسيا باعتبارها تهديدا. وتعد العلاقات بين روسيا والغرب في أسوأ حالاتها، منذ انتهاء الحرب الباردة.

وفرضت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي عقوبات على روسيا، عقب ضمها لشبه جزيرة القرم، التي كانت تابعة لدولة أوكرانيا، وذلك في عام 2014. كما أصبحت سوريا أيضا سببا من أسباب التوتر بين الجانبين، حيث تتهم دول غربية موسكو بارتكاب جرائم حرب، خلال قصفها للمناطق التي تسيطر على المعارضة المسلحة المناوئة للرئيس بشار الأسد. ويرفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه المزاعم، ويقول إن فكرة أن روسيا لديها خطط عسكرية عدائية تجاه أوربا "سخيفة". ويقول الأمين العام للناتو إن الحلف لا يسعى لمواجهة مع روسيا، وإنما "يسعى إلى علاقة أكثر تعاونا وإيجابية". وأضاف: "لكن علينا أن نفعل ذلك على أساس الردع الدفاعي الجماعي".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0