لباس البحر الإسلامي البوركيني اصبح اليوم محور جدل كبير في الساحة السياسية والإعلامية في فرنسا التي تعيش فيها أكبر جالية مسلمة بأوروبا، بعد ان سعت بعض الجهات الرسمية وبتأيد حكومي، الى منع ارتداء البوركيني في الشواطئ بدواعي الحدّ من التوتر والحفاظ على القيم العلمانية الفرنسية، وكانت أول مدينة قررت منع البوركيني وكما نقلت بعض المصادر، هي مدينة كان بالجنوب الفرنسي، بعدما أعلن عمدتها أن أيّ زي ديني في الشواطئ العمومية يتنافي مع قيم العلمانية الفرنسية، وأن زيّ البوريكيني يعدّ علامة على التشدد الإسلامي، وقالت البلدية في بيان لها إن الشرطة قامت بتغريم عدد من الحالات التي ضبطت بخرق هذا القانون.

ودافعت الحكومة عن قرار حظر ارتداء البوريكيني، وصرّحت وزيرة حقوق النساء، لورنس روسينيول، لإذاعة أوروب 1، أن البوركيني لديه معنى، وهذا المعنى هو إخفاء جسد المرأة وإنه ليس مجرّد لباس، بل هو مشروع مجتمعي، مطالبة بالتصدي لهذا اللباس، وبتركيز النقاش حول تحرير المرأة وعدم استغلال الموضوع لأغراض سياسية أو لزيادة الضجة حول الإسلام بفرنسا.

وبدأ النقاش حول البوركيني في فرنسا، عندما ندّد نواب من حزب الجبهة الوطنية بحجز مسبح مفتوح للعموم لفائدة من يرتدين البوركيني مدة يوم كامل، وانتهى النقاش بإعلان مدير المسبح إلغاء هذا اليوم الذي دعت إليه جمعية "سمايل 3".

ونددت جمعيات إسلامية بهذا الحظر، ورفع ائتلاف مناهضة الإسلاموبوفويا شكوى لدى المحكمة الإدارية بمدينة نيس لإلغاء قرار عمدة مدينة كان، غير أن المحكمة قضت لصالح العمدة، مبررة ذلك بكون قرار العمدة لا يخالف المادة الأولى من الدستور الفرنسي التي تؤكد على علمانية الدولة. كما برّرت المحكمة أن الظروف التي تعيشها فرنسا في إطار حالة الطوارئ، والهجمات الإرهابية التي عانت منها فرنسا مؤخرًا، قد "تؤوّل لباسًا مثل البوركيني لما هو أبعد من مجرّد لباس ديني". وقد قرّر الائتلاف الإسلامي رفع القضية أمام المحكمة العليا بباريس، تخوّفًا من إمكانية أن 'يتطور هذا القرار نحو منع ارتداء الأزياء الدينية في كل الفضاءات العمومية حسب تصريحات لمحاميته.

ومسألة البوركيني تتسم بحساسية خاصة في فرنسا نظرا إلى الهجمات الدامية التي نفذها متشددون إسلاميون ومنها تفجيرات وإطلاق نار في باريس قتل فيه 130 شخصا في نوفمبر تشرين الثاني الماضي مما صعد التوترات بين المسلمين وغير المسلمين وزاد من قلق الناس في الأماكن العامة. الا ان رابطة حقوق الانسان والتجمع لمكافحة كره الاسلام في فرنسا يعتبران ان حظر لباس البحر الاسلامي تمييزي ورفعا شكاوى ضد هذا الاجراء. وقال محامي رابطة حقوق الانسان باتريس سبينوزي ان هذا الحظر يعد "مساسا خطيرا غير شرعي للحريات الاساسية وحرية الرأي والعقيدة والتنقل واختيار الملابس".

وبحسب بعض المصادر فان اليمين المتطرف، سيسعى الى توظيف مثل هذه الأحداث وقضايا،من اجل الحصول على مكاسب سياسية وإعادة إحياء بعض التدابير التي ترمي إلى تضييق هوامش الحركة للجمعيات الإسلامية واعتماد إجراءات تخص منع المحجبات في الإدارات والمؤسسات، وقد توسعت التدابير ما بين 2012 و2014، على أساس حظر الحجاب في الأجهزة الحكومية وفي المدارس التي تديرها الدولة.

وأيد فالس اقتراح المجلس الأعلى للاندماج في فرنسا، يقضي بحظر ارتداء الحجاب في الجامعات، إلا أن الرئيس هولاند رفضه. وقد حذر العديد من السياسيين من أن سلسلة الحظر التي تمس الجاليات المسلمة يمكن أن تثير التوتر بين الحكومة الاشتراكية التي تدافع عن مبدأ علمانية فرنسا، والجاليات المسلمة التي تشعر بأن مثل هذه القوانين تهدف إلى عزلهم ومعاقبتهم، وقد سبق لحكومة ساركوزي أن عاشت فصلا من فصول الصراع عبر ثورة الضواحي. وعمدت الحكومة الاشتراكية الفرنسية إلى تدعيم مرصد للعلمانية في أفريل الماضي، وطلبت من الهيئة آليات حول كيفية تطبيق القانون الصادر عام 1905، والذي يهدف إلى حماية المجال العام من الضغوط الدينية مع احترام حرية الدين، في منحى يرضي التيارات التي تدعو لتضييق هامش حركة الجمعيات ونشاط الجاليات المسلمة، والتركيز على ضرورة إدماجها في المجتمع الفرنسي بقواعده العلمانية.

من جانب اخر رأت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أنه مع اقتراب انتخابات الرئاسة الفرنسية ومع التأثير البالغ على فرنسا من سلسلة الهجمات التي شنها متطرفون إسلاميون، اغتنم الساسة من جميع التيارات السياسية فرصة قضية البوركيني للإعلان عن مبادئهم العلمانية الصارمة. واشارت الصحيفة الى أنه على الرغم من ندرة ارتداء البوركيني، حتى بين الخمسة ملايين مسلم في فرنسا، أصبح الأمر قضية سياسية ساخنة هذا الصيف وأحدث ساحة قتال في النقاش الاندماج والعلمانية والهوية، لافتة الى أن الذين يعارضون البوركيني يرونه مناهضا لقيم العلمانية في فرنسا وتهديدا للأمن والنظام العام. واوضحت الصحيفة أنحظر البوركيني سيكون رسالة ضد استعباد المرأة وضد التطرف والإرهاب.

دعم حكومي

في هذا الشأن عبر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في مقابلة مع صحيفة "لابروفانس" نشرت عن دعمه لرؤساء بلديات فرنسية حظروا لباس البحر الإسلامي "البوركيني" الذي يغطي كامل أنحاء الجسد. وحظر عدد من رؤساء البلديات في فرنسا في الفترة الأخيرة السباحة بـ"البوركيني"، ما أثار جدلا بين أنصار تطبيق العلمانية في الأماكن العامة والمدافعين عن حرية التعبير. وقرر رئيس بلدة سيسكو في كورسيكا، الجزيرة الفرنسية في البحر الأبيض المتوسط، منع "البوركيني"، بعد شجار عنيف بين شبان وعائلات من أصول مغاربية.

وقال فالس في المقابلة "أنا أتفهم رؤساء البلديات الذين يبحثون في هذه المرحلة المتوترة، عن حلول لتجنب اضطرابات في النظام العام". وتابع "أنا أؤيد أولئك الذين اتخذوا قرارا" بمنع لباس البحر الإسلامي "إذا كانوا مدفوعين برغبة في تشجيع عيش مشترك (لا مكان فيه) لدوافع سياسية خفية". واعتبر رئيس الحكومة الفرنسية أن "الشواطئ على غرار كل المساحات العامة يجب أن تكون" خالية من المظاهر الدينية، مشددا على أن الـ"بوركيني" هو "ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني خصوصا على استعباد المرأة".

وأضاف أن وراء الـ"بوركيني"، "هناك فكرة أن النساء فاسقات (...) وأنه يجب أن يكن مغطيات بالكامل. هذا لا يتوافق مع قيم فرنسا والجمهورية". وشدد على ضرورة "أن تدافع الجمهورية عن نفسها في مواجهة الاستفزازات". وحتى الآن، اتخذت سبع بلديات فرنسية قرارا بمنع الـ"بوركيني" أو أعلنت عزمها على منعه. واعتبر فالس أن مسألة منع لباس البحر الإسلامي لا يتطلب تعديل التشريع الفرنسي القائم. ودعا من جهة أخرى السلطات إلى التنفيذ الصارم لقانون "حظر النقاب في الأماكن العامة". كذلك دعا المرجعيات الإسلامية في فرنسا إلى اتخاذ موقف في هذا الاتجاه، وقال إن على تلك المرجعيات أن تمنع أيضا النقاب وأن "تدين الأعمال الاستفزازية التي تمهد لمواجهة".بحسب فرانس برس.

وتوجه رئيس الوزراء الفرنسي إلى المواطنين الفرنسيين المسلمين، فقال إنه يعود إليهم "وإلى مرجعياتهم وعائلاتهم والتزامهم الشخصي والمهني والاجتماعي أن يقولوا إنهم يرفضون الرؤية" المسيئة للإسلام. وتمنع فرنسا منذ العام 2011 ارتداء النقاب والبرقع في الأماكن العامة، وتمنع أيضا منذ العام 2004 الموظفين الرسميين وتلاميذ المدارس العلمانية من وضع الرموز الدينية الواضحة. ويقول رؤساء البلديات الذين فرضوا الحظر إن هذا الزي الذي لا يظهر سوى الوجه والكفين والقدمين يخالف القوانين الفرنسية المتعلقة بالعلمانية.

وقال انج بيير فيفوني رئيس بلدية سيسكو على جزيرة كورسيكا في البحر المتوسط لشبكة تلفزيون بي.اف.أم إن البوركيني غير مقبول في بلدته. وأضاف "الناس هنا يشعرون بالاستفزاز من أمور مثل هذه." وقال إنه لا يستهدف المسلمين لكنه يريد التخلص من المتعصبين على الجزيرة. وقال "هؤلاء الناس ليس لهم مكان هنا." ونفى فيفوني في تصريحات لإذاعة فرانس إينفو تقارير إعلامية عن أن مشاجرة نشبت على شاطئ سيسكو بدأها سائح يلتقط صور لمسلمات يسبحن مرتديات البوركيني.

وقال "المشاجرة لم تكن بسبب البوركيني. شبان كورسيكا كانوا يدافعون عن سائحين يلقطون صورا بسلمية للمناظر الطبيعية." وقال إن حظر البوركيني -والكلمة مشتقة من كلمتي برقع وبيكيني - تهدف إلى حماية ذوى الأصول الشمال افريقية بقدر ما تحمي الجميع. وقال "سكان سيسكو يعيشون في خوف دائم. يوجد العديد من المحرضين هنا... نحن نعيش على برميل بارود."

القضاء الفرنسي

من جانب اخر ووسط أجواء متوترة، بدأ القضاء الفرنسي محاكمة خمسة أشخاص في جزيرة كورسيكا، جنوب فرنسا على خلفية أعمال العنف والصدامات الطائفية التي اندلعت بسبب لباس البحر الإسلامي البوركيني بعد تعدد الروايات حول حقيقة ما حدث ببلدية سيسكو بينما قال شهود عيان نقلت عنهم وكالة الأنباء الفرنسية أن الشجار وقع إثر قيام سياح بتصوير نساء مسلمات يرتدين هذا اللباس الذي يغطي جميع أنحاء الجسد والشعر كذلك.

وأسفرت هذه المشاجرة عن خمس إصابات وأضرار في الممتلكات. وتم حشد مئة من عناصر الشرطة والدرك لعودة الهدوء. من الواضح أن وراء هذه الأحداث يقف أفراد من العائلة المغاربية" وأعلنت النيابة العامة في باستيا بشمال كورسيكا أن خمسة رجال وضعوا قيد الاحتجاز على خلفية تلك المشاجرة، هم اثنان من سكان قرية سيسكو، وثلاثة أشقاء من أصول مغاربية يعيشون قرب باستيا.

وقال نيكولا بيسون مدعي باستيا أن القرويين الاثنين من قرية سيسكو اللذين أفرج عنهما سيحاكمان بتهمة ارتكاب أعمال عنف وسط تجمع من الأشخاص، فيما الأشقاء الثلاثة الذين أبقيوا رهن الاحتجاز فسيحاكمون بتهمة ارتكاب عنف مسلح. وأضاف أن المشاجرة حصلت في 13 آب/أغسطس وتواجهت فيها عائلة من أصول مغاربية أتت من باستيا، مع سكان من بلدة سيسكو على شاطئ قريب من هذه البلدة.

وأردف بيسون "من الواضح أن وراء هذه الأحداث يقف أفراد من العائلة المغاربية" أرادوا "أن يخصصوا الشاطئ لأنفسهم". وأشار إلى أن هؤلاء الأفراد كثفوا استفزازاتهم إذ "ألقوا حجارة قرب أشخاص آخرين لترويعهم"، وأطلقوا "شتائم وتهديدات". وتضاعفت أعمال العنف والصدامات مع المسلمين في جزيرة كورسيكا في السنوات الأخيرة، حيث تم تخريب مصلى في كانون الأول/ديسمبر الماضي بعد هجوم استهدف عناصر الإطفاء اتهم شبان من أصول مغاربية بالضلوع فيه. بحسب رويترز.

كما قرر رئيس البلدية إلغاء احتفالات ذكرى رقاد السيدة العذراء في 15 آب/أغسطس "ليس لأسباب أمنية لكن بسبب مزاج الناس". وتم فتح تحقيق حول العنف من أجل "تحديد أساس" وقائع ما حدث السبت وفقا للنيابة العامة في باستيا، شمال الجزيرة. وقد شارك نحو 500 شخص في باستيا في تجمع وسط أجواء متوترة. وهتف هؤلاء "إلى السلاح، سنذهب إلى هناك فنحن في بلدنا"، وتوجه الحشد إلى لوبينو الشعبي والمختلط لكن الشرطة سدت مداخل الحي الواقع في ضاحية المدينة. وفي وقت سابق أقرت الجمعية الوطنية في كورسيكا قرارا يطلب من الدولة إغلاق أماكن عبادة الأصوليين المسلمين في هذه الجزيرة بعد ساعات من تهديد وجهته جماعة انفصالية إلى "الإسلاميين المتطرفين" من "رد حاسم" في حال وقوع اعتداء.

ايطاليا وصور الراهبات

الى جانب ذلك اعلن وزير الداخلية الايطالي انجيلينو الفانو ان ايطاليا لن تحذو حذو بلدات فرنسية في حظر لباس البحر الاسلامي "البوركيني" على الشواطىء العامة لكنها تعتزم تنظيم عمل الائمة والمساجد. واعتبر الوزير في مقابلة مع صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الايطالية ان القيود التي تفرضها فرنسا على النزول الى الشاطىء بلباس البحر الاسلامي غير بناءة لانها قد تؤدي الى نتائج عكسية.

وقال الفانو "من مسؤولية وزارة الداخلية ضمان الامن وان تقرر مدى قسوة الرد الذي بمطلق الاحوال يجب الا تنتج عنه استفزازات يمكن ان تؤدي لاحقا الى هجمات". واضاف ان "الدستور الايطالي يضمن لكل فرد حرية الديانة" وذلك في معرض حديثه عن مقاربته "الليبرالية والبرغماتية". وردا على سؤال تحديدا حول قرار عدة بلدات ساحلية في فرنسا في الاونة الاخيرة حظر لباس البحر الاسلامي قال الفانو "لا يبدو لي ان النموذج الفرنسي حقق نجاحا".

وتابع الفانو الذي يعتزم طرح قانون امني جديد في ايلول/سبتمبر انه سيتخذ اجراءات من اجل تعزيز الرقابة على المساجد والتزام الائمة بالقوانين الايطالية. وقال الفانو انه اعتمد مقاربة "برغماتية لانه هناك مليون ونصف مليون مسلم في ايطاليا ولا يمكنني بالطبع ان اعاملهم كارهابيين او مشجعين للارهاب" لكن متشددة ايضا "لانه هناك فارق بين الصلاة والتحريض على العنف". وكان الفانو قام بترحيل تسعة ائمة يشتبه في انهم كانوا يروجون للاسلام المتطرف منذ مطلع السنة الماضية.

على صعيد متصل اثار امام فلورنسا عزالدين الزير جدلا بعد ان نشر على حسابه على فيسبوك صورة لمجموعة من الراهبات على شاطىء البحر بلباسهن الديني وهن مغطيات الراس، ردا على الحملة ضد انتشار لباس البحر الاسلامي المعروف باسم البوركيني. وفي اوج الجدل القائم في فرنسا حول السماح او عدم السماح بارتداء البوركيني الذي وصل الى ايطاليا، نشر امام فلورنسا من دون تعليق صورة لثماني راهبات وهن يلهون على احد الشواطىء.

وتم تشاطر الصورة اكثر من الفي مرة قبل ان يحجب موقع فيسبوك صفحة الامام اثر سلسلة من الاعتراضات من قبل المشتركين في الموقع. واستعاد الامام الزير صفحته بعد ساعات قليلة واوضح انه اراد من نشر هذه الصورة بلا تعليق "الرد على الذين يقولون ان قيمنا الغربية تختلف في طريقة اللباس وتغطية الجسد". وتابع الامام في حديث مع شبكة التلفزيون الايطالية "سكاي تي جي 24" "اردت ان اقول ان بعض القيم الغربية تأتي من المسيحية (...) وان الجذور المسيحية تعود ايضا الى اشخاص كانوا يغطون اجسادهم بشكل كامل تقريبا". بحسب فرانس برس.

وتابع الامام الزير الذي يتراس اتحاد الهيئات الاسلامية في ايطاليا انه اراد ايضا من نشر هذه الصورة الدفع باتجاه "جدل ايجابي"، موضحا انه تلقى الكثير من تعليقات المرحبة من قبل "الكثير من المسيحيين". وبعد اثارة الجدل في فرنسا حول ارتداء البوركيني اعتبر وزير الداخلية الايطالي انه من غير المناسب لا بل من الخطورة منع البوركيني لباس المسلمات المتدينات الذي يغطي كامل الجسد والراس على البحر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0