تحاربت السعودية وإيران بـ"الوكلاء" في أكثر من بلد في الشرق الأوسط. ولم تخف حدة العداء بين الغريمين منذ الثورة الإيرانية نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وتراكمت الخلافات مع كل ازمة تمر بين البلدين.

الحوادث المروعة في الحج كانت مناسبة لتصاعد حدة الخلافات بين الغريمين، وحاول كل طرف استثمار أي حادث بسيط، للإطاحة بالاخر او محاولة فرض شروطه عليه، فحوادث الحج التي حدثت في الثمانينيات من القرن الماضي كان شاهدا على هذا الخلافات الديني الذي اتخذ الصبغة الدينية، فحادثة سقوط رافعة الحرم المكي والتي راح ضحيتها المئات من الحجاج اغلبهم من الإيرانيين أدت الى تصاعد حدة الخلافات بين الجانبين، حيث اتهمت طهران الرياض بالتقصير في الحفاظ على اروح حجاج بيت الله الحرام.

لا حج للإيرانيين هذا العام

ذكرت وسائل إعلام سعودية أن وفدا إيرانيا غادر السعودية دون التوصل لاتفاق بشأن أداء الإيرانيين لمناسك الحج هذا العام في ثاني محاولة فاشلة للتوصل لاتفاق بين القوتين المتنافستين في الشرق الأوسط.

وفتح الخلاف ساحة جديدة للشقاق بين المملكة السنية المحافظة والجمهورية الإسلامية الشيعية اللتين تدعمان أطرافا متناحرة في الصراع السوري وصراعات أخرى بالمنطقة. وقالت وكالة الأنباء السعودية في وقت متأخر يوم الجمعة "وفي فجر يوم الجمعة أبدى الوفد الإيراني رغبته في المغادرة إلى بلادهم دون توقيع محضر ترتيبات شؤون حجاجهم."

وألقت السعودية باللوم على إيران في الأزمة. وقال عبد المحسن إلياس وكيل وزارة الإعلام بالرياض لرويترز "شهدنا عدم جدية من قبل الجانب الإيراني في التعامل مع هذه القضية. إنها محاولة أخرى منهم لتسييس الحج." وبعد إخفاق محاولة سابقة للاتفاق على بنود الحج هذا الشهر ألقت القيادة الإيرانية باللوم على السعودية في التأجيل وقالت إنها تشعر بقلق بالغ على سلامة الحجاج الإيرانيين بعد كارثة العام الماضي.

وقالت وزارة الحج السعودية إنها لبت عددا من المخاوف الإيرانية من خلال تقديم تأشيرات إلكترونية من داخل إيران ومناصفة نقل الحجاج جوا بين السعودية وإيران والموافقة على طلب الوفد الإيراني السماح لهم بتمثيل دبلوماسي عبر السفارة السويسرية لرعاية مصالح الحجاج الإيرانيين.

وتدهورت العلاقات بين البلدين بعد وفاة مئات الإيرانيين في تدافع أثناء الحج العام الماضي وبعدما قطعت الرياض العلاقات الدبلوماسية عقب اقتحام سفارتها بطهران في يناير كانون الثاني بسبب إعدام رجل دين شيعي سعودي.

وبعد ثمانية أشهر من الحج الماضي لم تنشر السعودية إلى الآن تقريرا عن الكارثة بعد أن أعلنت أن أكثر من 700 حاج لاقوا حتفهم فيها وهو أعلى عدد قتلى في الحج منذ حادث تدافع في عام 1990. لكن عدد قتلى الكارثة في الدول التي استقبلت جثث مواطنيها يظهر أن أكثر من ألفي شخص ربما لاقوا حتفهم بينهم ما يربو على 400 إيراني. وفي وقت لاحق نقلت وسائل الإعلام السعودية عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إشادته بالسلطات السعودية في تنظيم حج ناجح مما زاد من غضب طهران.

اتهامات متبادلة

مؤسسة الحج الإيرانية اتهمت السعودية "بوضع العراقيل ومنع الإيرانيين من أداء فريضة الحج هذا العام. وحمل البيان الصادر عن المؤسسة الإيرانية، المسؤولة عن تنظيم مراسم الحج، الجانب السعودي المسؤولية عن "حرمان" الإيرانيين من أداء هذه الفريضة الدينية.

وقالت مؤسسة الحج والزيارة الإيرانية في بيان أن "الإيرانيين سيحرمون من أداء هذه الفريضة الدينية للعام الجاري بسبب مواصلة الحكومة السعودية وضع العراقيل، بما يحملها المسؤولية في هذا الجانب". وأضافت أن "السعودية مسؤولة عن منع الحجاج الإيرانيين من أداء فريضة الحج للعام الجاري".

وتابع بيان المؤسسة الإيرانية أن "بعثة قائد الثورة الإسلامية بذلت جهودا حثيثة بهدف إيفاد الحجاج الإيرانيين لأداء مناسك هذا العام، لكن سياسات السعودية حالت دون ذلك"، بحسب ما نقلت وكالة إرنا للأنباء الرسمية. وصرح وزير الثقافة الإيراني علي جنتي "بعد سلسلتين من المفاوضات بدون التوصل إلى نتيجة بسبب قيود السعوديين، فإن الحجاج الإيرانيين لن يتمكنوا للأسف من أداء الحج".

من جهتها، حملت وزارة الحج والعمرة السعودية إيران المسؤولية مؤكدة أن "بعثة منظمة الحج والزيارة الإيرانية بامتناعها عن توقيع محضر إنهاء ترتيبات الحج تتحمل أمام الله ثم أمام شعبها مسؤولية عدم قدرة مواطنيها من أداء الحج لهذا العام".

وقالت الوزارة أنها قدمت للإيرانيين "العديد من الحلول" لتلبية عدد من مطالبهم خلال المحادثات التي استمرت يومين. وكانت هذه المحادثات المحاولة الثانية بين القوتين الإقليميتين في الشرق الأوسط لتحديد شروط الحج لهذا العام. ولم تسفر المحادثات الأولى التي جرت في السعودية في نيسان/أبريل عن أي نتيجة، وسط أجواء متوترة منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في كانون الثاني/يناير الماضي.

وستكون المرة الأولى منذ ثلاثين عاما لا يشارك الإيرانيون في الحج، ففي عام 1987 قطعت العلاقات بين البلدين لنحو أربع سنوات بعد مقتل أكثر من 400 شخص في مكة المكرمة خلال اشتباكات بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية. وفي كانون الثاني/يناير الفائت، قطعت الرياض علاقاتها مع طهران بعد تظاهرات أدت إلى إحراق السفارة السعودية، عقب إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر.

وكانت طهران أن الرياض اقترحت في نيسان/أبريل أن يتوجه الحجاج الإيرانيون إلى بلد ثالث للحصول على تأشيرات، مع رفضها وصولهم في طائرات إيرانية. إلا أن إيران رفضت الاقتراح. لكن وزارة الحج السعودية ذكرت الجمعة أن الرياض وافقت على السماح للإيرانيين بالحصول على تأشيرات عبر السفارة السويسرية في طهران، التي تقوم برعاية المصالح السعودية في العاصمة الإيرانية بعد قطع العلاقات بين البلدين.

وأضافت الوزارة أن الرياض وافقت على السماح لعدد من شركات الطيران الإيرانية بنقل الحجاج إلى المملكة، رغم الحظر المفروض على الخطوط الجوية الإيرانية عقب الخلاف بين البلدين.

ومن جانبه، اعتبر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الأحد أن بعض الإجراءات التي طلبتها إيران خلال موسم الحج "غير مقبولة".

وقال الجبير أن إيران "كانت تطالب بحق إجراء شبه مظاهرات، وكانت تطالب بأن يكون لها مزايا تخرج عن إطار التنظيم العادي"، معتبرا أن هذه الخطوات كانت "ستخلق فوضى خلال فترة الحج، وهذا أمر غير مقبول". وجاءت تصريحات الجبير خلال مؤتمر صحافي مع نظيره البريطاني فيليب هاموند في جدة.

ويقول بعض الخبراء ان البلدين يحاولان استثمار قضية الحج في الجانب السياسي فقد اتخذ الصراع بين الرياض وطهران مسارا غير مسبوق بعد انطلاق التظاهرات في سوريا وتحولها الى صراع إقليمي في 2011، إذ كانت السعودية تأمل حدوث تغيير على مستوى النظام السوري، بينما هبّت طهران لإنقاذ حليفها في دمشق.

وتتهم إيران، من جهتها، السعودية بإفشال ربيع البحرين واليمن. فقد أرسلت السعودية قوات درع الخليج إلى البحرين في 2011 للتصدي للاحتجاجات. وفي 2015، شكلت تحالفا مؤيدا للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي للتصدي للحوثيين في اليمن.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3