حزمة الاصلاحات التي اعلنها رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي في وقت سابق، والتي اتت بعد ان عمد الشعب الى الخروج بتظاهرات حاشدة للمطالبة بالقضاء على الفساد الإداري والسياسي، الذي تفشى بشكل خطير بسبب التوافقات والمحاصصة وانعدام الخدمات في هذا البلد الغني بثروات والذي يعاني الكثير من المشكلات والازمات الاقتصادية والسياسية والامنية، هذه الاصلاحات لاتزال وبحسب بعض المراقبين مجرد وعود غير قابلة لتطبيق ولم تقدم شيئاً ملموساً على أرض الواقع، بسبب اختلاف وجهات النظر والمصالح بين الاحزاب والقوى السياسية التي تحكم العراق، خصوصا وان بعض هذه الاصلاحات والقرارات قد اضرت ببعض الشخصيات والقادة وهو ما ساهم بتعميق هوة الخلاف واتساع رقعة الصراع والتسقيط وعرقلة تلك المشاريع، الامر الذي اثار موجة جديدة من السخط والانتقادات ضد حكومة العبادي الذي اصبح وبعد التأييد الكبير من قبل الشعب والمرجعيات الدينية في موقف صعب، بسبب ضعف القدرات الحكومية وتعدد الولاءات الحزبية والطائفية.

يضاف الى ذلك انه جزء من العملية السياسية الحالية، وحصل على هذا المنصب عبر المحاصصة والاتفاق وبالتالي فان محاولات الإصلاح ربما قد تكون مستحيلة، خصوصا وان بعض هذه الاصلاحات قد خلقت اعداء ومعارضين جدد تضررت مصالحهم بشكل كبير، سعوا بعد ذلك الى الاستفادة من بعض الاخطاء والمشكلات السابقة في سبيل اثارة الرأي العام ضد الحكومة واصلاحاتها.

هذا بالاضافة الى التحركات الاخرى التي تقوم بها جهات واحزاب مرتبطة باجندة خارجية، تسعى الى ابقاء العراق على ما هو عليه من خلال اثارة الفتن او اعتماد اساليب اجرامية تستطيع من خلالها اخفاء صور الفساد.

وبحسب بعض المصادر فان تجربة الحكم في العراق بعد 2003 اثبتت أن القرارات المصيرية التي تخص العراقيين لن تقر ويكتب لها التطبيق دون اتفاق جميع القوى الشيعية والسنية والكردية طبقا لفلسفة الحكم القائمة على الإجماع الثلاثي، والإصلاحات وهي من أهم القرارات السياسية خلال 13 سنة الماضية لم تتم استشارة الأحزاب والكتل السياسية فيها. أول قرارات العبادي للإصلاح هي إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والتي لم تطبيق حيث ما زال نواب رئيس الجمهورية يشككون في القرار لأسباب قانونية وسياسية يضاف الى ذلك دمج والغاء الوزرات وغيرها من القرارات الاخرى التي كانت سببا في بروز مشاكلات سياسية جديدة.

سحب التأييد

في هذا الشأن قال أعضاء في مجلس النواب العراقي إن أكثر من 60 عضوا من كتلة الائتلاف الحاكم في البرلمان سيسعون لسحب التأييد البرلماني لإصلاحات رئيس الوزراء حيدر العبادي ما لم يستجب لمطالبهم بإجراء مشاورات أوسع بشأنها. وقد يؤدي تصاعد التوتر السياسي إلى تقويض الجهود المبذولة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية وتكوين جبهة موحدة في الحرب ضد تنظيم داعش الذي يمثل اكبر تهديد أمني للعراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح بصدام حسين عام 2003. وسلم أعضاء في ائتلاف دولة القانون خطابا إلى رئيس الوزراء دعوه فيه لإجراء مشاورات أوسع قبل أن يأمر بإجراء إصلاحات. وقال النواب إنه تم إلغاء اجتماع مع رئيس الوزراء كان من المقرر عقده بعد أن قرروا الانتظار لحين تلقي رد كتابي من العبادي.

وقال نائب من الكتلة طلب عدم نشر اسمه "اذا لم نحصل على رد مكتوب فإن الخطوة التالية ستكون الذهاب الى البرلمان والسعي لاصدار قرار بسحب التفويض بإجراء إصلاحات من رئيس الوزراء العبادي." وحتى الآن لا توجد بوادر على أن النواب يعتزمون إجراء تصويت على سحب الثقة للإطاحة بالعبادي وهو مهندس تلقى تعليمه في بريطانيا وعاد الى العراق بعد سقوط صدام. وامتنع المتحدث باسم العبادي عن التعليق ووصف الأمر بأنه مسألة حزبية. وكان قد وصف تعليقات النواب فيما سبق بأنها آراء شخصية لا تعبر عن الموقف الرسمي للائتلاف.

وكان العبادي قد أعلن عن حملة إصلاحات في أغسطس آب بعد أن تفجرت مظاهرات احتجاجا على الفساد وسوء خدمات الكهرباء والمياه. ووافق البرلمان حينها بالإجماع على الإجراءات التي تسعى للتخلص من مناصب سياسية رفيعة أصبحت أداة لمحاباة شخصيات قوية بالعراق. وقوبلت الإصلاحات بمقاومة من قبل بعض السياسيين الذين رأوا أنها غير دستورية وتتجاوز سلطات العبادي.

وطبقت بعض الإصلاحات بينما تعثرت غيرها. ولا يزال نواب الرئيس الثلاثة في مناصبهم رغم أنه كان من المفترض إلغاء هذه المناصب. وقال نائب آخر إن هناك غضبا متزايدا بين شركاء العبادي السياسيين داخل ائتلاف دولة القانون وخارجه إذ يقولون إنه يتخذ خطوات خطيرة دون التشاور معهم. وأضاف النائب الذي طلب عدم نشر اسمه ايضا "يجب أن يمر كل قرار تتخذه الحكومة بشأن الإصلاحات عبر عدد من دوائر النقاش... اتخاذ قرارات فردية وارتجالية - وهذا ما يقوم به العبادي الآن - يمكن أن يقود البلاد الى نفق مظلم."

وحين تولى رئاسة الوزراء في سبتمبر ايلول 2014 اعتبر العبادي شخصية قادرة على الوصول الى توافق وأن بوسعه تضييق هوة الخلافات بين الشيعة والسنة والأكراد. وكثير من النواب الموقعين على الخطاب مؤيدون لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي واجه انتقادات بانتهاج مسلك سلطوي وهي مزاعم ينفيها. وكان مسؤولون كبار قالوا إنهم لا يستشارون بشأن إصلاحات العبادي وكثيرا ما يعلمون بأمرها من خلال وسائل الإعلام. بحسب رويترز.

وقال عدة نواب إن القرار الذي أصدره العبادي هذا الشهر بخفض رواتب الموظفين الحكوميين بسبب تراجع الدخل نتيجة الهبوط الشديد في أسعار النفط شجع أعضاء الائتلاف على مواجهة العبادي. ونُظمت احتجاجات محدودة على قرار خفض الرواتب في عدة مدن عراقية. وقال نائب ثالث طلب عدم نشر اسمه إن الكثير من الموقعين على الخطاب من أعضاء حزب الدعوة الذي ينتمي له العبادي ومنظمة بدر وهي منظمة سياسية لها جناح مسلح يقوده هادي العامري وهو واحد من أقوى الشخصيات بالعراق. وأضاف أنه تم طرح أربعة أو خمسة موضوعات في الخطاب لكنه أحجم عن الحديث عنها بالتفصيل. ولدى سؤاله عما اذا كان يمكن أن تؤدي هذه المسألة الى صراع بين العبادي وائتلاف دولة القانون قال النائب الثالث "اذا لم يرد كتابيا فأعتقد أن هذا سيحدث."

ملفات الفساد

في السياق ذاته قال مسؤولون في الدائرة القانونية لوزارة التجارة العراقية إن المستشار الإعلامي للوزارة الذي قتل في انفجار قنبلة مثبتة في سيارته كان على وشك تسليم هيئة النزاهة الحكومية ملفات تتهم الوزارة بالفساد. وقالت محكمة التحقيق المركزية المتخصصة بملفات الإرهاب والجريمة المنظمة في بيان إن أربعة من حراس الأمن في وزارة التجارة اعترفوا بتفجير سيارة ناظم نعيم المستشار الإعلامي لوزير التجارة ملاس محمد عبد الكريم.

وقال متحدث باسم المحكمة إن الرجال الأربعة الذين اعتقلوا لاتهامهم في قتل عدة موظفين بالوزارة منهم نعيم كانوا جزءا من وحدة حراسة عبد الكريم. وأضاف قوله إنهم بصدد المثول للمحاكمة بتهم الإرهاب والقتل العمد. ولم يمكن على الفور محادثة عبد الكريم أو أي من حراسه لسؤالهم التعقيب. ولا توجد أدلة على تورط عبد الكريم في القتل وكان تحقيق أمر به رئيس الوزراء حيدر العبادي قد برأ ساحته.

وعلى الرغم من تبرئة عبد الكريم من تهمة القتل فإن السلطات العراقية أصدرت أمر اعتقال للوزير وشقيقه في 18 من أكتوبر تشرين الأول بعد تحقيق في قضايا رشوة ومزايا غير مشروعة واستغلال منصبه. وأصدر عبد الكريم بيانا على موقع وزارة التجارة الإلكتروني قال فيه إن أوامر الاعتقال لا تستند إلى أدلة قاطعة على وقوع مخالفات تتصل بتعاقدات الوزارة. وكان العبادي وعد بمكافحة الفساد في نظام سياسي يشهد توزيع المناصب على أسس عرقية وطائفية وهو ما يخلق شبكات محسوبية ذات نفوذ.

وعبد الكريم واحد من أرفع المسؤولين الذين يواجهون ملاحقة قضائية منذ أعلن العبادي حملته في أغسطس آب. قد يكون أول اختبار كبير للعبادي هو قضية مزاعم الفساد والقتل التي تتعرض لها واحدة من أهم الوزارات العراقية وهي وزارة التجارة المسؤولة عن شراء سلع بمليارات الدولارات في برنامج وطنى للحصص الغذائية. والعراق من أكبر مستوردي الأرز والقمح في العالم. وكان عدة مسؤولين في وزارة التجارة واجهوا من قبل مزاعم بالفساد.

وقال مسؤولان في الدائرة القانونية لوزارة التجارة إن نعيم أفصح لهما ولزملاء آخرين عن الفساد ونيته تسليم الملفات إلى هيئة النزاهة وهي أعلى هيئة حكومية لمكافحة الفساد في العراق. وقال أحد المسؤولين "قال إنه لن يبقى ساكتا على الفساد في الوزارة وعبر خطا أحمر وجاهر بالحديث عن الفساد في الوزارة." وقال المسؤول الآخر في الدائرة القانونية لوزارة التجارة إن نعيم وضع نفسه في خطر. وقال "إنه كرر في مرات عديدة أنه لن يتردد في الوصول إلى هيئة النزاهة لإبلاغها بقضايا الفساد في الوزارة وكنا نعرف أنه أصبح داخل دائرة الخطر. كانت نهايته مأساوية."

ويقول مسؤولو الوزارة والشرطة إن لقطات كاميرات أمنية داخلية أظهرت بعض الحراس الخصوصيين للوزير وهم يثبتون قنبلة في السيارة التي كان يستخدمها نعيم. وقال بيان للمحكمة الجنائية في بغداد إن شبكة من أربعة موظفين أمنيين من وحدة حراسة وزارة التجارة اعتقلوا لتنفيذهم أعمالا إرهابية. واعترفت المجموعة باغتيال موظفين في الوزارة. واضاف البيان أن الاعترافات كانت مدعومة بلقطات فيديو تظهر اغتيال المستشار الإعلامي ناظم نعيم الذي كان يعمل في الوزارة نفسها. ونُفِّذ الاغتيال بتفجير قنبلة مثبتة في سيارته.

وتُظهر لقطات الفيديو التي تم تحميلها على موقع يوتيوب سيارة تويوتا من طراز لاند كروزر بيضاء وهو نوع المركبات التي يستخدمها في الغالب موظفو الوزارة وحراسهم تقف إلى جانب سيارة نعيم في مربض السيارات الخارجي للوزارة. وشوهد رجلان يقفان إلى جانب السيارة ويتحركان حولها. ثم انطلق نعيم بالسيارة وبعدها انفجرت. وعلى الرغم من أنه لم توجه اتهامات لعبد الكريم في قضية القتل فإن مسؤولين قالوا إن القضية فجرت تحقيقا واسعا للمحاكم في الفساد المتصل بشراء سلع ومعدات بناء وأدت إلى صدور أمر اعتقال لعبد الكريم وشقيقه. بحسب رويترز.

واستدعت أيضا محكمة عبد الكريم وثمانية من موظفي الوزارة الآخرين منهم رئيس مجلس الحبوب المسؤول عن شراء احتياجات العراق من الحبوب من السوق الدولية ومن مزارعين محليين. وتم استجوابهم بشأن مكاسب غير مشروعة مزعومة من شراء شحنة أرز من أوروجواي صودرت لأنها غير صالحة للاستخدام الآدمي وذلك وفقا لما ذكرته محكمة تحقيق النزاهة في بغداد. وقال مسؤول وزارة التجارة القريب من عبد الكريم إنه يجب ألا يُلام على شحنة الأرز الفاسدة لأن المشكلة ترجع إلى سوء منشآت التخزين. وقال "هذا لا يستحق أمر اعتقال لشخص في منصب رفيع مثل الوزير لا سيما أن العقد كان صحيحا ويستند إلى الأسعار العالمية." وردا على سؤال عن التهم المنسوبة إلى حراس عبد الكريم الخصوصيين قال المسؤول "ستأخذ العدالة مجراها."

كمااعلنت السلطات العراقية انها منعت وزير التجارة المطلوب للقضاء ملاس محمد عبد الكريم، من السفر بالطائرة الى السليمانية في اقليم كردستان في شمال البلاد، مع افراد حمايته. وقال مسؤول امني رفيع رفض الكشف عن اسمه "منعت السلطات الامنية في مطار بغداد الدولي، الوزير ملاس محمد عبد الكريم وافراد حمايته من السفر الى السليمانية بسبب وجود مذكرة قبض ضده". واوضح ان "الوزير دخل الى مقصورة الطائرة قبل ان يتم انزاله منها واتخذت الاجراءات الامنية لمنعه من السفر". والسليمانية ثاني اكبر مدن اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي، وتعد ملاذا امنا للمطلوبين للقضاء العراقي في بغداد. وينتمي الوزير الى عائلة الكسنزان الكردية، وكان والده من ابرز رجال طريقة الكسنزانية الصوفية.

تحديات متراكمة

على صعيد متصل خلفت الامطار الغزيرة المنهمرة على مناطق عدة من العراق اضرارا في مخيمات اللاجئين وشكلت سيولا جرفت طفلة وتسببت في موتها. وتضرب هذه العاصفة الهوجاء البلاد بعد صيف جاف وطويل وقد جلبت معها امطارا غزيرة بلغت كميتها 54 ملمترا في محافظة بغداد، ما ادى الى اغراق بعض الشوارع بالمياه حتى 80 سنتمترا، وفق مركز الرصد الجوي. وتوفيت طفلة في الثالثة من عمرها جرفتها المياه في مخيم للاجئين قرب طوز خورماتو على بعد نحو 220 كيلومترا شمال بغداد، وفق مسؤولين.

وتسبب ضعف البنى التحتية في بغداد، ثاني عاصمة عربية يسكنها اكثر من ثمانية ملايين شخص، بسيول هائلة. واعلنت الحكومة اجازة وطنية لعلمها ان العدد الاكبر من السكان لن يتمكنوا من الوصول الى اماكن عملهم بسبب تعطل وسائل النقل بعد ان جرفت المياه السيارات في المناطق التي غرقت في برك من المياه. واظهر شريط فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي مستشفى في بغداد وقد دخلت اليه الامطار، فيما الموظفون يتنقلون داخله وقد وصلت المياه حتى ركبهم.

وأمضى سكان بعض احياء العاصمة معظم الليل في ازالة مياه المطر الملوثة بمياه الصرف الصحي والتي اغرقت منازلهم. وقال احمد من احد احياء شمال غرب بغداد "لا يهمني الاثاث، انا خائف من الامراض. عار على المسؤولين الذين تركوا المدينة تخرب". وشهد العراق هذه السنة موجات من حركات الاحتجاج بسبب رداءة الخدمات العامة بما فيها الانقطاع المتكرر للكهرباء عندما كانت الحرارة في الصيف 50 درجة مئوية. بحسب فرانس برس.

وفي المناطق المحيطة بالعاصمة اطاحت السيول الموحلة بخيام اللاجئين الذين هجرتهم المعارك في محافظة الانبار في غرب البلاد ومناطق اخرى. وفي عامرية الفلوجة غرب بغداد، تسببت السيول في هدم 500 خيمة وتخريب خيام اخرى ما استدعى نقل الف عائلة الى المساجد والمدارس. وقال مسؤول محلي شاكر العيساوي "شعر الناس بالخوف. لقد جرفت السيول خيامهم واغرقتها في الوحول دون ان يتمكنوا من فعل شيء". وطلب محافظ الانبار صهيب الراوي من الحكومة فتح جسر يفصل المحافظة عن بغداد والذي يمنع عادة على اللاجئين سلوكه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0