عندما تتغير المناظر الطبيعية بألوان الكاكي في أفغانستان بمزيج من اللون الوردي والأبيض والأرجواني كل ربيع، يبتهج المزارعون. محصولهم النقدي من الخشخاش جاهز للحصاد، لطالما كانت زراعة الأفيون مصدر دخل للمجتمعات الريفية في جميع أنحاء البلاد، وهي أرض حاصرتها عقود من الحرب. لكن بالنسبة للولايات المتحدة، كانت تلك المشاهد الملونة نفسها ترمز إلى العدو. بحسب السي ان ان.

قال الجنرال دان ماكنيل، قائد الناتو: "عندما أرى حقل الخشخاش يتحول إلى أموال ثم إلى عبوات ناسفة، وبنادق هجومية، وقذائف صاروخية". - بقيادة القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) في أفغانستان.

ساهم هذا السرد في كيفية خوض حرب الولايات المتحدة على المخدرات - وخسارتها. على مدى 20 عامًا، أهدرت الولايات المتحدة ما يقرب من 9 مليارات دولار على سياسة مكافحة المخدرات التي ساعدت - بشكل عكسي - على ملء جيوب طالبان، وفي بعض المناطق، غذت الدعم للمتمردين.

الآن في السلطة، ومع وجود حكومة مؤقتة في السلطة، فإن طالبان تبحر في كيفية إدارة اقتصاد المخدرات المترسخ في أفغانستان - أكبر محصول نقدي في البلاد - بينما تتأرجح الأمة بأكملها على الانهيار الاقتصادي.

أنتجت أفغانستان ما يقدر بنحو 85 ٪ من الأفيون في العالم في عام 2020، وفقًا لأحدث أرقام الأمم المتحدة. في عام 2018، قدرت الأمم المتحدة أن اقتصاد الأفيون يمثل ما يصل إلى 11٪ من الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان.

لكن من غير الواضح إلى أي مدى استفادت طالبان - وستستمر في تحقيق ذلك - من اقتصاد الأفيون، مع تفاوت التقديرات حول هذه الأرقام على نطاق واسع.

وقالت فاندا فيلباب براون، الزميلة البارزة في معهد بروكينغز، لشبكة CNN: "من الواضح أن المخدرات هي جانب مهم للغاية من أرباح طالبان".

"ولكن كما هو الحال مع العديد من الجماعات المتمردة الأخرى، غالبًا ما يكون هناك الكثير من الغموض الذي يُمنح لاقتصادات المخدرات. وما يفعله المتمردون الأكفاء، وحتى ذوو الكفاءة المتوسطة، وبصراحة الجماعات الإجرامية، هو ببساطة فرض ضرائب على أي شيء في المنطقة، حيث يكون لديهم تأثير كافٍ ليكونوا قادرين على فرض تحصيل الضرائب غير الرسمية "، قال فيلباب براون، مشيرةً إلى أن هذا يمكن أن يتراوح من مخزون الأغنام إلى إنتاج الميثامفيتامين.

في حين أنه من المستحيل تحديد مدى ربحية اقتصاد الأفيون لطالبان، فقد تراوحت التقديرات على مدى العقدين الماضيين من عشرات الملايين إلى مئات الملايين. وقالت إنه بخلاف تلك الأرقام، فإن الأمر في الحقيقة مجرد "خيال".

ارتفاع جنوني للأسعار في ظل طالبان

في سوق في جنوب أفغانستان يبتسم الباعة الواقفون بجانب أكياس الأفيون، ومع غرق البلاد في البؤس ارتفع سعر المخدر الرئيسي المنتج محليا منذ عودة طالبان إلى السلطة، جالسًا القرفصاء على قطعة قماش مغبرة، يغرس أمان الله (اسمه المستعار) سكينه في كيس بلاستيكي كبير يحتوي على أربعة كيلوغرامات من الطين البني. ويستخرج منه حفنة يوضبها على شكل كروي في طبق يضعه على شعلة موقد. بحسب فرانس برس.

يغلي الخشخاش ويسيل لكنه يبقى متجانسًا: الأفيون نقي، ولم تضف إليه مواد كيميائية لزيادة حجمه، إلى جانبه، ترتسم على وجه صديقه محمد معصوم ابتسامة. سيتمكنان من بيعه بسعر مرتفع في سوق حوض مدد المفتوح حيث يُباع جزء ضئيل من إنتاج الأفيون الأفغاني الضخم الذي يعد الأول في العالم.

فمنذ عودة طالبان إلى السلطة منتصف آب/أغسطس زاد سعر الأفيون الذي يحول إلى هيروين في البلاد أو في باكستان وإيران، ثلاث مرات لتزويد السوق الأوروبية على وجه الخصوص، واليوم يصل سعر الكيلوغرام الواحد في هذه السوق إلى 17500 روبية باكستانية أو ما يقارب 90 يورو، كما يوضح محمد تحت خيمة من القماش تحمي بضاعته من أشعة الشمس الحارقة في السهل الجاف.

على بعد كيلومترات قليلة في ولاية قندهار، يؤكد زكريا (اسم مستعار) الارتفاع الأخير في الأسعار. يبيع هذا المزارع اليوم الأفيون الذي ينتجه وهو بجودة أعلى، بأكثر من 25 ألف روبية باكستانية للكيلوغرام أي 126 يورو مقابل 7500 روبية قبل آب/أغسطس.

معادلة مستحيلة

الطقس والأمن والاضطرابات السياسية وإغلاق الحدود ... كلها عوامل قادرة على تغيير أسعار الأفيون بسرعة كبيرة، وهي تغذي كل يوم النقاش الدائر في حوض مدد حيث يلتقي مئات المنتجين والباعة والزبائن أصحاب اللحى السوداء والبيضاء حول كوب من الشاي الأخضر، بين صفين من أكياس الأفيون أو الحشيش.

ويقول هؤلاء إن تصريح المتحدث باسم نظام طالبان ذبيح الله مجاهد في 17 آب/أغسطس تسبب في ارتفاع الأسعار. وكان أكد للعالم أن البلاد لن تنتج المخدرات بعد الآن، وأضاف بحذر أن بلاده "ستحتاج لمساعدة دولية" تؤمن للفلاحين مصدر رزق آخر بدلًا من الأفيون. وانتشرت شائعة فرض حظر وشيك على زراعة الخشخاش كالنار في الهشيم في قندهار المعقل التاريخي لطالبان، والمنتج الرئيسي للأفيون ومركز الاتجار به، ويوضح زكريا أن المشترين يتوقعون نقصًا في الأفيون "وأدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار".

في الأربعين من عمره، بينها 20 سنة أمضاها في زراعة الخشخاش على غرار والده وجده، لا يعتقد أن طالبان "تستطيع القضاء على زراعة الأفيون في أفغانستان"، في العام 2000، كان نظام طالبان الأول قد "حرم" زراعة الأفيون باعتبارها مخالفة للشريعة الإسلامية وخفض الإنتاج قبل أن يطيحه الغرب الذي سعى بدوره للقضاء عليها.

بحذر

على مر السنين، ظل إنتاج الأفيون الأفغاني مرتفعا للغاية. في عام 2020، أنتجت البلاد 6300 طن على مساحة 224 ألف هكتار وفقًا للأمم المتحدة، تبدو المعادلة مستحيلة: القضاء على إنتاج يدر دخلا يصل إلى ملياري دولار (1,7 مليار يورو) في واحدة من أفقر دول العالم، من جانبهم لا يطرح الفلاحون في الجنوب تساؤلات.

ويقول محمد "نعلم أنه ليس أمرا جيدًا وأن الإسلام يحرمه. لكننا مضطرون وإلا فكيف عسانا نكسب عيشنا. هنا ليس لدينا ماء ولا بذور ولا يمكننا زراعة أي شيء آخر"، ويوضح زكريا الذي يعيل أسرة كبيرة مكونة من 25 شخصًا "بدون الأفيون لا أغطي حتى نفقاتي. .. ليس لدينا أي عمل آخر ولا حل آخر إذا لم يساعدنا المجتمع الدولي"، لكن المساعدات الدولية لم تأت حتى الآن بأي نتيجة، رغم المبالغ الطائلة (8,6 مليار دولار) التي استثمرتها الولايات المتحدة على مدار العشرين عامًا الماضية.

في الأثناء كانت طالبان تكتفي بالأفيون الذي مول تمردها ضد الغرب. في عام 2016 حصلت الحركة من المخدرات على "نصف ايراداتها" وفقًا للأمم المتحدة، بعد عودتهم إلى السلطة منذ فترة ليست ببعيدة، يتقدم الإسلاميون بحذر في وقت تهدد فيه المجاعة ثلث السكان، وفقًا للأمم المتحدة، وفي مكتبه في قندهار يقول الملا نور محمد سعيد أحد المسؤولين الإقليميين لوكالة فرانس برس إن "إنتاج الأفيون محرم في الإسلام ومضر بالأفراد"، لكنه يحرص على عدم تأكيد الحظر المقبل ويرمي الكرة في ملعب المجتمع الدولي قائلا "إذا كانوا مستعدين لمساعدة الفلاحين على وقف انتاج الأفيون فسنحظره".

اضف تعليق