انتقلت واشنطن من مجرد "الاعتراض الدبلوماسي" إلى "التهديد الوجودي" للنظام العراقي عبر التلويح بقطع شريان الحياة الاقتصادي عائدات النفط المودعة في الفيدرالي الأمريكي في حال مشاركة فصائل موالية لإيران في الحكومة المقبلة. فالمعضلة التي تواجهها بغداد انها عالقة بين مطرقة الهيمنة المالية الأمريكية التي تسيطر فعلياً على موارد الدولة...

هذا التقرير يستعرض مشهداً جيوسياسياً معقداً يُظهر تصعيداً غير مسبوق في استراتيجية "الضغوط القصوى" التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد النفوذ الإيراني في العراق. يرتكز النص على محورين أساسيين:

التوظيف السياسي للاقتصاد: يكشف النص عن تحول جذري في الأدوات الدبلوماسية الأمريكية، حيث انتقلت واشنطن من مجرد "الاعتراض الدبلوماسي" إلى "التهديد الوجودي" للنظام العراقي عبر التلويح بقطع شريان الحياة الاقتصادي (عائدات النفط المودعة في الفيدرالي الأمريكي) في حال مشاركة فصائل موالية لإيران في الحكومة المقبلة.

أزمة السيادة العراقية: يبرز التقرير المعضلة التي تواجهها بغداد؛ فهي عالقة بين مطرقة الهيمنة المالية الأمريكية التي تسيطر فعلياً على موارد الدولة، وسندان النفوذ السياسي والعسكري للفصائل المسلحة الموالية لطهران التي تسعى لترجمة مكاسبها الانتخابية إلى مناصب تنفيذية.

يقدم هذا التقرير تحليلاً لآليات هذا الضغط، بدءاً من الرسائل الموجهة عبر القائم بالأعمال "جوشوا هاريس"، وصولاً إلى الاعتراض المباشر على شخصيات محددة مثل "عدنان فيحان"، موضحاً كيف أن الاعتماد العراقي الكلي على النظام المصرفي الأمريكي يجعله ورقة ضغط سهلة في الصراع الأمريكي-الإيراني.

أمريكا تكثف الضغوط

قالت أربعة مصادر لرويترز إن الولايات المتحدة هددت سياسيين عراقيين كبارا بفرض عقوبات، من ضمنها احتمال استهداف عائدات النفط، تستهدف الدولة في حالة ضم جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة.

ويعد هذا التحذير أوضح مثال حتى الآن على حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران في العراق الذي لطالما سعى إلى علاقات جيدة مع أقرب حليفين له، واشنطن وطهران.

وقال ثلاثة مسؤولين عراقيين ومصدر مطلع لرويترز إن القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد جوشوا هاريس وجه هذا التحذير مرارا خلال الشهرين الماضيين في أحاديثه مع مسؤولين عراقيين وقادة شيعة نافذين، منهم بعض رؤساء الجماعات المرتبطة بإيران، عبر وسطاء.

ولم يرد هاريس والسفارة على طلبات للتعليق. وطلبت المصادر عدم نشر أسمائها لأن الأحاديث كانت خاصة.

واتخذ ترامب، منذ عودته للمنصب قبل عام، إجراءات لإضعاف الحكومة الإيرانية عبر وسائل كان بينها العراق المجاور.

وقال مسؤولون أمريكيون وعراقيون إن إيران تعتبر العراق مهما في الحفاظ على اقتصادها صامدا في وجه العقوبات التي كانت تلتف عليها باستخدام النظام المصرفي في بغداد. وسعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى وقف هذا التدفق الدولاري، ففرضت عقوبات على أكثر من 12 بنكا عراقيا خلال السنوات الماضية في محاولة لتحقيق ذلك،

لكنها لم تقلص قط تدفقات الدولار من بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك إلى البنك المركزي العراقي.

ولم يرد مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أو البنك المركزي العراقي أو البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على طلبات للتعليق.

وردا على طلب للتعليق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لرويترز "تدعم الولايات المتحدة سيادة العراق، وسيادة كل دول المنطقة. وهذا لا يترك أي دور للميليشيات المدعومة من إيران والتي تسعى لتحقيق مصالح خبيثة وتثير الفتنة الطائفية وتنشر الإرهاب في جميع أنحاء المنطقة".

وهدد ترامب، الذي قصف منشآت نووية إيرانية في يونيو حزيران، بالتدخل عسكريا في الجمهورية الإسلامية مجددا خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي.

لا جماعات مسلحة في الحكومة الجديدة

قالت ثلاثة من المصادر إن من كبار السياسيين الذين نقلت إليهم رسالة هاريس رئيس الوزراء شياع السوداني والسياسيين الشيعة عمار الحكيم وهادي العامري والزعيم الكردي مسرور بارزاني.

وذكرت المصادر أن المحادثات مع هاريس بدأت بعد أن أجرى العراق انتخابات في نوفمبر تشرين الثاني فاز فيها تكتل السوداني السياسي بأكبر عدد من المقاعد، لكن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران حققت فيها مكاسب أيضا.

وأضافت جميع المصادر أن الرسالة تركزت على 58 عضوا في البرلمان ترى الولايات المتحدة أنهم مرتبطون بإيران.

وقال أحد المسؤولين العراقيين "كان الخط الأمريكي في الأساس هو أنهم سيعلقون التعامل مع الحكومة الجديدة في حال تم تمثيل أي من هؤلاء النواب، وعددهم 58، في مجلس الوزراء". وأوضح أن تشكيل الحكومة الجديدة قد يكون لا يزال على بعد أشهر بسبب المشاحنات من أجل بناء أغلبية.

وعندما طُلب منه التوضيح، قال المسؤول إن "ذلك يعني أنهم لن يتعاملوا مع تلك الحكومة وسيعلقون التحويلات الدولارية".

وكانت الولايات المتحدة تسيطر بحكم الأمر الواقع على عوائد النفط الدولارية من العراق، أحد أكبر منتجي أوبك، منذ غزوه في 2003.

ولطالما دعمت إيران مجموعة من الفصائل المسلحة في العراق. وفي السنوات القليلة الماضية، دخل عدد كبير منها إلى الساحة السياسية، وترشح للانتخابات وفاز بمقاعد في سعيه للحصول على حصة من ثروة العراق النفطية.

وقال ريناد منصور مدير مبادرة العراق في مركز تشاتام هاوس للأبحاث في لندن إن الجماعات المسلحة تستفيد بشكل متزايد من المناصب في البيروقراطية العراقية الضخمة، ولذلك فهي تأخذ التهديد بقطع التدفقات الدولارية على محمل الجد.

وأضاف "الولايات المتحدة لديها نفوذ كبير"، وتابع "التهديد بفقدان إمكان الوصول الى الدولار الأمريكي، وهو ما يجعل الاقتصاد العراقي يعمل عن طريق بيع النفط، أمر مقلق للغاية".

واشنطن تعارض النائب الأول لرئيس مجلس النواب

وقال المسؤول العراقي والمصدر المطلع إن أحد الذين تعترض عليهم واشنطن هو عدنان فيحان، وهو عضو في جماعة عصائب أهل الحق السياسية والمسلحة القوية المدعومة من إيران، والذي انتخب نائبا أولا لرئيس البرلمان في أواخر ديسمبر كانون الأول.

وذكرا أن الولايات المتحدة عارضت تعيين فيحان في هذا المنصب.

وفي مؤشر على نجاح حملة الضغط، قال المسؤول العراقي إن زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي أبلغ الأمريكيين باستعداده لإقالة فيحان من منصب نائب رئيس البرلمان. ولا يزال فيحان حاليا في منصبه.

ولم يرد المكتب الإعلامي لعصائب أهل الحق ولا فيحان بعد على طلب للتعليق.

وفي الحكومة الماضية، تولت عصائب أهل الحق وزارة التربية والتعليم، ويقول مسؤولون عراقيون إنها تسعى للمشاركة في الحكومة المقبلة أيضا.

وقالت مصادر لرويترز في وقت سابق إن عصائب أهل الحق مجموعة رئيسية في شبكة تهريب نفط متطورة تدر ما لا يقل عن مليار دولار سنويا لإيران ووكلائها في العراق.

وفرضت واشنطن عقوبات على الخزعلي في 2019 بسبب ما تقول إنه دور عصائب أهل الحق في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تتعلق بقتل المتظاهرين في العراق في ذلك العام وأعمال عنف أخرى، بما في ذلك هجوم عام 2007 الذي أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين. ورفض الخزعلي العقوبات في ذلك الوقت ووصفها بأنها غير جدية.

* السيطرة على الدولار

يحتفظ العراق بالجزء الأكبر من عوائد مبيعات صادراته النفطية في حساب البنك المركزي العراقي في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك.

وعلى الرغم من أنه حساب سيادي للدولة العراقية، فإن هذا الترتيب يمنح الولايات المتحدة سيطرة عملية على نقطة حرجة من إيرادات الدولة العراقية، مما يجعل بغداد تعتمد على حسن نية واشنطن.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في رده على أسئلة رويترز "تركز جهود الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في المنطقة على ضمان احتفاظ الدول بسيادتها وقدرتها على تحقيق الأمن من خلال الازدهار الاقتصادي المتبادل".

وتأتي هذه الخطوة للضغط على بغداد باحتمال تعليق الدولارات في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة بتسويق النفط الفنزويلي، وذلك في أعقاب اعتقال القوات الأمريكية الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في العاصمة كراكاس ونقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات.

وقالت وزارة الطاقة الأمريكية إن جميع عوائد مبيعات النفط الفنزويلي ستتم تسويتها مبدئيا في حسابات خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة في بنوك معترف بها عالميا.

كيف تسيطر أمريكا على عائدات النفط العراقية؟

وتسيطر الولايات المتحدة فعليا على عوائد النفط الدولارية للعراق منذ الغزو الذي شنته عام 2003، مما يمنح واشنطن نفوذا استثنائيا للتدخل في شؤون بغداد، مع تأثيرات تمتد إلى التوازنات الإقليمية المتعلقة بإيران.

تأتي سيطرة الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقية بشكل أساسي من إدارتها لهذه العائدات عبر بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك. فبعد غزو العراق عام 2003، دشنت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، صندوق العراق للتنمية، الذي كان مقره في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك.

تقدم لكم وكالة رويترز عبر نشرتها البريدية اليومية تغطية إخبارية موثوقة وشاملة لأهم المستجدات السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية والعالم. تسجيل الاشتراك هنا.

وصُمم هذا الصندوق لجمع عائدات النفط العراقية واستخدامها في إعادة إعمار البلاد وتنميتها ولحماية هذه العائدات من الدعاوى القضائية والمطالبات المرتبطة بولاية الرئيس الراحل صدام حسين.

ووقع الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، أمرا تنفيذيا، جدده جميع الرؤساء اللاحقين، يُرسي هذا النظام. وفي نهاية المطاف، أصبح صندوق العراق للتنمية حسابا تابعا للبنك المركزي العراقي في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، وهو الوضع القائم حتى اليوم.

*ما هو النفوذ التي تتمتع بها واشنطن على العراق؟

يعد النفط أهم مصادر دخل العراق، إذ يشكل نحو 90 بالمئة من ميزانية الدولة، مما يمنح واشنطن نفوذا كبيرا على استقرار البلاد الاقتصادي والسياسي.

وعندما طلبت الحكومة العراقية من القوات الأمريكية الخروج من البلاد عام 2020، هددت واشنطن بحرمان العراق من الوصول إلى عائداتها من النفط في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، مما دفع بغداد في نهاية المطاف إلى التراجع.

ورغم أن الحكومة العراقية اكتسبت مزيدا من السيطرة على شؤونها المالية منذ السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي، فإن استمرار هذه العلاقة بين البلدين يسلط الضوء على النفوذ الأمريكي المستمر على المشهد الاقتصادي العراقي، حتى في الوقت الذي تسعى فيه البلاد إلى تأكيد سيادتها واستقلالها.

*لماذا استمر هذا الترتيب لفترة طويلة؟

قال مسؤولون حكوميون عراقيون، تحدثوا لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إن النظام ساعد في ترسيخ الاستقرار المالي للعراق وحماية المالية العامة للدولة. وأضافوا أنه يوفر ثقة دولية في إدارة عائدات النفط، ويسهل الوصول السلس إلى الدولار الضروري في التجارة والواردات، ويحمي الإيرادات من المطالبات الخارجية والصدمات المالية، من بينها مطالبات الدائنين والدعاوى القضائية.

ويدعم هذا الترتيب أيضا استقرار سعر الصرف ويعزز الثقة في الاقتصاد العراقي، ويعزز في الوقت نفسه المؤسسات المالية المحلية والسيادة الاقتصادية. ويتيح النظام أيضا للحكومة التصدي لبعض الجهات، من بينها الجماعات المتحالفة مع إيران، التي تسعى إلى تخفيف القيود على الوصول إلى الدولار.

وكانت الولايات المتحدة فرضت العام الماضي عقوبات على بنوك عراقية وأفراد اتهمتهم بغسل الأموال لصالح إيران.

*كيف أثر هذا النظام على العراق؟

تسببت القيود المشددة على إمداد العراق بالدولار في ظهور سوق موازية غير رسمية، مما أدى إلى تفاوت في الأسعار بين سعر الصرف الرسمي الذي يحدده البنك المركزي وسعر السوق السوداء.

ويمثل هذا التفاوت في الأسعار في جوهره علاوة مخاطرة للتعامل خارج النظام الرسمي. ومنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه في ولاية ثانية، شن حملة "أقصى الضغوط" على إيران، وغالبا ما يجد العراق نفسه في مرمى النيران، إذ تتعامل طهران معه باعتباره شريانا حيويا لاقتصادها.

*ما هو الوضع الحالي لإدارة عائدات النفط في العراق؟

لا تزال عائدات النفط العراقية خاضعة لإشراف بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك. واعتمد البنك المركزي العراقي تاريخيا على مزادات الدولار، المعروفة رسميا باسم مزاد العملة الأجنبية، كآلية رئيسية لتوفير الدولار.

وكان بإمكان البنوك الخاصة وشركات الصرافة تقديم عروض يومية للحصول على الدولار من خلال شرائه بالدينار العراقي. وأنهى العراق رسميا نظام المزادات في مطلع عام 2025 بعد ضغوط مكثفة من واشنطن في إطار حملة واسعة النطاق لمكافحة ما أثير عن تهريب الدولار إلى كيانات خاضعة للعقوبات، ولا سيما إيران.

الخاتمة والخلاصة 

يصل التقرير الى حقيقة مؤلمة مفادها أن "السيادة الاقتصادية" للعراق لا تزال منقوصة ومرتهنة بقرار واشنطن، مما يجعل استقلال قراره السياسي أمراً شبه مستحيل في ظل المعادلات الحالية.

فنتائج الانتخابات في العراق (وإن أفرزت فوزاً لحلفاء إيران) لا يمكن صرفها سياسياً إذا تعارضت مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، حيث يمتلك "الدولار" حق النقض (الفيتو) الأقوى من أصوات الناخبين.

وتشير استجابة قادة الفصائل (مثل قيس الخزعلي) للضغوط الأمريكية بإبداء المرونة في إقالة شخصيات مرفوضة، إلى إدراك عميق بأن المواجهة الاقتصادية مع واشنطن خاسرة، وأن بقاء النظام السياسي العراقي يعتمد على "حسن نية" الفيدرالي الأمريكي.

ومن هنا سيظل العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن استقراره المالي والسياسي سيظل رهينة للتفاهمات أو الصدامات بين واشنطن وطهران، مع بقاء "صنبور الدولار" الأداة الأكثر فاعلية لضبط الإيقاع السياسي في بغداد.

اضف تعليق