أزمة البنزين في إقليم كوردستان لا تُعد مجرد أزمة تتعلق بسعر الوقود، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات على إدارة الموارد العامة وفق قواعد واضحة ومتوازنة. فالأسواق تستطيع التكيف مع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، لكنها تعجز عن التكيف مع القرارات المفاجئة التي لا تسبقها آليات انتقالية واضحة، ولا تفسر للرأي...

لا تُقاس أزمات الوقود بارتفاع الأسعار أو انخفاضها فحسب، بل بالطريقة التي تُدار بها، وبالرسائل التي تبعثها إلى المجتمع بشأن طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق. ومن هذا المنظور، فإن أزمة البنزين التي يشهدها إقليم كوردستان منذ منتصف شهر يوليو/تموز 2026 إلى الآن، ليست مجرد اضطراب في سوق الوقود، بل تكشف عن خلل في إدارة القرار الاقتصادي، وعن أزمة ثقة متنامية بين المواطن والمؤسسات.

فقد ارتفعت أسعار البنزين إلى مستويات أثقلت كاهل المواطنين وأثارت موجة واسعة من الاحتجاجات، فسارعت الحكومة إلى إصدار قرار بتخفيض الأسعار استجابة للضغط الشعبي، غير أن القرار، بدل أن ينهي الأزمة، فتح بابًا لأزمة جديدة، إذ إن البنزين الموجود في خزانات محطات الوقود كان قد اشتُري بالسعر المرتفع، بينما أُلزم أصحاب المحطات ببيعه بالسعر الجديد، من دون إعلان آلية واضحة لمعالجة فارق السعر أو توزيع كلفة القرار بين الأطراف المعنية.

من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على حق الحكومة في التدخل لتنظيم أسعار السلع الأساسية عندما ترى أن السوق يشهد ارتفاعات غير مبررة أو ممارسات احتكارية، فهذه إحدى وظائف الدولة في حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لكن نجاح أي سياسة عامة لا يُقاس فقط بنبل أهدافها، بل بسلامة تصميمها وآليات تنفيذها. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية، إذ صدر قرار التخفيض من دون خطة انتقالية تنظم التعامل مع المخزون الذي سبق شراؤه بالسعر القديم، فانتقلت كلفة القرار مباشرة إلى أصحاب المحطات، وأصبح تنفيذ السياسة الجديدة مرهونًا بتحملهم خسائر مالية لم يشاركوا في صنع أسبابها.

لذلك فإن جوهر الأزمة لا يكمن في قرار التخفيض ذاته، بل في غياب سياسة انتقالية تنظم الانتقال بين السعر القديم والسعر الجديد. ففي الاقتصادات التي تعتمد تدخلًا حكوميًا في تسعير السلع الأساسية، ترافق التغييرات المفاجئة آليات تحدد كيفية توزيع كلفة القرار بين الدولة والموردين والموزعين، بما يحافظ على استقرار السوق ويمنع انتقال الخسارة إلى طرف واحد. أما في الحالة الراهنة، فقد بدا وكأن كلفة التصحيح أُلقيت على الحلقة الأخيرة في سلسلة التوزيع، فتحولت محاولة معالجة الأسعار إلى سبب مباشر لاضطراب السوق وتعثر وصول الوقود إلى المستهلك.

هنا يبرز السؤال الذي تجاهلته إدارة الأزمة: من يتحمل كلفة القرار؟ فمن الواضح أن أصحاب المحطات وجدوا أنفسهم بين خيارين كلاهما مكلف؛ إما البيع بسعر يقل عن كلفة الشراء وتحمل خسائر مباشرة، أو الامتناع عن البيع ومواجهة العقوبات والإجراءات الحكومية. أما المواطن، فقد ظل الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الخلاف من خلال طوابير الانتظار، وصعوبة الحصول على الوقود، وارتفاع تكاليف النقل، وتعطل جزء من نشاطه الاقتصادي اليومي. وفي المقابل، لم تُقدَّم للرأي العام صورة واضحة تبين كيف جرى توزيع الخسائر بين مختلف حلقات سلسلة التوريد، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول عدالة القرار وآليات تطبيقه.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أصحاب المحطات أو بتحميل الحكومة وحدها المسؤولية، بل بإبراز مبدأ اقتصادي بسيط، وهو أن السياسات العامة لا تُقاس بأهدافها المعلنة فقط، وإنما بالطريقة التي توزع بها أعباءها. فحين يتحمل طرف واحد الجزء الأكبر من الخسارة، بينما تغيب معايير واضحة لتوزيع الكلفة، يصبح من الطبيعي أن تتراجع الثقة بسلامة القرار، حتى وإن كان الهدف المعلن منه حماية المستهلك.

غير أن الأزمة تتجاوز الجانب الفني المتعلق بالتسعير إلى مستوى أعمق يتعلق بطريقة صنع القرار الاقتصادي، فالمجتمع لا يقيّم القرارات من خلال نتائجها فقط، بل من خلال اقتناعه بأنها اتُّخذت وفق قواعد واضحة، وطُبِّقت بمعايير متساوية، وأُحيطت بالقدر الكافي من الوضوح. ولهذا لم يقتصر النقاش الشعبي على مقدار التخفيض أو الزيادة في الأسعار، بل امتد إلى التساؤل عن طبيعة إدارة قطاع الوقود، وآليات التسعير، وكيفية احتساب الكلفة، وأسباب غياب المعالجة الانتقالية. وكلما قلت المعلومات المتاحة، اتسعت مساحة التأويل، وتحولت أزمة الوقود إلى أزمة ثقة.

ومن زاوية الاقتصاد السياسي، فإن المشكلة لا تكمن في اختلاف المصالح بين الدولة والقطاع الخاص، فهذا أمر طبيعي في جميع الاقتصادات، وإنما في غياب ما يكفي من الوضوح لطمأنة المجتمع إلى أن القرار الاقتصادي صيغ وفق اعتبارات المصلحة العامة، وأن كلفته وُزعت بصورة متوازنة بين مختلف الأطراف. وعندما تغيب هذه القناعة، تصبح الشكوك جزءًا من المشهد، ويغدو أي قرار اقتصادي معرضًا للتأويل أكثر من التقييم.

وفي ضوء ما جرى، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة في إدارة القرار الاقتصادي منها إلى أزمة في توافر الوقود. فالمادة كانت موجودة، لكن طريقة إدارة الانتقال من السعر القديم إلى السعر الجديد هي التي أوجدت الاضطراب، وأعادت توزيع الخسائر بطريقة أثارت شعورًا واسعًا بعدم العدالة. ومن هنا، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في قيمة اللتر الواحد، وإنما في الكيفية التي صيغ بها القرار، وفي الطريقة التي جرى بها تحميل كلفته.

ويظل السؤال قائمًا: إذا كانت الجهات المعنية تدرك أن تطبيق التسعيرة الجديدة سيوقع خسائر على أصحاب المحطات بسبب المخزون الذي سبق شراؤه بالسعر القديم، فلماذا لم يقترن القرار بآلية انتقالية واضحة؟ إن هذا السؤال لا يتعلق فقط بكفاءة الإدارة الاقتصادية، بل بقدرتها على بناء الثقة من خلال قرارات قابلة للفهم والمساءلة. فكلما كانت أسباب القرار وآليات تنفيذه أكثر وضوحًا، تراجعت مساحة الشك، وأصبح المجتمع أكثر استعدادًا لتقبل كلفته، حتى عندما تكون مؤلمة.

إن أزمة البنزين في إقليم كوردستان لا تُعد مجرد أزمة تتعلق بسعر الوقود، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات على إدارة الموارد العامة وفق قواعد واضحة ومتوازنة. فالأسواق تستطيع التكيف مع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، لكنها تعجز عن التكيف مع القرارات المفاجئة التي لا تسبقها آليات انتقالية واضحة، ولا تفسر للرأي العام كيف وُزعت كلفتها بين مختلف الأطراف. وعندما يغيب هذا الوضوح، تتحول كل أزمة معيشية إلى أزمة ثقة؛ لأن المواطن لا يحاكم النتائج وحدها، بل يحاكم أيضًا الطريقة التي صُنعت بها. وعندها لا يعود السؤال: كم بلغ سعر لتر البنزين؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف يُدار القرار الاقتصادي؟

اضف تعليق