مفاوضات السلام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، والتي انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة، بعد ستّة أشهر من الموعد المقرّر وذلك بسبب الخلافات بشأن صفقة تبادل أسرى مثيرة للجدل التي تم الاتفاق عليها في شباط/فبراير الماضي ولم تنفّذ سوى في مطلع ايلول، هذه المفاوضات وكما نقلت بعض المصادر ستكون صعبة جداً، خصوصاً وان اللقاءات والمناقشات قد كشفت عن وجود اختلافات جوهرية عسيرة بشأن الرؤى للمستقبل ما بعد الحرب بما يهدد الدفع باتجاه السلام.

وتدعم الولايات المتحدة هذه المحادثات التي اعتبرها وزير الخارجية الأمريكي "فرصة تاريخية لأفغانستان لإنهاء أربعة عقود من الحرب وسفك الدماء"، مؤكّدا "يجب عدم إهدار هذه الفرصة". ويرى بعض المراقبين ان ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، ستسعى ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الى تكثيف جهودها وتحركاتها وستجبر الحكومة الأفغانية على تقديم تنازلات كبيرة من اجل ارضاء حركة طالبان، وبتالي الحصول على مكاسب انتخابية جديدة تضاف الى ملف التطبيع العربي مع إسرائيل.

وقال بومبيو أثناء سفره إلى قطر بأنه يجب على الجانبين توضيح "طريقة دفع بلادهم إلى الأمام للحد من العنف وتقديم ما يطالب به الشعب الأفغاني، أفغانستان متصالحة مع حكومة تعكس دولة ليست في حالة حرب". وضغط الرئيس دونالد ترامب المرشح لولاية ثانية في الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني باتجاه سحب القوات الأمريكية وإنهاء أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة بدأت قبل ما يقرب من 20 عاما عندما غزت واشنطن أفغانستان وأطاحت بحركة طالبان عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وقالت فاندا فيلباب-براون الخبيرة في شؤون أفغانستان في معهد "بروكينغز"، إن المفاوضات "ستكون طويلة وشاقة وقد تستمر لسنوات، مع العديد من التوقفات أحيانا لأشهر عدة واستمرار القتال". ويخشى العديد من الأفغان من أن أي عودة جزئية أو كاملة لطالبان إلى السلطة تنذر باستئناف السياسات المتشددة السابقة. وستكون حركة طالبان التي حكمت الجزء الأكبر من أفغانستان بين العامَين 1996 و2001، في موقف تفاوضي أقوى من أي وقت مضى منذ إخراجها من الحكم. فقد أعلنت "الانتصار" في فبراير/شباط بعد توقيع اتفاق مع واشنطن وضع جدولا زمنيا للمحادثات إضافة إلى انسحاب القوات الأجنبية بحلول مطلع العام المقبل. في المقابل، عرضت حركة طالبان ضمانات أمنية قال منتقدوها إنها ملتبسة ويمكن الرجوع عنها بسهولة.

وبعيد توقيع الاتفاق، شن مقاتلو طالبان هجمات جديدة على القوات الأفغانية وحافظوا على وتيرة مكثفة في ساحة القتال. ولا تشترط الصفقة على حركة طالبان التخلي رسميا عن تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن سابقا والذي تمتع بملاذ آمن في أفغانستان أثناء التخطيط لهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. لكن، يطلب الاتفاق من حركة طالبان "عدم السماح" لمثل هذه الجماعات باستخدام أفغانستان كقاعدة لها. وقال أندرو واتكينز المحلل الأفغاني في "مجموعة الأزمات الدولية"، "مواقف طالبان... مؤشر إلى أن الحركة ترى أن وضعها الحالي يجعلها في موقع قوة كبيرة".

سجناء طالبان

قال مسؤولون أفغان كبار إن الحكومة أطلقت سراح نحو 200 من سجناء طالبان لدفع مفاوضات سلام مؤجلة منذ وقت طويل. والسجناء المطلق سراحهم من مجموعة تضم 400 من أبرز عناصر طالبان. وتسبب الخلاف بشأن مصيرهم في تعثر مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة المتشددة الرامية لإنهاء قرابة عقدين من الحرب في أفغانستان. وقال مسؤولون إن هذه المجموعة أفرج عنها من السجن الرئيسي في العاصمة كابول وفي الوقت نفسه أطلقت طالبان سراح ستة من أفراد القوات الخاصة الأفغانية كانت تحتجزهم.

وقال مسؤول حكومي كبير طلب عدم نشر اسمه “نريد الانتهاء من تبادل السجناء لنبدأ عملية السلام في أقرب وقت ممكن”. وهذه المجموعة هي الباقية من خمسة آلاف سجين من طالبان تقرر إطلاق سراحهم من السجون الأفغانية في إطار اتفاق أبرمته الولايات المتحدة مع الحركة في فبراير شباط يتيح انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان. وكان الإفراج عنهم شرطا لبدء المحادثات بين الحكومة وطالبان.

من جانب اخر أعرب عبد الله عبد الله، المسؤول الحكومي المكلّف الإشراف على عملية السلام الجارية بين كابول وحركة طالبان، عن أسفه لأنّ عدداً من مقاتلي الحركة الإسلامية المتمرّدة الذين أفرجت عنهم الحكومة الأفغانية مؤخراً عادوا لحمل السلاح، مبدياً في الوقت نفسه ارتياحه للأجواء "الإيجابية" التي تسود المحادثات. وقال عبد الله في مؤتمر عبر الإنترنت نظّمه "مجلس العلاقات الخارجية" وهو مركز أبحاث أميركي "أعلم أنّ بعضاً منهم عادوا إلى ساحة المعركة في انتهاك للتعهدات التي التزموا بها" في صفقة تبادل السجناء التي أبرمتها حركة طالبان مع كابول.

وأضاف أنّ القسم الأكبر من هؤلاء السجناء السابقين لم يعد إلى حمل السلاح "لكنّ بعضهم فعل ذلك". ولفت عبد الله إلى أنّ المفاوضات التي انطلقت في الدوحة بين الحكومة الأفغانية والحركة الإسلامية المتمرّدة تتواصل بين الجانبين على مستوى مجموعات اتّصال، مشيراً إلى أنّ الوفدين بدآ يتعرّفان على بعضهما البعض.

وقال "بالنظر إلى السياق، أعتبره أمراً إيجابياً". وفي حين لا يزال مستوى العنف على حاله في أفغانستان، دعا ممثّل الحكومة الأفغانية في مفاوضات السلام كلاً من الولايات المتّحدة، التي أبرمت مع طالبان اتفاقاً منفصلاً كانت هذه المفاوضات إحدى ثماره، وباكستان التي تتّهمها كابول بانتظام بإيواء المتمرّدين وتمويلهم، إلى الضغط من أجل التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وقال عبد الله إنّ "مستوى العنف مرتفع للغاية، لدرجة غير مقبولة بالنسبة للشعب، وأكرّر دعوتي إلى طالبان وإلى جميع الشركاء الذين لديهم تأثير على طالبان للضغط في هذا المجال". ولفت المفاوض الحكومي إلى أنّه سيتوجّه إلى باكستان "في غضون أيام قليلة"، في أول زيارة له إلى هذا البلد منذ 2008. وحذّر الرئيس الأفغاني أشرف غني في وقت سابق من أن الإفراج عن "مجرمين متشددين" وعن تجار مخدرات "سيشكل على الأرجح خطراً بالنسبة لنا وبالنسبة (للولايات المتحدة) والعالم".

وأضاف الرئيس أن ذلك ينطوي أيضاً على "منع تحقيق العدالة وتعافي عائلات أولئك الذين قُتلوا". واعتبرت عائلة الفرنسية بيتينا غواسلار التي قُتلت في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 في غزنة (شرق) أن الإفراج عن اثنين من قتلة الموظفة الأممية "استناداً إلى مبدأ المساومة" أمر "لا يمكن تصوّره". وقالت كوسيما أوهيون، وكيلة الدفاع عن عائلة غواسلار، إنه "إذا تأكد الإفراج (عن هؤلاء)، فسيأخذان معهما جزء من الحقيقة التي لا تزال عائلة غواسلار تنتظرها". وذكّرت بأن تحقيقاً قضائياً في القضية لا يزال مفتوحاً في فرنسا. ويُتوقع الإفراج عن المتهمين وكذلك عن جندي أفغاني سابق قتل عام 2012 في ولاية كابيسا خمسة جنود فرنسيين وتسبب بإصابة 13 بجروح. بحسب فرانس برس.

وترزح الحكومة وطالبان تحت ضغط من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يتوق لتحقيق تقدم نحو السلام حتى يتمكن من إعادة المزيد من الجنود الأمريكيين إلى الوطن قبل انتخابات نوفمبر تشرين الثاني الرئاسية، حيث يتراجع في استطلاعات الرأي‮.‬ وتقول منظمات حقوقية إن عملية صنع السلام يجب أن تقودها اعتبارات أخرى غير دورة الانتخابات الأمريكية‮.‬ و‬قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان ”يتعين أن تكون الأولوية لحق الضحايا في العدالة، وحق المعتقلين في محاكمة عادلة‮.‬

هجمات مستمرة

على صعيد متصل قتل 11 شخصا وجرح أخرون، في هجوم بشاحنة مفخخة قادها انتحاري واقتحم بها نقطة تفتيش في أفغانستان، فيما تستمر مفاوضات السلام الجارية بين الحكومة وحركة طالبان في قطر. ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن هذا الهجوم الذي وقع في ولاية هلمند بجنوب البلاد، لكن مسؤولين أفغان حملوا حركة طالبان التي لها وجود مكثف في تلك الولاية مسؤولية الهجوم.

وقال عمر زواك، المتحدث باسم حاكم ولاية هلمند، إن "الانتحاري قاد الشاحنة واقتحم الموقع الذي كان يحرسه أفراد فصائل مسلحة متحالفة مع الحكومة، وأن 7 جنود و4 مدنيين قتلوا في الهجوم". من جهتها، قالت الشرطة، إن انتحاريا قُتل وأصيب 6 مدنيين في تفجير في إقليم خوست بجنوب شرق البلاد، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

الى جانب ذلك أصيبت ناشطة بارزة وعضو في فريق التفاوض الأفغاني مع حركة طالبان، بجروح في هجوم مسلح قرب كابول، حسبما أعلن مسؤولون. وأطلق مسلحون النار على فوزية كوفي وشقيقتها لدى عودتهما من زيارة لتقديم التعازي في ولاية باروان، وفق ما أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية طارق عريان. وأوضح أن الهجوم وقع عندما خرجت المرأتان من سيارتهما لشراء حاجيات. وأصيبت كوفي العضو في البرلمان ومن أشد منتقدي طالبان، في يدها اليمنى، بحسب عريان الذي أضاف بأنها في حالة مستقرة.

ولم تعلن أي جهة بعد المسؤولية عن الهجوم. وأكد رئيس فريق التفاوض الأفغاني محمد معصوم ستانكزاي الهجوم على كوفي. وقال إن الأجهزة الأمنية تقوم بالتحقيق في الحادثة. وكانت كوفي نجت من محاولة اغتيال في 2010 عندما أطلق عليها مسلحون النار لدى عودتها إلى كابول بعد مشاركتها في فعالية في يوم المرأة العالمي. وكوفي، النائبة السابقة لرئيس مجلس النواب، هي إحدى أربع نساء في فريق التفاوض الأفغاني.

من جانب اخر ذكرت حركة طالبان، أنها قلصت بشكل كبير عملياتها في مختلف أنحاء أفغانستان منذ اتفاق الدوحة في فبراير الماضي، طبقا لأحد المفاوضين البارزين عن الجماعة المسلحة. وقال المفاوض، عبد السلام حنفي إن الجماعة لم تعلن عن أي عملية للربيع وتجنبت مهاجمة عواصم إقليمية أو شن عمليات واسعة النطاق في مدن رئيسية. واتهم قوات الأمن الأفغانية بزيادة الهجمات ضد الحركة. ويأتي البيان بعد تغريدة كتبها مبعوث السلام الأمريكي، زلماي خليل زاد على تويتر بأن العنف في أفغانستان زاد بشكل واضح وأنه يجب على الجانبين تقليص العنف بشكل كبير.

اضف تعليق