قضية الغياب المفاجئ لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون وظهوره مجددا بعد غياب استمر ثلاثة أسابيع، قضية أثارت الكثير من الشكوك و الشائعات حول صحة وقدرة هذا الزعيم الشاب على ادارة البلاد، كما نها اثارت مخاوف وقلق العديد من الدول الحكومات التي تخشى من حدوث صراع داخلي على السلطة في هذا البلد النووي، قد يؤدي بحسب بعض المراقبين إلى وقوع حرب أهلية بين السكان الذين يقدر عددهم بـ24 مليون نسمة ويعانون من الفقر، وهو ما قد يدفع بعض الدول العظمى الى التدخل العسكري من اجل الحصول على مكاسب مهمه في هذه المنطقة التي تعاني اصلاً من حالة عدم استقرار امني.

ففي ظل عدم توفر أي تفاصيل عن ابنائه يقول محللون إن شقيقته وأقرب خلصائه قد يشكلون مجلس وصاية على السلطة لحين بلوغ من سيخلفه السن المناسبة لتولي الحكم. ويثير كل تغيير قد يطرأ على القيادة في كوريا الشمالية احتمالات بوجود فراغ في السلطة أو انهيار حكم سلالة كيم التي تولت السلطة في البلاد منذ تأسيسها في عام 1948. لكن حتى الآن، خالف الثلاثة الذين يحملون اسم كيم من الأسرة الحاكمة التوقعات وتمسكوا بالسلطة بقبضة حديدية. لكن في عهد كيم جونج أون، نمت ترسانة كوريا الشمالية من الأسلحة النووية والصواريخ البالستية بشكل ملحوظ مما أثار مخاوف إضافية بشأن من سيتحكم فيها.

ولم يظهر كيم منذ 11 أبريل/نيسان ولم يحضر ايضاً الاحتفالات العامة في ذكرى ميلاد جده ومؤسس البلاد كيم إيل سونغ وهو امر غير مسبوق. ويرى البعض إنه وفي ضوء الإجراءات الصارمة التي تتخذها بيونغ يانغ لمنع تفشي فيروس كورونا، فإن غياب كيم عن الاحتفالات هو امر طبيعي، وألغت كوريا الشمالية بعض الأحداث المهمة وأغلقت الحدود وفرضت إجراءات حجر صحي في محاولة لمنع تفشي كورونا.

وكانت وسائل إعلام أمريكية منها شبكة سي أن أن، قد ذكرت أن جونغ أون، خضع لعملية جراحية، وأن المخاوف بخصوص صحته موثوقة. كما أفادت صحيفة "إن كي دايلي" التي يديرها منشقون كوريون شماليون في كوريا الجنوبية أن كيم خضع لجراحة في نيسان/أبريل جراء مشاكل في شرايين القلب، وأنه يتعافى في فيلا في مقاطعة فيون غان. ويعرف عن كوريا الشمالية وكما نقلت بعض المصادر تكتّمها الشديد، والذي يزداد عندما يتعلّق الأمر بقيادتها. ولم يعرف أحد خارج الدوائر المقرّبة للغاية من القيادة الكورية الشمالية بوفاة والد كيم وسلفه كيم جونغ إيل إلا بعد يومين على رحيله.

أول ظهور علني

وفي هذا الشأن نشرت وكالة الأنباء الرسمية في كوريا الشمالية صورة تظهر الزعيم كيم جونغ أون وهو يقص شريط افتتاح مصنع للأسمدة، في أول ظهور علني له عبر الإعلام الرسمي منذ غيابه قبل اسابيع. وأفادت الوكالة بأن "الزعيم الأعلى كيم جونغ أون يقص شريط افتتاح مصنع سون تشون للأسمدة الفوسفاتية". مشيرة إلى أن كيم "حضر الاحتفال" وسط هتاف المشاركين وتصفيقهم، لافتة إلى أنه تفقد المصنع أيضا حيث تم " اطلاعه على عملية الإنتاج" فيه.

ولم يظهر كيم علنا منذ أن ترأس اجتماع المكتب السياسي لحزب العمال في 11 أبريل/نيسان، وفي اليوم التالي أفادت وسائل الإعلام الرسمية أنه تفقد طائرات مقاتلة في وحدة للدفاع الجوي. وتزايدت الشائعات في الأيام الأخيرة حول صحة كيم بعد غيابه عن احتفالات ذكرى ميلاد مؤسس النظام الكوري الشمالي وهي أبرز مناسبة سياسية في البلاد.

هذا الظهور وكما نقلت بعض المصادر، لم يكن كافيا لتبديد الشكوك حول صحة الرجل الذي يحكم البلاد الشيوعية المعزولة. وفي ظل بث الصور عن طريق الإعلام الرسمي فقط، يرى المشككون أنه لا سبيل إلى معرفة ما إذا كانت قد التقطت من ذي قبل وجرى عرضها، مؤخرا، في محاولة لاحتواء الضجة.

ويشاع أن كيم الذي يبلغ 36 سنة يعاني عدة اضطرابات صحية من جراء وزنه الزائد وإفراطه في التدخين. ورجح البعض أن يكون كيم قد غاب عن الأنظار بسبب مخاوف فيروس كورونا، رغم أن البلاد لم تعلن تسجيل أي إصابة. وارتدى كثيرون من الحشد الكبير الذي حضر النشاط، وهم مسؤولون وعمال، كمامات ووقفوا على مسافة من المنصة التي كان كيم ومستشاروه يقفون عندها خلال المراسم.

وأظهرت لقطات تلفزيونية حكومية، أن حركات ساق كيم تبدو صعبة ومتشنجة، وأظهرت إحداها عربة غولف خضراء في الخلفية تشبه عربة استخدمها في 2014 بعد غياب طويل استمر لعام. وبحسب موقع "شوسن إلبو" الكوري الجنوبي، فإن كيم جونغ يعاني من مرض النقرس والسكري والقلب وارتفاع ضغط الدم.

من سيخلف كيم

تعرف كوريا الشمالية رسميا بـ"جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية" لكن أفراد العائلة نفسها حكموها منذ تأسيسها في 1948. ويستمد حزب العمال الحاكم شرعيته من معركة كيم إيل سونغ ضد المحتلّين اليابانيين ولاحقا قوات الأمم المتحدة التي قادتها الولايات المتحدة خلال الحرب الكورية. ويسيطر الحزب بشكل واسع على المجتمع بينما تعد "الوحدة بفكر واحد" بين أكثر شعارات كوريا الشمالية رسوخا. ولا يتوقع أحد انتفاضة شعبية في حال وفاة كيم. ويؤكد الباحث لدى "مجموعة مخاطر كوريا" أندريه لانكوف أن "جنرالات كوريا الشمالية وكبار مسؤوليها لن يتنازعوا على السلطة أو قد يحدث نزاع محدود على السلطة ليقبلوا بعده بالزعيم الجديد الذي سيكون على الأرجح من عائلة كيم".

الشقيقة الصغرى لزعيم كوريا الشمالية وكان لها أكبر وجود علني بجواره على مدى العامين المنصرمين. وتتولى رسميا منصب نائبة مدير اللجنة المركزية لحزب العمال الحاكم وكذلك هي كبيرة موظفي شقيقها لكن بشكل غير رسمي. كما تم تعيينها هذا الشهر عضوا مناوبا في المكتب السياسي للحزب الحاكم مما يشكل استمرارا لصعودها سلم القيادة. ويُعتقد أن لدى شقيقة الزعيم، ويقال إنها في الحادية والثلاثين من عمرها، سيطرة قوية على المهام الأساسية للحزب مما يجعلها المصدر الأساسي للسلطة خلف أي قيادة جماعية للبلاد.

ويقول شو هان-بوم من المعهد الكوري للوحدة الوطنية، وهو مؤسسة بحثية تمولها الحكومة في سول، ”ستكون كيم يو جونج في الوقت الراهن القاعدة الأساسية للسلطة بالسيطرة على هيئة التنظيم والإرشاد والقضاء والأمن العام“. ترقى تشوي ريونج هاي العام الماضي ليحمل اسم الرئيس الشرفي لكوريا الشمالية بصفته رئيسا للجنة الدائمة لمجلس الشعب الأعلى. وتوج ذلك عقودا قضاها في الخدمة مع الحزب في عهد سلالة كيم وبعد توليه منصب القيادة السياسية للجيش في عهد الزعيم الحالي. ويقول محللون إن تشوي ومعه عضو المكتب السياسي ورئيس الوزراء السابق باك بونج جو الذي أشرف على مساعي الشمال لتبني بعض آليات السوق الحر لإنعاش الاقتصاد سيكونان على الأرجح شخصيتين رئيسيتين في قيادة جماعية للبلاد.

كما يمكن لكل من كيم يونج تشول، وهو نائب لرئيس الحزب الحاكم والمبعوث النووي السابق وهو ليس قريبا لسلالة كيم الحاكمة، ووزير الخارجية ري سون جون تولي الملفات الدبلوماسية بما يشمل محادثات نزع الأسلحة النووية المتوقفة مع الولايات المتحدة، إذ لعبا دورا رئيسيا عندما التقى كيم جونج أون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويقول ثاي يونج هو، النائب السابق لسفير كوريا الشمالية في لندن الذي انشق إلى كوريا الجنوبية، إن كيم حونج تشول، الأخ الأكبر لزعيم كوريا الشمالية الحالي، لا دور له في قيادة البلاد ويعيش بدلا من ذلك حياة هادئة يعزف فيها الموسيقى.

ويُعتقد أن هذا الأخ غير مهتم بالحياة العامة وليس من المرجح أن يكون له أي وجود قوي رغم أن بعض المحللين يقولون إنه يحافظ على صلات مع إخوته وقد يضطلع بدور أكثر علنية في حالة وجود طارئ. وكانت كيم كيونج هوي في وقت من الأوقات شخصية نافذة في دوائر اتخاذ القرار عندما كان شقيقها كيم جونج إيل على رأس السلطة. لكنها لم تظهر علنا منذ 2013 الذي شهد قيام الزعيم الحالي بإعدام زوجها جانج سونج ثايك الذي كان يعد ثاني أقوى رجل في كوريا الشمالية في ذلك الوقت. وتعاني كيم كيونج هوي من المرض منذ فترة طويلة لكنها ظهرت لفترة وجيزة في أوائل هذا العام بجوار ابن اخيها في حفل عام.

وفقا لجهاز المخابرات الكوري الجنوبي يُعتقد أن لكيم جونج أون ثلاثة أطفال مع زوجته ري سول جو أصغرهم ولد في 2017. والأكبر يبلغ من العمر عشرة أعوام بما يعني أن جميعهم سيحتاجون مساعدة من أقاربهم ومن أوصياء سياسيين إذا ما كان أحدهم سيصبح يوما الجيل الرابع للأسرة في الحكم. وسنحت لكيم جونج إيل الفرصة لإعداده للحكم لمدة 20 عاما بينما لم يكن لدى كيم جونج أون سوى ما يزيد قليلا عن عام للاستعداد بسبب الوفاة المفاجئة لوالده بأزمة قلبية. بحسب رويترز.

وقال جو ميونج-هيون الزميل في المعهد الآسيوي للدراسات السياسية في سول ”ليس من المرجح أن تتسلم كيم يو جونج مقاليد الحكم لكن يمكنها أن تساعد في بناء نظام تصريف أعمال كوسيط للسلطة لحين أن يكبر الأطفال وقد يعود كيم جونج تشول ليساعد لبعض الوقت“.

توخي الحذر

في السياق ذاته تبادلت القوات الكورية الشمالية والجنوبية إطلاق النار على الحدود في المنطقة المنزوعة السلاح التي تقسم شبه الجزيرة، حسبما أعلن الجيش الكوري الجنوبي. ويأتي الحادث غير المعتاد غداة ظهور الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون علنا لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع من الغياب، وسط تكهنات عدة حول صحته. أعلن الجيش الكوري الجنوبي أن كوريا الشمالية أطلقت طلقات نارية عدة باتجاه الجنوب في المنطقة المنزوعة السلاح التي تقسم شبه الجزيرة، ما دفع القوات الكورية الجنوبية إلى الرد.

وقالت هيئة الأركان المشتركة في الجيش الكوري الجنوبي في بيان إن موقعا للحرس الكوري الجنوبي أصيب بطلقات عدة من الشمال. وأضافت أنه لم ترد أنباء عن وقوع خسائر في الجانب الجنوبي. وذكرت سول "رد جيشنا بجولتين من إطلاق النار وتحذير وفقا لكتيبنا". وأضافت هيئة الأركان أنها تتواصل مع الشمال عبر الخط العسكري الساخن لتحديد سبب الحادثة.

وأثار غياب كيم جونغ أون تكهنات بشأن وضعه الصحي وتساؤلات حول خلافته على رأس الدولة النووية، حتى ظهوره مجددا في صور رسمية. وإذا اختفى كيم الذي يحكم منذ 2011، سيجد البلد الشيوعي نفسه للمرة الأولى مقابل خلافة غير مخطط لها مسبقا. وقال تشوي كانغ نائب رئيس المعهد الآسيوي للدراسات السياسية إن توقيت هذا الاستفزاز يثبت أن كيم ما زال مسؤولا عن الجيش الكوري الشمالي. مضيفا أن "كيم بالأمس كان يحاول إثبات إنه بصحة جيدة واليوم كيم يحاول إنهاء كل التكهنات بأنه ربما لا يسيطر بشكل كامل على الجيش. "وبدلا من أن يطلق صواريخ ويشرف على إطلاق صاروخ فكيم ربما يذكرنا -بأنني نعم إنني بصحة جيدة وما زلت في السلطة-".

كما اعتبر ليف إريك إيزلي أستاذ الشؤون الدولية في جامعة إيهوا في سول أن حادث إطلاق النار ربما استهدف تعزيز الروح المعنوية في الجيش الكوري الجنوبي. وتابع "ربما نظام كيم يتطلع لرفع معنويات قواته المرابطة على خط المواجهة ولاستعادة أي نفوذ تفاوضي فقد خلال أسابيع غياب الزعيم التي دارت خلالها شائعات". ولا تزال الكوريتان عمليا في حالة حرب منذ أن توقفت الحرب الكورية بهدنة عام 1953. وكان الرئيس الكوري الجنوبي وكيم اتفقا على تخفيف التوتر العسكري على الحدود بين الكوريتين خلال قمتهما في بيونغ يانغ في سبتمبر/أيلول 2018. بحسب فرانس برس.

لكن كوريا الشمالية لم تلتزم بغالبية ما اتفق عليه حينها، وقطعت بيونغ يانغ إلى حد كبير التواصل مع سول. كما أطلقت عدة صواريخ باتجاه بحر اليابان أو بحر الشرق وفق ما أعلن الجيش الكوري الجنوبي الذي يشتبه أنها صواريخ كروز. وخلال السنوات الماضية نفذت بيونغيانغ التي تمتلك السلاح الذري تجارب لصواريخ بالستية، تطلق على ارتفاعات عالية قبل أن تسقط بسرعة فائقة على هدفها مدفوعة بقوة الجاذبية.

ودعا المسؤولون في كوريا الجنوبية في وقت سابق، إلى توخي الحذر وسط تقارير عن احتمال أن يكون الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون مريض مشددين على أنهم لم يرصدوا أي تحركات غير عادية في كوريا الشمالية. وقال كيم يون-تشول وزير الوحدة الكوري الجنوبي، المسؤول عن التواصل مع كوريا الشمالية، إن الحكومة لديها قدرات استخباراتية تتيح لها أن تقول بثقة أنه لا يوجد شيء غير عادي يحدث. وقالت وسائل الإعلام الكورية الجنوبية إن من المحتمل أن كيم خضع لجراحة في شرايين القلب أو أنه في عزلة لتفادي الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

كما قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شأن التقارير التي تحدثت عن مرض كيم وقال للصحفيين ”أعتقد أن التقرير غير صحيح“ لكنه أحجم عن توضيح ما إذا كان على اتصال بمسؤولين في كوريا الشمالية. والتقى ترامب بكيم في ثلاث مناسبات في محاولة لإقناعه بتخلي كوريا الشمالية عن برنامجها للأسلحة النووية الذي يهدد الولايات المتحدة وجيران كوريا الآسيويين. ورغم توقف المحادثات إلا أن ترامب لا يزال يصف كيم بالصديق.

من جانبه قال نائب رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة إنه ليس لديه أي معلومات مخابراتية ”تؤكد أو تنفي“ ما أوردته تقارير إعلامية بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون يعاني من مرض خطير وأضاف أنه يعتقد أن كيم لا يزال يسيطر على جيشه. وأضاف نائب رئيس هيئة الأركان الجنرال جون هيتن ”بالنسبة لمعلومات المخابرات ليس لدي أي شيء يؤكد أو ينفي تلك الأنباء. لذا أعتقد أن كيم جونج أون لا يزال يسيطر بشكل تام على القوى النووية الكورية (الشمالية) وقوات الجيش الكوري“.

اضف تعليق