الإمام المهدي مفتاح البركة في رزقك وعلمك وأسرتك وأعمالك و...، فإذا دعوت له دوماً وتصدّقت عنه دوماً وذكرته وذكّرت الناس به دوماً كان جزاؤك البركة مضاعفة أضعافاً، البركة لا تنال بالعوامل الغيبية فحسب بل أنّ العوامل الظاهرية المادية أيضاً ذات مدخلية، بمعادلة تشبيك الأسباب الظاهرية بالغيبية والأسباب الخفية بالجلية...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

المقدمة: الحظ واليُمن والبركة والسعة، في مقابل النحس والشؤم، مفردات يبدو لكثير من الناس أنّها تتحكم في حياتهم أو تؤثر عليها، في مرحلة أو فترة، بشكل أو آخر، فما هو واقع هذه الأمور، وهل هي أمور واقعية أو متخيلة؟ وهل هي أمور غيبية أو لها عوامل مادية أو المجموع منهما؟

يتطرّق البحث في حلقات إلى ذلك منوّهاً إلى أن بعض المفردات موهومة كشؤم بعض الأرقام أو الحيوانات أو الحركات، وبعضها حق، كالبركة في الأموال والأولاد والأوقات والأعمار، موضحاً أنّ الشؤم يمتد إلى الحكومات أيضاً، فبعضها نحس على شعبه مشؤوم وبعضها مبارك، فما أسباب ذلك؟، ليتطرق إلى البركات بأنواعها في عهد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مستعرضاً أقوال بعض أئمة السلف، كابن القيم الجوزية في بركات عصر الظهور وكلام الألباني المعاصر في كفر منكر المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

إضافة إلى استعراض البركات في عصره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بحسب ما جاء في الكافي الشريف وغيره من مصادرنا، ليعود البحث إلى أسرار البركة في زمن الغيبة، هذا العصر، ليؤكّد على أنّ الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مفتاح البركة في رزقك وعلمك وأسرتك وأعمالك و...، فإذا دعوت له (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دوماً وتصدّقت عنه دوماً وذكرته وذكّرت الناس به دوماً كان جزاؤك البركة مضاعفة أضعافاً، مستشهداً بقصة من أروع القصص المهدوية عن فقراء في بومباي تحولوا إلى أثرياء بشكل لا يصدق، ليختم بأن البركة لا تنال بالعوامل الغيبية فحسب بل أنّ العوامل الظاهرية المادية أيضاً ذات مدخلية مؤكداً على معادلة تشبيك الأسباب الظاهرية بالغيبية والأسباب الخفية بالجلية.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْني‏ مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلينَ‏)[1]، و(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)[2].

والمعهود في المصاحف المعروفة (مُنْزَلاً) بضمّ الميم وفتح الراء، وقرئت أيضاً (مَنزِلاً) بفتحها مع كسر الراء، وعلى كلا التقديرين، فهي:

إمّا مصدر أو اسم مكان، أي إنزالاً مباركاً أو محلّ إنزال مبارك على القراءة الأولى، ونزولاً مباركاً أو محلّ نزول مبارك على الثانية.

ثنائيّة الشؤم والنحس أو اليُمن والبركة

البحث يدور حول ثنائية الشؤم والنحس من جهة، واليُمن والسعد والحظّ والبركة من جهة أخرى، فلقد شغلت هذه المفردات (الحظّ، النحس، الشؤم، و...) أذهان البشرية على مرّ التاريخ، وحتى في العالم المعاصر لا تجد بلداً مسلماً كان أم مسيحياً أم بوذياً أم حتى كافراً أو ملحداً إلّا والكثير من الناس فيه، إن لم يكن الأكثر، يعتقدون في شيء ما بأنّه منحوس أو مشؤوم، كالمقبرة أو القطّ الأسود أو نحو ذلك، أو حتى بعض الأيّام كالأربعاء مثلاً، أو، في المقابل، يعتقدون في شخص أو شيء أو وقت بأنّه محظوظ أو أنّه جالب للحظّ، كما ستأتي أمثلة أكثر تنوّعاً لكلّ ذلك.

والسؤال هو: هل هذه حقيقة؟ أو مجرّد أوهام وخيالات؟

وهل يوجد حظّ أسود وحظّ سعيد أو الأمر مجرّد مصادفات حسنة أو سيّئة؟

وهل الحظّ ممّا يمكنك أن تصنعه بنفسك وحسن تدبيرك، أو أنّه ممّا لا طريق لك إليه بل إنّه هو الذي يلتقي بك؟

أو بوجه آخر: لماذا يبدو الحظّ ذكيّاً أحياناً وأحياناً لا؟ ولماذا يبدو أنّ الشؤم يستهدف أشخاصاً معيّنين دون غيرهم، هذا الأخ دون ذاك، وهذا الجار دون ذاك، وهذا التاجر أو الأستاذ دون ذاك؟

والسؤال بصيغة أخرى: كيف تجعل الحظّ يبتسم لك؟ أو كيف توقظ حظّك؟ وكيف تجذبه إليك؟

الشؤم ليس أن لا تملك الثروات بل أن تسيء استخدامها وتُهدِرها

وسنبحث عن الإجابة عن هذه الأسئلة ونظائرها في حلقة قادمة بإذن الله تعالى، ولكنّنا الآن نركّز البحث عن البركة وأسبابها، إذ لئن اختلف الناس في الحظّ وأنّه موجود أو متوهّم، ولكن لا خلاف في (البركة) لورودها في العديد من الآيات القرآنية الكريمة وبأكثر من صيغة، وفي المقابل النحس حيث ورد قوله تعالى: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ)[3]، و(في‏ أَيَّامٍ نَحِساتٍ)[4].

وقد نُقل عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) قوله: (لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئاً)، والسَّنة هي القحط والجدب في مقابل الخصب.

فالقحط والجدب ليس في أن لا يفيض الله تعالى نعمه، بل القحط والجدب ينشأ من سوء استثمار الإنسان والبشر للثروات الطبيعية، فقد تمطر السماء كثيراً جدّاً، لكنّ الحكومات، تقصّر تقصيراً ذريعاً في بناء السدود، وفي استصلاح الأراضي، وتحسين التربة، وفي مكافحة الأوبئة، وفي توفير الأسمدة وطُرُق الري الحديثة، والأجهزة والمعدات والآلات، وفي تدريب الخبراء وإعداد الكفاءات، وفي مجمل حُسن إدارة ملفّ الأراضي وحقل الزراعة خاصّة.

بين الصندوق السيادي النرويجي وبين صناديق بلادنا البائسة!

ومن أبرز الأمثلة على الحظّ السعيد الذي يجلبه حسن التخطيط وحسن الإدارة والتنظيم الصندوق السيادي النرويجي، حيث تجاوز 21 تريليون كرونه نرويجية، أي تجاوز 2 تريليون دولار في عام 2025، وهو رقم مذهل حقّاً، عكس بلادنا الإسلامية، عادةً، حيث لا يوجد صندوق سيادي يُذكر لهذه البلاد، إلا مجرّد شيء طفيف لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

والصندوق السيادي أكثر من ضرورة، لأنّه يحافظ على حقوق الأجيال القادمة، ويضمن الاستقرار الاقتصادي للبلاد، ويوفّر مظلّة حماية للناس والحكومة من تقلّبات أسعار النفط وتذبذب الأسواق العالمية، فيضمن ثبات العملة وانخفاض الأسعار ونحو ذلك.

والفكرة في حد ذاتها بسيطة، لكنا جوهرية، وهي أن تَقتطع الحكومة من وارد البلاد من النفط أو الغاز أو نحوهما شهرياً أو سنوياً مبلغاً معيّناً كـ 10% يُصبّ في صندوق استثماري يعتمد على محفظة أو سلّة منوّعة من الأسهم والسندات والاستثمارات المختلفة في الأسواق المختلفة: الأراضي، العقارات، الذهب، الفضّة، العملات، الأسهم، وغير ذلك.

ولكنّ سوء تصرّف حكّامنا في ثروات البلاد، ليس بهدرها وتبذيرها فقط، بل بعدم حُسن استثمارها واستغلالها أيضاً، أدّى إلى أن تكون حظوظ أغلب البلاد الإسلامية سوداء، أو فقل تكون حكوماتها مشؤومة ونحسة على شعوبها، فـ (لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا)، أو لا تكون لكم ثروات طبيعية كبرى كالنفط والغاز والمعادن والغابات والأرض الخصبة، بل السَّنة أن يكون لكم كلّ شيء ولا يكون لكم أيّ شيء؟ وسنعود على هذا مرّة أخرى.

نطاقات البركة ومجالاتها

ثمّ إنّ (البركة) –ومقابلاتها– لا تتحدّد بأمر أو شيء، بل إنّ لها نطاقاً واسعاً عريضاً جدّاً، فقد تكون البركة في الأموال، أو الأوقات، أو الأولاد، أو العلاقات الاجتماعية، أو في العلم، أو في العمل، أو في المزرعة، أو الدار، أو التجارة، أو غير ذلك كالتأليف والمؤسّسات، ونحو ذلك.

وهنالك من الناس من هو مبارك في ذلك كلّه، وهناك من هو مبارك في أمر من الأمور السابقة، أو أمرين، أو ثلاثة دون غيره:

البركة في العلاقات

فكثيراً ما تجد بعضهم في العلاقات مباركاً، إذ يفتح الله عليه أبواب الصداقة مع مختلف الناس، سواء في ذلك العلماء والتجّار والوجهاء والمسؤولون والصحفيون، فإن استثمرها في خدمة الدين وأهله وقضاء حوائج الناس فقد أدّى حقّها وشكرها، وإلّا فلا، أي إنّه قد كفر النعمة، وشكران النعمة مفتاح البركة والحظّ، وكفرانها مفتاح الشؤم والنحس.

البركة في القلم والتأليف

وكثيراً ما تجد بعض الناس قد بارك الله في أقلامهم، إذ يكتبون بسهولة وسلاسة، وبعض بالعكس، إذ قد يصعب عليه كتابة حتّى صفحة أو سطر، ثمّ البركة ليست في الكتابة فقط، بل في التأثير أيضاً، فقد يكون كتاب مباركاً كـ (شرائع الإسلام) و(المكاسب) و(العروة الوثقى) مثلاً، أو (كشرح التجريد) أو (مرآة العقول) مثلاً، أو (كالوسائل، والمستدركات) مثلاً، أو كـ (المراجعات) و(الغدير) مثلاً، أو كـ (مفاتيح الجنان)، وفي المقابل ما أكثر الكتب المهجورة أو المغمورة.

البركة في الأسرة والأبناء

وقد يبارك الله تعالى في أسرة فتكثر فروعها وتزداد أعدادهم كأزهار الربيع، وقد يسلب الله تعالى، لا سمح الله عنهم، بركته بعد حين، فيتناقصون ويتناقصون، ومفتاح البركة في ذلك صلة الرحم، فكلّما أكثروا منها أكثر الله منهم وبارك، وكلّما قطعوا أُصيبوا بالشؤم.

البركة في المال

وكذلك المال، إذ كثيراً ما تجد شخصاً يحصل على مرتب شهري ضخم، لكنّ أمواله تتبخّر قبل منتصف الشهر، وآخر لا يحصل إلّا على راتب بسيط، لكنّه يكون مباركاً يفي بحوائجه كلّها، ومفتاح الشؤم في ذاك قد يكون الهدر والإسراف ومنع الزكاة، أمّا مفتاح البركة في هذا فـ (القناعة) ونحوها.

نماذج من علل موهومة للشؤم أو السعد

لكنّ الناس كانوا ولا يزالون يعتمدون، قديماً وحديثاً، على علل موهومة للسعد واليُمن، أو أسباب أخرى موهومة للشؤم والنحس.

أنواع الشؤم والمشؤمات في الشعوب المختلفة

فمن ألوان وَهْم الشؤم:

* السانح والبارح: كان الرجل إذا خرج لعمل ما، زجر طيراً من الطيور؛ فإذا طار إلى جهة اليمين (وهو الذي يُسمّى بالسانح) استبشر خيراً وأكمل طريقه، أمّا إذا طار إلى جهة اليسار (وهو الذي يُسمّى بالبارح) فإنّه يعود إلى بيته فوراً وينقض عقوده خوفاً من النحس!

وكان بعض الأذكياء إذا رأوا طيراً "بارحاً" (طار إلى جهة اليسار) يلتفّون حول أنفسهم لكي يكون الطير عن يمينهم، في محاولة ذكية لخداع القدر!

* كما ارتبط الغراب عندهم بالشؤم إذ رأوه مشتقاً من الغربة والاغتراب، ولأنّ نعيبه تقارن كثيراً ما برحيل القوافل، فلقّبوه بـ "غراب البين" يعني غراب الفراق.

* وأهل الصين يتشائمون من الرقم أربعة، إذ يعتبرونه ملك الشؤم والنحس، ولذا لا يوجد في كثير من فنادقهم رقم طابق 4، واليوم الرابع من الشهر يعتبرونه مشؤوماً.

* أمّا الإيطاليون فيعتبرون رقم 17 مشؤوماً.

* أمّا الغربيون فيعتبرون الرقم 13 مشؤوماً، حتّى إنّه في القرن التاسع عشر، كان الفرنسيّون يتطيّرون من جلوس 13 شخصاً على طاولة الطعام، وقد ظهرت مهنة طريفة تُسمّى "Quatorzième" (الرابع عشر)، وهو شخص "محترف" يعرف الآداب والرسوم والإتكيتات يتمّ استئجاره ليكون الضيف رقم 14 لكسر النحس! وهو يذكرنا بالمحلِّل لمن طلق زوجته ثلاثاً!

* وفي إنجلترا: المرور تحت السلم كان يعد شؤماً، ويعود ذلك إلى العصور الوسطى؛ وذلك لأنّ السلم المستند إلى الحائط يُشكّل مثلّثاً، والمثلّث عند بعضهم رمز مقدّس، فكان المرور داخله يعتبر كسراً له و"جالباً اللعنة".

* وكان من مصاديق الشؤم عند كثير من الناس القطّ الأسود، فكان العرب مثلاً إذا أرادوا سفراً فرأوا قطّاً أسود انصرفوا عن سفرهم.

* وبعض الناس يعتبر كسر المرآة شؤماً على الشخص أو المنزل.

* ومن أمثلة الأيّام المشؤومة عند الناس يوم الأربعاء، وهكذا.

ومن ألوان وَهْمِ السعد:

* حكّة اليد ورفّة العين: ومن المعتقدات الشعبية: "إذا حكّتك يدك اليمنى ستقبض مالاً، وإذا رفّت عينك اليمنى ستسمع خبراً سعيداً"!.

* ومن الألوان الطريفة للبركة الأغنام في مقابل الكلاب، فعلى الرغم من أنّ الكلاب تلد في كلّ بطن 5 إلى 10 من الجِراء، وأنّ الغنم لا تلد إلّا واحداً أو اثنين، إلّا أنّ الغريب أنّ أعداد الأغنام في العالم تفوق أعداد الكلاب بكثير، على الرغم من أنّ الأغنام تُذبح سنويّاً بعشرات الملايين كي تؤكل، ولكن مع ذلك فإنّ أعداد الغنم تزيد على المليار بكثير، وأعداد الكلاب تنقص عن المليار بكثير!

وحسب إحصاء منظّمة الفاو فإنّ أعداد الأغنام في العالم يقارب المليار ومائتين وستّين مليوناً، أمّا أعداد الكلاب فلا يوجد رقم دقيق لها، ولكن خمّن بعض الخبراء أعدادهم بـ 700 مليون، وزاد بعض حتّى أوصله إلى 900 مليون.

والغريب أنّ المعادلة في أمريكا خاصّة متعاكسة، فالأغنام قليلة جدّاً، والكلاب كثيرة جدّاً[5].

عوامل البركة الغيبية والمادية

والآن لننطلق إلى استعراض بعض عوامل البركة المادّية والغيبية.

من أهم عوامل البركة الدعاء للإمام المهدي والصدقة عنه وتذكير الناس به

فمن عوامل البركة الغيبية الدعاء للإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والتصدّق عنه، والتذكير به، وتعليم الناس رواياته وأدعيته وتسبيحاته، والبدء في كلّ مشروع أو تدريس أو تدرّس أو عمل أو كسب باسمه المبارك صلوات عليه وعلى أجداده الطاهرين، فإنّه كريم بل سيّد الكرماء، و(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ)[6]، وإذا أنك أكرمت كريماً بمقاييسنا فإنّه يعطيك بحسب حجمه وحجم كرمه، فما بالك بكريم الكرماء! وسنفصّل هذا بعد الإشارة إلى البركة في عصره صلوات الله عليه، ثمّ نرجع إلى كيف نحرز البركة في زمن الغيبة بسببه، إذ (بِيُمْنِهِ رُزِقَ الْوَرَى وَبِوُجُودِهِ ثَبَتَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ)[7].

من ملامح من البركة المذهلة في عصره (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

ولنبدأ ببعض ما ذكره علماء العامّة:

قال ابن قيّم الجوزية في كتاب الداء والدواء: (ولـمّا يُطهِّر الله سبحانه الأرض من الظلمة والفجرة والخونة، ويُخرج عبداً من عباده من أهل بيت نبيّه صلى الله عليه و(آله و) سلم، فيملأ الأرض قسطاً كما مُلئت جوراً، ويقتل المسيحُ اليهودَ والنصارى، ويُقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، تُخرج الأرض بركتها، وتعود كما كانت، حتّى إنّ العصابة من الناس ليأكلون الرمّانة، ويستظلون بقِحْفِها، ويكون العنقود من العنب وِقْرَ بعير، وإنّ اللَّقحة لتكفي الفئام من الناس. وهذا لأنّ الأرض لـمّا طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر)[8].

وكتاب الداء والدواء اسمه الآخر (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وابن قيّم الجوزية المتوفّى 751 يُعدّ من أعلام السلفية، وكان قد تتلمذ على ابن تيمية حوالي 19 عاماً:

أ- فلاحظ قوله (حتّى إنّ العصابة من الناس ليأكلون الرمّانة، ويستظلون بقِحْفِها)، فالرمانة الواحدة يأكلها جماعة من الناس، فكم يبلغ حجمها؟ خاصة وأنهم بعد ذلك يستظلون بقحفها، والقحف هو القشر، فكم تبلغ ضخامتها حتى يستظل جمع من الناس بقشرتها!، وذلك في عهد الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) المليء بالعجائب، ليس بعجيب، فإنّه إذا فسّرناه غيبياً فالأمر سهل، على أنّه يمكن تفسيره ظاهرياً، بأنّ الأرض إذا كانت خصبة جدّاً، والمياه طيّبة، ولم تكن الأجواء ملوّثة، ولا كانت الأوبئة والحشرات الضارّة منتشرة، ببركة حسن التدبير والسياسة، وكان السماد طبيعيّاً... إلخ، فإنّ من الممكن تضاعف حجم الفواكه، خاصّة إذا كانت طرق زراعتها ورعايتها متطوّرة، وخاصّة إذا استُخدمت فنون مميّزة في زراعتها.

وللتقريب إلى الذهن وعلى سبيل المثال ينقل أحدهم أنّه وجد في سوق دولة معيّنة (قبل 90 عاماً) برتقالاً بحجم الدابوعة[9] وأكبر، يزن سبعة كيلوات وأكثر، ولمـّا اشتراه ومن معه ووجدوه لذيذاً جدّاً، انطلقوا إلى بعض أهل الخبرة من المزارعين، فسألوهم عن السرّ، فقال: إنّنا نحفر الأرض على عمق عشرين متراً، ثمّ نزرع بذور البرتقال هناك، وكلّما ارتفعت رؤوسها عن سطح الأرض طممنا الأرض حولها بالتراب، حتّى تضطرّ لتصعد أكثر فأكثر، وهكذا نستمرّ، والفسيلة تزداد جذورها في طبقات الأرض طبقة بعد طبقة، حتّى نصل بها إلى سطح الأرض، وهكذا تكون شجرة البرتقال متينة جدّاً، كبيرة جدّاً، وتنتج ما رأيتم، إذ إنّ جذورها صارت كثيرة جدّاً وبطبقات متعدّدة على طول جذعها الذي طال ومتن تحت سطح الأرض، ومن الواضح أنّ الجذور تمتصّ المعادن والمياه وشبهها، فتكون الثمرة كذلك أقوى وأكبر وأشهى وألذّ.

ب- وقوله (ويكون العنقود من العنب وِقْرَ بعير)، ووقر بعير يعني حمله!

ج- وأنّ اللقحة – اللِّقحة بكسر اللام تعني المرأة المرضعة، وأمّا اللَّقحة بفتحها فتعني الناقة الحلوب الغزيرة اللبن، لكنّ الفرق أنها في زمنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) تكون من الضخامة والجسامة والقوة والصحة والعطاء، بحيث أنّ لبنها يكفي لريّ الفئام من الناس، والفئام تعني الجماعات من الناس!

وفي لسان العرب: (الفِئام: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ)[10].

ومن الاستطراد الضروري أن ننقل ما ذكره العالم السلفي المعروف الألباني، وهو أحد أهم علمائهم المعاصرين المتوفى 1420 (وأكاد أقطع أن كل من أنكر عقيدة المهدي ينكرها أيضاً، وبعضهم يظهر ذلك من فلتات لسانه، وإن كان لا يبين.

وما مثل هؤلاء المنكرين جميعاً عندي إلا كما لو أنكر رجل ألوهية الله عز وجل بدعوى أنه ادعاها بعض الفراعنة!)[11].

وأما في كتب علماء الخاصة:

فعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إِنَّ قَائِمَنَا إِذَا قَامَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها، وَاسْتَغْنَى الْعِبَادُ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَذَهَبَتِ الظُّلْمَةُ،

وَيُعَمَّرُ الرَّجُلُ فِي مُلْكِهِ حَتَّى يُولَدَ لَهُ أَلْفُ ذَكَرٍ لَا يُولَدُ فِيهِمْ أُنْثَى،

وَتُظْهِرُ الْأَرْضُ كُنُوزَهَا حَتَّى يَرَاهَا النَّاسُ عَلَى وَجْهِهَا،

وَيَطْلُبُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ مَنْ يَصِلُهُ بِمَالِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاتَهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ، اسْتَغْنَى النَّاسُ بِمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه)[12].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (... وَآخِرُهُمُ اسْمُهُ اسْمِي يَخْرُجُ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، يَأْتِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَالُ كُدْسٌ، فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي، فَيَقُولُ خُذْ)[13].

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف): (الْمَهْدِيُّ يَكُونُ فِي أُمَّتِي... تُنَعَّمُ أُمَّتِي فِي زَمَانِهِ نَعِيماً لَمْ يُنَعَّمُوا مِثْلَهُ قَطُّ، الْبَرُّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرُ، يُرْسَلُ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً، وَلَا تَحْبِسُ الْأَرْضُ شَيْئاً مِنْ نَبَاتِهَا، وَالْمَالُ كُدُوسٌ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُهُ فَيَحْثِي لَه‏)[14].

عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إِذَا قَامَ قَائِمُ أَهْلِ الْبَيْتِ قَسَمَ بِالسَّوِيَّةِ وَعَدَلَ فِي الرَّعِيَّةِ... وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِهَا، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا إِلَى مَا قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدِّمَاءَ الْحَرَامَ، وَرَكِبْتُمْ فِيهِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُعْطِي شَيْئاً لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً وَنُوراً، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً وَشَرّاً)[15].

والبركة لا تقتصر على الأموال فقط بل تشمل العقول أيضاً:

وعن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ، وَكَمَلَتْ بِهِ أَحْلَامُهُمْ)[16].

وكمال العقل يؤدي بالضرورة إلى حسن إدارة الموارد واستقرار الرزق وسعادة الحياة.

من أروع قصص بركته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر الغيبة

فهذا بعض الكلام عن عصر الظهور المبارك، وأمَّا في زمان الغيبة فإنَّ البركة كلَّ البركة تكون، كما سبق، في إمام زماننا (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وفي دعائنا له، وفي الصدقة عنه، وفي ذكره في السِرّ والعَلَن والخلأ والملأ وفي تربية الناس على حبِّه ومعرفته.

وفي القصة التالية عبرة من أكبر العبر وشاهد من أقوى الشواهد:

فقد نقل لي أحد المبلِّغين، وهو أستاذ جامعي مرموق لكنَّه في الوقت نفسه مبلِّغ وداعية، أنَّه كان يعيش في بومباي في الهند، لمدة سنين، ثمَّ هاجر إلى أمريكا وبقي فيها حوالي عشرين سنة ثمَّ رجع إلى بلده الأم.. (وكان قد زارني في النجف الأشرف قبل سنة تقريباً ونقل لي القصة).

يقول: فترة وجودي في بومباي فكرت بعمل نوعي مميز للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقررت أن أختار 20 طفلاً من عوائل الفقراء شديدي الفقر في أعمار المراهقة (10-12 سنة أو أكثر) فاخترتهم من عوائل متعددة، وخصصت لهم أسبوعياً جلسة دوَّارة في بيوت أحدهم، ورغم أنَّ بيوتهم كانت من الصفيح ونحوه حتى تبدو كأعشاش، إلَّا أنَّ البرنامج احتضنته بيوتهم رغم أنَّ البيت كان يضيق بهذا العدد نظراً لصغره الشديد.. واستمررت في تدريسهم الأخبار والروايات المهدوية ثلاثة سنين، وأوصيتهم أن يتعلَّموا جيداً كي يؤسّس كل منهم صفاً تربوياً للأطفال الأصغر منه سِناً، وهكذا كان.. ثمَّ عندما سافرت إلى أمريكا انقطعت أخبارهم عني.

يقول: بعد عشرين عاماً قررت زيارة الهند لأسباب عديدة منها زيارة أولئك الطلبة الذين أجهل الآن أحوالهم تماماً..

يقول: فاتصلت بأكبرهم، وكنت محتفظاً برقمه، فقلت له إنني أرغب في دعوة أولئك الطلاب على مأدبة فاخرة جداً في أرقى فندق في بومباي تكريماً لهم، فاحجز لي جناحاً في اليوم الكذائي وادعهم جميعاً..

يقول: وعندما سافرت للهند وحلَّ اليوم المعيّن ذهبت إلى الفندق وكان خمسة نجوم، قبل الموعد بساعتين، مثلاً، لكنني فجأة قلقت من أنَّ حارس بوابة الفندق قد يمنعهم من الدخول نظراً لأنّ عهدي بهم أنّهم فقراء جداً وأنَّ ملابسهم رثَّة ومظهرهم مظهر مساكين (والمسكين أسوأ حالاً من الفقير) لذا ذهبت إلى حارس البوابة، وإلى قسم الاستقبال أيضاً وأوضحت لهم أنَّ ضيوفي هم مجموعة فقراء فلا تمنعوهم.. ثمَّ جلست، من باب الاحتياط، على كرسي بحيث أراقب الوضع لأنه يحتمل أنه إذا دخل أحد الفقراء فربما يمنعه البوَّاب فأسارع بالتدخل، هذا ما كنت أتوقعه.

يقول: لكنني فوجئت جداً إذ توقَّفت سيارة فاخرة أمام الباب وأخرى وثالثة ثمَّ رابعة.. وخرج منها شباب أثرياء جداً بعمر الثلاثين وأكثر، بملابس فاخرة وساعات فاخرة.. تعجبت منهم وإذا بهم واحداً واحداً يذكرون اسمي وأنهم ضيوفي.. وهنا أصبت بالصدمة، كل أولئك الفقراء بل البؤساء تحوَّلوا إلى أغنياء من الطبقة الراقية في خضم 20 عاماً.. كل ذلك ببركة الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والتوسُّل به وذكره واهتمامهم بهذا الأمر؛ كيف لا و(بِيُمْنِهِ رُزِقَ الْوَرَى وَبِوُجُودِهِ ثَبَتَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ) إذ هو وسيط الفيض الإلهي.

فذلك غيبياً واضح مبرهن، وأمَّا سيكولوجياً فالأمر كذلك إذ أنَّ من يتعلَّق بأمل الكون وبأعظم شخصية في العالم ويتزوَّد منه فإنَّ روحه تقوى وعزيمته تتضاعف، وإذا قويت الروح صنعت العجائب، وفي الرواية: (مَا ضَعُفَ بَدَنٌ عَمَّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ)[17]، و(مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَه‏)[18]، و(مَا رَفَعَ امْرَأً كَهِمَّتِهِ وَلَا وَضَعَهُ كَشَهْوَتِهِ)[19]

من عوامل البركة المادية: السعي

فذلك كله عن أحد العوامل الغيبية، ولننتقل الآن إلى أحد العوامل المادية:

فإنّه لا يكفي التمسك بالغيبيات، بل كما قال (صلى الله عليه وآله): (اعْقِلْ وَتَوَكَّل‏)[20]، و(أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ، فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً)[21]، وقال تعالى من قبل: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً)[22].

وإلى ذلك تشير الروايات التالية[23]:

روايات طريفة عن موقع السعي والدعاء

فعن أيوب أخي أديم بيّاع الهروي قال: (كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِذْ أَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ كَامِلٍ فَجَلَسَ قُدَّامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي فِي دَعَةٍ، فَقَالَ: لَا أَدْعُو لَكَ، اطْلُبْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)[24].

وأكثر طرافة منها: ما ورد عن كليب الصيداوي قال: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): ادْعُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِي فِي الرِّزْقِ فَقَدِ الْتَاثَتْ عَلَيَّ أُمُورِي، فَأَجَابَنِي مُسْرِعاً: لَا، اخْرُجْ فَاطْلُبْ)[25].

ولعل السبب في رفضه إلى الدعاء لهما، أنه يبدو أنَّهما كانا يتكلّان حينئذٍ على دعائه (عليه السلام) (لأن دعاء الإمام مستجاب)، ويكسلان عن الطلب، وذلك خلاف سنة الله في الكون، بل عليك، مثلاً، أن تراجع الطبيب، وأن تدعوا بالشفاء معاً، لا هذا وحده، ولا ذاك وحده.

بعبارة أخرى: لعل الإمام (عليه السلام) قاله له: (لَا أَدْعُو لَكَ) لأنّه (عليه السلام) علم أنّه لو دعا له، لَرَكَنَ إليه واكتفى به وتَرَكَ الطلب؛ إذ كان سيقول: قد دعا لي الإمام (عليه السلام) ودعاؤه حتماً مستجاب! مع أنّ الشرط في استجابته، عادةً، هو العمل والطلب كما قال تعالى (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً)[26] (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ)[27] ومن الواضح انّ للائمة والأنبياء الدعاء المستجاب حتى بدون تسبيب الأسباب، لكنهم (عليهم السلام) لا يقومون بخرق النواميس الطبيعية إلا استثناءً، وإلا لما كانت الدنيا هي الدنيا ولما كانت دارَ ابتلاءٍ وامتحانٍ وكدٍّ وكدحٍ وسعيٍ ونَصَبْ قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في‏ كَبَدٍ)[28] وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)[29].

وعن أبان، عن العلاء قال: (سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ النَّمْلَةِ، فَإِنَّ النَّمْلَةَ تَجُرُّ إِلَى جُحْرِهَا)[30] ولعله يتضمن إشارة إلى أنّ قوانين (السعي) عامة للإنسان والحيوان[31] كما لا يستثنى منها برّ ولا فاجر، وقال تعالى: (وَأَن لَّيسَ لِلْإنسان إلاّ مَا سَعَى * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏)[32].

وعن الإمام جعفر (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): إِذَا أَعْسَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَخْرُجْ وَلَا يَغُمَّ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ)[33] ولم يقل (صلى الله عليه وآله): (إذا أعسر أحدكم فليكتف بالدعاء والتضرع)![34].

وقوله (فليخرج) لأن الرجل إذا بقي في المنزل دوماً أصابته الكآبة عادةً، خاصة إذا كان عاطلاً، كما انه عادة سيتشاجر مع أهله كثيراً وربما أحياناً لاتفقه الأمور لذا لزم أن يخرج ويبحث عن الرزق وعن العمل.

وأما ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ)[35] فالمراد به (أي: إذا طلبه كما يطلب الطير الرزق فيرزق)[36] أي كما ان الطير يُرزق مع طلبه لا بدون الطلب، فكذلك أنتم.

ثم أنّ المقياس العام في طلب الرزق والحدود العامة للإنتاج والاستثمار، هو ما أشارت إليه الروايات الآتية:

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لِيَكُنْ طَلَبُكَ لِلْمَعِيشَةِ فَوْقَ كَسْبِ الْمُضَيِّعِ وَدُونَ طَلَبِ الْحَرِيصِ الرَّاضِي بِدُنْيَاهُ الْمُطْمَئِنِّ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ أَنْزِلْ نَفْسَكَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْصِفِ الْمُتَعَفِّفِ تَرْفَعُ نَفْسَكَ عَنْ مَنْزِلَةِ الْوَاهِنِ الضَّعِيفِ وَتَكْتَسِبُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، إِنَّ الَّذِينَ أُعْطُوا الْمَالَ ثُمَّ لَمْ يَشْكُرُوا لَا مَالَ لَهُمْ)[37]، وبذلك يكسب البركة من دون أية مضاعفات سلبية.

الخاتمة: تطرّق البحث إلى دراسة ظاهرة النحس والشؤم، وفي المقابل اليُمن والبركة والسعد، وذهب إلى التفصيل بأن بعض المفردات هي كذلك وبعضها لا، مستعرضاً الأسباب الغيبية والظاهرية الكامنة وراء البركة، التي نوّعها البحث إلى بركة في الأعمار والأوقات والأولاد وفي الجسم والمال والعلم والعمل والمشاريع والمؤسسات وغيرها مستشهداً بشواهد طريفة من عوامل الشؤم لدى الشعوب المختلفة، منوّهاً إلى أنّ الدعاء للإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والصدقة عنه وتعريف الناس به يعدّ من أهم عوامل البركة الإلهية، مستشهداً بقصة طريفة معاصرة عن فقراء تحولوا إلى أغنياء ببركته، مستعرضاً ضمنها بعض مظاهر البركة المذهلة في عصر الغيبة، ناقلاً لها من كتب علماء العامة ثم الخاصة، ليختم بالكلام عن أنّ البركة لا يصح الاقتصار فيها على العوامل الغيبية بل الواجب شَفْع عوامل الغيب بعوامل الشهود والأسباب الطبيعية أيضاً، ناقلاً روايات قلما سمعها الناس.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

..............................................

[1] سورة المؤمنون: 29.

[2] سورة مريم: 31.

[3] سورة القمر: 19.

[4] سورة فصلت: 16.

[5] قدرت الكلاب في أمريكا ما بين 60 – 80 مليوناً وقدّر بعضهم الأغنام فيها بـ 5 ملايين (ولكنه بحاجة للتحقيق).

[6] سورة الرحمن: 60.

[7] زاد المعاد ـ مفتاح الجنان: 423.

[8] ابن قيم الجوزية، الداء والدواء، دار عالم الفوائد: ص161-162.

[9] الجِحّ أو الرقيّ.

[10] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر ـ بيروت: ج12 ص448.

[11] ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض: ج4 ص43، ح1529.

[12] الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، دار المفيد ـ قم، ج2 ص381، وإعلام الورى: 434، و صدره في غيبة الطوسيّ: 467/ 484، و نقله العلّامة المجلسي في‏ البحار 52: 337/ ذيل الحديث 77.

[13] الغيبة للنعماني، مكتبة الصدوق ـ طهران: ص93.

[14] روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، منشورات الرضي ـ قم: ج2 ص485.

[15] علل الشرائع، ص 161، النعماني، الغيبة، ص 237. عقد الدرر، ص 39. بحار الأنوار، ج 52، ص 390. إثبات الهداة، ج 3، ص 497.

[16] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1 ص25.

[17] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج4 ص400.

[18] نهج البلاغة: الحكمة 386.

[19] عيون الحكم والمواعظ (لليثي)، ص484.

[20] ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) للنشر ـ قم: ج1 ص75.

[21] ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1 ص183.

[22] سورة الكهف: آية 89.

[23] يراجع بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن، ج3 ص400-402.

[24] ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص78.

[25] ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص79.

[26] سورة الكهف: آية 89.

[27] سورة المائدة: آية 35.

[28] سورة البلد: آية 4.

[29] سورة الأنفال: آية 60.

[30] ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص79.

[31] علّق بعض العلماء بـ(ثم إن الظاهر أن المقصود من التمثيل هو أن لا تكن أعجز من النملة لا أن المراد بيان جريان قانون السعي في الحيوانات) أقول: ذلك ظاهر؛ فانه المنطوق، والكلام في عدم استبعاد ان يكشف قوله (عليه السلام) هذا عن ان قوانين السعي عامة للإنسان والحيوان، بدلالة الاقتضاء، إذ لولا هذا الجامع (عمومية قوانين السعي) لما صح التقريع بـ(أَيَعْجِزُ...). فتأمل.

[32] سورة النجم: الآية 39-40.

[33] الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج6 ص329.

[34] علّق هنا بعض العلماء بـ( (إِذَا أَعْسَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَخْرُجْ...) الظاهر أن المقصود بيان أن بقائه في البيت موجب لأنّ يغمّ أهله، ليأسهم عن كسبه المال حينئذٍ من جهة، ومن جهة نقنقته عليهم ونزاعه معهم وسلبه راحتهم من جهة أخرى، فالرواية أعم من الخروج إلى طلب الرزق أو الخروج إلى غرض آخر كزيارة صديق أو تنزه أو عبادة / نعم عمومه أو إطلاقه يشمل الخروج لطلب الرزق لكنه غير مقصود بالذات ظاهراً).

أقول: قد يقال: ان (ليخرج) ظاهر في الخروج لطلب الرزق بقرينة الرواية السابقة (اخْرُجْ فَاطْلُبْ) ونظائرها ولأنه الذي به ينتفي منشأ العسر ولا أقل من كونه أكمل الأفراد فإذا انصرف اللفظ إليه، على مبنى الانصراف للأكمل*، فهو، وإلا كفى الإطلاق وافياً بالمقصود في المقام.

* أوضحنا في بحث الانصراف أن له مناشئ سبعة، احدها كون بعض الحصص أكمل، ولكنه بدوي. فتأمل.

[35] مستدرك الوسائل: ج13 ص32 ب10 ح18، عن لب اللباب (مخطوط).

[36] السيد محمد الحسيني الشيرازي، المال أخذاً وعطاءً وصرفاً، دار العلوم للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت: ص219.

[37] ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص81.

اضف تعليق