كل إنسان، مرشح لأن يتحول إلى وحش ضار، كما هو مرشح لأن يتحول إلى قِدّيس، وذلك يعود إلى أنّ الله تعالى أودع داخل كل إنسان جيشين: جيشاً يتألف من جنود العقل، وجيشاً يتألف من جنود الجهل، وأنّ الإنسان بسلوكه اليومي يغذي أفراد هذا الجيش أو ذاك، ويقويه، أو يتأرجح...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)[1]، و(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)[2].
المقدمة: الحياة سلسلة من المعارك بين قوى الخير وقوى الشر لا الخارجية فقط بل والداخلية أيضاً، ولذلك فإن كل إنسان مرشح لأن يتحول إلى وحش شرير إذا ما تغلب عليه جيش جنود الجهل، وإنما يتغلب عليه هذا الجيش إذا غذّاه باستمرار لأن هناك علاقة تداؤبية بين (الممارسة والسلوك).
ويؤكد البحث خطورة أن يتحول كل واحد منا إلى قراقوش، ذلك الحاكم القاسي المستبد غريب الأطوار، في لحظة واحدة، وإن كان بمقاس أصغر، ويضرب البحث أمثلة تصويرية رائعة لموقع جنود العقل وجنود الجهل من الإنسان، ليتطرق بعدها إلى أحد جنود العقل وهو التواضع وأحد جنود الجهل وهو التكبر موضحاً كيف أن كلّاً منهما يدفع بصاحبه نحو أن يصبح شريراً أو أن يصبح قديساً، مستعرضاً وصية الإمام الباقر (عليه السلام) الرائعة لعمر بن عبد العزيز، ليختم بأن الأشهر الثلاثة رجب وشعبان وشهر رمضان، توفّر الدعم والإسناد الكبير لجنود العقل بما توفره من أجواء روحانية وبما تحتضنه من أدعية ومناجاة تمتلك أكبر الشحنات المعنوية – السماوية.
وفي الحديث الشريف (بِالْعَقْلِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْحِكْمَةِ، وَبِالْحِكْمَةِ اسْتُخْرِجَ غَوْرُ الْعَقْلِ)[3]، وهناك علاقة تداؤبية بينها، إذ كما للعقل أغوار وبطون وأعماق، فكذلك للحكمة، فبالعقل والتفكّر تُستكشف بعض أغوار الحكمة، وبالحكمة والتدبّر والتبصّر نستخرج بعض ما يستبطنه العقل، لأنّ له سطحاً وبواطن وأعماقاً، ولعلّنا نفصّل ذلك في بحث لاحق، ويمكن في (اسْتُخْرِجَ) أن تُقرأ مبنياً للمجهول فالجملة خبرية، أو للمعلوم فالجملة إنشائية.
والبحث يدول حول جنود العقل وجنود الجهل ودور جنود كل منهما في حسم الحرب الفاصلة الكبرى مع إبليس وفي تسجيل نقاط النصر في المعارك اللامحدودة الصغرى والوسطى مع شياطينه.
وذلك ضمن فصول:
1- كل إنسان مرشح لأن يتحول إلى وحش كاسر
الفصل الأوّل: إنّ كلّ إنسان مرشّح، في كلّ آن من آنات حياته، لكي يتحوّل إلى وحش كاسر وذئب فاتك وضبع غادر، أو أن يتحوّل إلى عبد قِنّ لأهوائه وشهواته، خاضع لها أسير حقير ذليل يرتع حيث الشهوات والشبهات والمحرّمات، وفي أحسن الفروض هو مرشّح لكي يتحوّل إلى بهيمة مربوطة كما وصفها أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ)[4].
والمشكلة في غفلة الإنسان عادة عن هذا الخطير الكبير
والمشكلة بل المأساة أنّ الإنسان يغفل عادة عن هذه المعادلة، وأنّه قد يتحوّل في ثانية واحدة، وفي منعطف خطير، إلى وحش، كصدّام أو هتلر أو الحجّاج أو فرعون، ولكن في مقاس أصغر، فهذا هو الفارق: أنّ ذاك وجد بحراً يسبح فيه من القوّة والسلطة والعُدّة والعِدّة فقتل الألوف وعذّب الألوف، وأحدنا قد لا يمتلك إلّا ذرّة من السلطة والقوّة، لكنّه بقدرها يتحوّل إلى طاغوت ظالم ومعتدٍ آثم، على زوجته أو أولاده أو موظّفيه أو مرؤوسيه أو تلامذته، ولو أنّ سلطته توسّعت وازدادت لتكرست دكتاتوريته وتزايدت.
فما هو الفارق الحقيقي بين من يستضعف زوجته فيضربها، وبين من يستضعف شعبه فيقمعه! أي أنه لا فارق إلّا أنّ هذا امتلك سلطة أكبر فطغى مغطّياً بطغيانه حدود سلطته، وذاك امتلك سلطة أقلّ فطغى في حدود سلطته...
فليكن هذا نذيراً لنا أن لا نظلم أحداً حتّى الظلم اليسير، فإنّ من تجرّأ على الظلم اليسير يتجرّأ على الظلم الخطير، فكيف بمن اعتاد على الظلم في حدود سلطاته؟ وكيف يتصوّر أنّه سيقوم بانقلاب جوهري على ذاته لو صار رئيس الوزراء مثلاً، ويصبح عادلاً فجأة؟ إنّ ذلك لهو المحال فهو العادي بعينه، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) روايات يستفاد منها ما مضمونه (إذا أردت أن تنظر إلى مستقبل الدنيا فانظر إلى ماضيها)[5]، وكذلك ماضي الأفراد فإنّه مرآة مستقبلهم، إلّا من استعصم بالله وجاهد نفسه أشدّ الجهاد وأقلع عن الظلم اليسير كي يحفظه الربّ الجليل عن الظلم الخطير.
وكما سبق، فإنّ المشكلة هي في غفلتنا عادةً عن تلك الحقيقة الصارخة، وهي أنّ كل واحدٍ منّا مرشّح لأن يتحوّل، في أيّة مرحلةٍ من مراحل حياته، إلى وحشٍ كاسر، ولذلك فإنّ من التفت، بل كان شديد الالتفات، يحتاط ويحذر بل ويشتدّ حذره، لكنّ الغافل لا.
إنّ مَثَلَنا في مواجهة هذا الخطر المترصد بنا دوماً، كمثل قومٍ ساروا في صحراء موحشة، حتى إذا أوشكت الشمس على المغيب، نصبوا خيمةً بأرضٍ مليئةٍ بالعقارب والأفاعي والحيات، ولم يكن لهم من دونها من واقٍ، فإنّهم إذا أرادوا النوم، أبقوا أحدهم مستيقظاً حتى الصباح، ولو على سبيل البدل، كي يحرسهم من أيّ ثعبانٍ يتسلّل من الأطراف أو عقربٍ تخرج من خُلَل الرمال أو فروج الصخور، فإذا لم يفعلوا ذلك، عرّضوا أنفسهم جميعاً لأسوأ أنواع المخاطر.
والنفس الإنسانيّة أخطر على الإنسان من هذه العقارب والأفاعي، كما أنها أقرب إليه منها.. ولئن كانت العقارب قد تبتعد حيناً بل أحياناً، فإنّ النفس لا تبتعد أبداً بل هي ملازمة للمرء دوماً، وإذا كانت العقارب قد تنام، فإنّ النفس الأمّارة بالسوء لا تنام، ولئن كان من الممكن القضاء على عقارب الأرض المحيطة بالإنسان فرضاً، فإنّه لا يمكن القضاء على النفس الأمّارة بالسوء أصلاً، بل إنّها تبقى كما تبقى النفس الصالحة طوال حياته دوماً أبداً (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)[6] بل أنها تهدد حتى أعظم الأولياء حتى إنّ يوسف النبي يقول: (وَما أُبَرِّئُ نَفْسي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحيمٌ)[7].
قراقوش، جبّار بنسخ مختلفة
إذا عرفت ذلك فلننقل شطراً من قصص الطغاة والمستبدّين:
أولاً: لكي نعرف من قياس حالهم حال سائر المستبدّين، فلا يغرّنّا تظاهر هذا الحاكم المستبدّ أو ذاك بالصلاة والعبادة أو الزهد والمسكنة، فإنّ جوهر الاستبداد واحد واحد.
وثانياً: ولكي يكون عبرةً لنا كي نخشى على أنفسنا أكثر فأكثر فأكثر، ونقلع حتى عن أهون ألوان الظلم كي يعصمنا الله تعالى عن ألوانه الخطيرة إذا وصلنا إلى مواقع خطيرة... خاصةً وأنّ رجال الدين، (وكذا الأطباء والمحامون والصحفيون ونظائرهم.. لكنّ الأمر في رجال الدين أخطر) يحتلّون مواقع علميّة – روحانيّة، تكفل لهم إمكانيّة الصعود السريع والترقّي الكبير سواء في حقل السلطة أم الشهرة أم المال أم غير ذلك.. بل يكفي أنّ كل رجل دين مرشّح، إقتضاءً، ليكون مدير مؤسّسة ما من مدرسة أو مكتبة أو ميتم أو غيرهما، بل لأن يكون مستشاراً لوزير أو مدير أو مساعداً، بل وفي العديد من الدول ليكون نائباً أو وزيراً أو غير ذلك..
ويكفي ههنا أن نستشهد بقراقوش، الذي كان حاكماً مستبدّاً يُسمّى (الأمير بهاء الدين قراقوش)، وكان من أهمّ أركان دولة صلاح الدين الأيوبي، وكان قائداً عسكريّاً في بلاد الشام، ثم في مصر التي وصلها مع صعود الأيوبيّين وحكم صلاح الدين، وقد خدم صلاح الدين إلى أن وثق فيه واستطاع أن يصل إلى مكانة مرموقة وكان نائباً لصلاح الدين في شؤون الحكم، وقد نصبه حاكماً على (عكّا)، وكان معروفاً بقساوته وشدّته وعنفه، وقد كُتبت عنه وعن غلظته وقساوته العجيبة بل والمذهلة كتب متعدّدة، ومنها كتاب "الفاشوش في حكم قراقوش" لمؤلّفه الشهير ابن مماتي، والفاشوش لهجة مصريّة يراد بها "الفشوش" بالفصحى، والتي تعني الذي لا طائل تحته أو الهَذَر أو الهراء ونحوه.
قال بعضهم: (ويُقال إنّ قراقوش كان حسن المقاصد، إلا أنّه كان شديد الحكم ويأتي حكمه بطريقة غير تقليديّة، لترتبط صورته لدى العامّة بالأحكام الغريبة والمدهشة).
ولقد كان من الطبيعي أن يدافع الكثيرون عن قراقوش كدفاع الكثيرين عن صدّام ونحوه، لأنّ الحاكم الجائر له أبواق مأجورة كثيرة، ومن أعجب أنواع الدفاع عنه لتكذيب أخبار مثل الكتاب الآنف ما قاله بعضهم من (أنّ هذه القضايا لا يُعقل أن تصدر من شخصيّة عظيمة كان لها دور في بناء دولة صلاح الدين!) وهو مثل قول أحدهم أنّ ما يُنسب من أنواع الظلم إلى فرعون أو الحجّاج لا يُعقل أن يصدر منهما وهما اللذان عمّرا البلاد! وفعلا كذا وكذا!
ومن العجب أيضًا تكذيب مقدّم الكتاب الآنف لما ورد في الكتاب بقوله: (بأنّ ذلك كلّه من التبعة التي تقع على الأدباء، لأنّهم حاولوا بأدبهم تشويه التاريخ!) – وإليكم بعض قصصه حسب ذلك الكتاب:
قال للمزارعين: لماذا لم تزرعوا الصوف! ثم أمر بقتلهم!
* فلقد كان قراقوش يفرض الضرائب الباهظة على الناس، ككلّ حاكمٍ مستبدّ يسرق أموال الناس باسمٍ ملطّف هو الضريبة، وذات سنةٍ كان البرد شديداً فأضرّ بمزارع القطن حتى تلفت معظم المحاصيل، لكنّ الغريب، وليس من الحكّام الظلمة بغريب، أنّ قراقوش فرض على المزارعين نفس الضريبة الثقيلة التي كانت عليهم في الأعوام الماضية.
(أقول: وللتقريب إلى الذهن: لو كان وارد مجموع المزارع بالسنة مائة ألف دينار ذهبي، وكانت الضريبة مثلاً ثلاثين ألف دينار، فإذا انخفض الوارد هذه السنة إلى عشرين ألف دينار أو أقل، فهل يعقل أن تُبقي الحكومة الضريبة بنفس المقدار: ثلاثين ألف دينار! فهذا نوع من الضرائب الثابتة، ونوع آخر هو الضريبة بالنسبة، أي الثلث مثلاً، فإذا دفع المزارعون ثلث المائة ألف بقي لديهم ستّة وستّون ألفاً مثلاً تفي لشؤونهم، وربّما بصعوبة، لكن لو صار الوارد ثلاثين ألفاً ودفعوا الثلث عشرة آلاف، بقي لهم عشرون ألفاً، فكيف يعيشون؟ مع أنّه كان اللازم في هذه السنة أن تنفق الحكومة عليهم وتعوّضهم عن بعض خسائرهم، وعلى الأقل أن تصفّر الضريبة، لكن أيّ حكومة تفعل ذلك، إلا ما أمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر ونحوه).
وهنا أرسل المزارعون كبارهم إلى قراقوش ليطلبوا منه التخفيف، ولكنّ الجائر جائر، والظالم لا منطق له، فسألهم: وماذا تزرعون؟ قالوا: القطن! قال: أنتم مجرمون بحقّ الزراعة وبحقّ الحكومة؛ لماذا لم تزرعوا مع القطن الصوف(!) لتدفّئوا القطن به ولا يتلف أكثر، فكنتم أنتم السبب في أن تخسر خزائن الدولة ضرائب وافرة!! (والصوف لا يُزرع، بل يؤخذ من الحيوان، لكنّ الحاكم المستبد لا منطق له ولا خبرة ولا حكمة: يعاقبهم لأنهم لم يزرعوا الصوف، ولأنّهم لم يدفّئوا مزارع القطن بالصوف!) وهنا.. أمر الجلادين بقطع رؤوسهم كي يكونوا عبرة للآخرين!.
وسجن الدائن المظلوم، كي يكون عنوانه معروفاً!
ومن قصصه أيضاً: أنّه استدان شخص، ولعلّه كان من المقرّبين إلى قراقوش، مبلغاً من المال، إلى أجل، وعندما حلّ الأجل لم يسدّده إلى الدائن (صاحب الحق) وسوّف... وكلّما راجعه الدائن بين حينٍ وآخر سوّف، فشكى الدائن المظلوم ذلك المديون الظالم إلى قراقوش، فسأله قراقوش: لماذا لا تسدّد دينه؟ فقال: في الواقع إنّني أجمع الأموال وأكدّسها فترةً من الزمن، حتى إذا اكتملت وبلغت مبلغ الدين وأردت سداده، بحثت عن المديون لكنّني لم أكن أعثر عليه.. فتارةً هو مسافر، وأخرى مجهول المكان... وهكذا، ثم إنّني أضطر بعد ذلك لاستهلاك الأموال، فإذا نفدت جائني وطالبني!
فالتفت قراقوش إلى الدائن – المظلوم وقال له: يبدو أنّ المشكلة منك أنت حين تختفي كلّما أراد هذا الرجل سداد الدين... ثم أمر بأن يُسجن الدائن المظلوم، وعلّل ذلك بأنّه كي يكون مكانك معلوماً، حتى إذا جمع المديون الأموال الكاملة واكتملت (خلال سنة مثلاً) يعرف عنوانك وهو السجن، فيأتي إليك ويسلّمها لك!
وليست هذه قصصاً خياليّة.. بل إنّ الذي يستعرض سيرة الدكتاتوريّين يجد فيها ما هو أغرب من ذلك وأظلم، وأبسط مثال وأظهره أنّ الحكومات تفرض ضرائب على الناس، فإذا انخفض واردها من النفط مثلاً (لانخفاض أسعاره) زادوا الضريبة متعلّلين بنقصان وارد الحكومة.. ولكن في السنة القادمة إذا ارتفع سعر النفط حتى فاض عن الحدّ الطبيعي بكثير، تجد الحكومة تستمرّ في أخذ نفس الضرائب السابقة بنفس الحجم الكبير.. هذا إن لم تزد عليها، بدون تعليلٍ أحياناً وبتعليلٍ غريبٍ آخر أحياناً!.
2- والسبب وجود جيشين متصارعين داخل كل إنسان
والآن ننتقل إلى:
الفصل الثاني: ما هو السبب في ذلك كله؟، وكيف يمكن لإنسانٍ وديع أن يتحوّل فجأةً إلى وحشٍ كاسر، أو يتحوّل شخصٌ صالح إلى جبّارٍ ظالم؟
السبب في ذلك هو:
أولاً: أنّه يوجد في داخل كلّ إنسانٍ جيشان:
الجيش الأوّل: جيش منظّم، أمين، ذكي، زكي، بعيد النظر، صبور.
الجيش الثاني: جيش فوضوي، أهوج، صاخب، متسرّع، طائش، قصير النظر، عجول متسرّع.
والجيش الأوّل هو ما أسماه الإمام الصادق (عليه السلام) بـ (جنود العقل)، والجيش الثاني هو ما سمّاه (عليه السلام) (بجنود الجهل).
وأنّ مَثَل جنود الجهل كَمَثَلِ عصابةٍ لصوص سرقت كيساً من اللئالي والمجوهرات ونحوها، ثم ركبت سيارةً سرقتها أيضاً، وهي لا تعلم بأنّها بلا فرامل (مكابح)، ثم انطلقت بها بسرعةٍ في منحدرٍ جبليٍّ حاد، فتزايدت سرعتها متّجهةً نحو الهاوية السحيقة، وهم مع ذلك منشغلون في النزاع على الغنيمة، وكلٌّ يصارع صاحبه للحصول على سهمٍ أوفر.. هذا وأنياب الموت مسنونة لالتهامهم في أسرع من طرف البصر.
فهكذا نحن وغنائم الدنيا من مالٍ وجمالٍ وشهرةٍ ورياسةٍ وغيرها.. حيث تجد الكلّ مشغولين بصراعٍ بل صراعاتٍ لا محدودة على كلّ شيءٍ وفي كلّ وقت، هذا والموت قريبٌ قريب، وقد ورد: (إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى)[8].
أو مَثَلُنا كَمَثَلِ شخصٍ ضاع في صحراء، فأحاطت به عشرات الذئاب الجائعة مكشّرةً عن أنيابها الحادّة ومخالبها الطويلة لتمزّقه في لحظاتٍ معدودة وهو ساكن بل ومستأنس!، فهذا حالنا وحال جنود الجهل، حيث إنّها تحيط بنا من كلّ جانب.. وكلٌّ يسعى لنهش قطعةٍ من إيماننا أو أخلاقنا أو مروءتنا أو ضمائرنا.
وأننا نغذّي أحد الجيشين باستمرار
ثانياً: أنّ كلًّا منّا يُغذّي، باستمرار، هذا الجيش الظلماني وجنوده، فمن الطبيعي والحال هذه أن يقوى ويتغلّب على جنود العقل، فيتحوّل المرء إلى وحشٍ كاسر أو عبدٍ ذليل خاضعٍ لأهوائه وشهواته، وفي مقابل ذلك يقع من يُغذّي الجيش الآخر (جنود العقل)، فإنه من الطبيعي أن يزداد يوماً بعد يوم إيماناً وإخلاصاً وعطاءً وخيراً وبركةً.
العلاقة بين الممارسة والملكة
ومن الثابت أنّ هنالك علاقةً طردية بين (الممارسة) و(الملكة)، فإنّ الملكة (ملكة العدالة مثلاً أو ملكة الشجاعة) كلّما ازدادت قوّةً ازدادت جوارح الإنسان بُعداً عن المعاصي، وازدادت ممارسات الشجاع وحركاته وتصويباته دقّةً، وبالعكس، كلّما روّض جوارحه على تجنّب المعاصي ازدادت ملكة عدالته قوّةً، وكلّما تدرب أكثر وازدادت عضلاته قوّةً وحركاته سرعةً ازدادت ملكة شجاعته رسوخاً.. وكذلك في جانب الفسق ومعاصي الجوارح أو الجُبن وتصرفات الإنسان ومواقفه العمليّة في شتّى مراحل حياته.
ومن المعروف في الفقه أنّ الفقهاء اختلفوا في تعريف العدالة، فالمشهور ذهبوا إلى أنّها ملكة نفسانية تعصم الإنسان عن ارتكاب الكبيرة وعن الإصرار على الصغيرة، فالصغيرة الواحدة لا تفسدها، أي لا تُعدمها.
وفي مقابل المشهور قال بعض الفقهاء كالسيد حسن القمي والسيّد الخوئي (قدس سرهما): بأنّها عبارة عن الاستقامة على جادّة الشرع، فلو لم تعص جوارحه ولو لم يكن ذلك لأجل ملكة عاصمة، بل لأنّه مسجون في مكانٍ لا يمكنه المعصية فيه، أو لأنّه خائف من شخصٍ يهدّده إن ارتكب المعصية بالضرب المبرّح، فهو عادل عندهما وإن لم تكن له الملكة. وعلى أيّ، فإنّ هنالك بين المعنيين علاقةً تداؤبيّةً بنحو العلّة المعدّة، فكلٌّ منهما علّة معدّة للآخر.
والشاهد أنّ جنود العقل وجنود الجهل المودعة في داخل كلّ امرئ كجيشين، هما كالملكة وضدّها، تقوى بالممارسات اليوميّة وتضعف بأضدادها.
من جنود العقل التواضع ومن جنود إبليس التكبر
وقد أشرنا في البحث السابق إلى ثلاثة من جنود العقل وأضدادها من جنود الجهل، ونشير الآن إلى جنديٍّ آخر، وهو ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: (وَالتَّوَاضُعُ وَضِدَّهُ الْكِبْرَ)[9]، فإنّ الكِبر من جنود الجهل، والتواضع من جنود العقل، وقد ورد: (مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ)[10].
تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ --- على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكن كالدخان يرفع نفسَه --- إلى طبقات الجو وهو وضيعُ
والتواضع يزيد الإنسان عند الله تعالى منزلةً، وعند الناس عزّةً، وعند نفسه خشوعاً وطيبةً ووداعةً، عكس التكبر تماماً.
والإنسان يُغذّي كلًّا منهما باستمرار بأعماله وممارساته، وحتى بملابسه ومركوبه.. فإنّ من يركب سيارةً فارهةً هو أقرب لأن يتكبّر، ومن يلبس ملابس فاخرةً أدعى لأن يتكبّر، وكذلك إذا لبس ساعةً فاخرةً أو سكن في قصرٍ شامخ (وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا)[11]، عكس ما إذا لبس الإنسان دون شأنه وركب دون شأنه وسكن دون شأنه، فإنّه يستشعر التواضع حينئذٍ.
لا أقول: إنّ ذلك حرام، بل أقول إنّه أقرب لمكارم الأخلاق وتقوية جنود العقل، فإنّ من يلبس ملابس دون شأنه (مع كونها نظيفة طبعاً) أو يجلس دون الشرف من المجلس، وقد ورد أنّه من التواضع، يُدرّب نفسه بذلك على أن لا تطغى وأن لا تتبجّح وأن لا تستعلي على الآخرين بِعَرَضِ الحياة الدنيا.
بل نقول: إنّ من يشعر بعقدة نقص وحقارة نفس يحاول التعويض عن ذلك بالمظاهر والكبكبة والملابس والسيارات والألقاب وبحشدٍ يمشي خلفه، عكس من يمتلئ علماً وتقوى، فإنّه لا يحتاج إلى أيّ شيءٍ من ذلك، بل يزهد فيه كلّه.
وصية الإمام الباقر (ع) لعمر بن عبد العزيز: افتح الأبواب و...
وقد ورد في وصيّة الإمام الباقر (عليه السلام) لعمر بن عبد العزيز – الحاكم الأموي: (وَاتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَا عُمَرُ وَافْتَحِ الْأَبْوَابَ وَسَهِّلِ الْحِجَابَ وَانْصُرِ الْمَظْلُومَ وَرُدَّ الظَّالِمَ)[12]، ولعلّ التزام عمر بن عبد العزيز الظاهري بأوامر الإمام (عليه السلام) هي التي سبّبت له شهرة العدالة عند الناس، وإن كان واقعه أمراً آخر، إذ ورد: (فَيَبْكِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ وَيَلْعَنُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ)[13].
وبكلمة: إنّ كلّ واحدٍ منّا مرشّح كما سبق لأن يكون إمّا خطيباً مشهوراً أو أستاذاً قديراً أو مرجع تقليد أو حتى مدير حوزة أو عميد كلية.. وهنا يبرز دور جنود العقل والجهل، فإذا تواضع لله وللناس وفتح أبوابه لهم وسهّل الحجاب وفسح المجال للمنتقد وللسائل والمشير والمعاتب والطالب أن ينتقد أو يسأل أو يطلب أو يشير وشبه ذلك، كان أقرب إلى الله تعالى وإلى الناس، كما كان أكثر محبوبيّة، كما أنّه يكون أبعد عن الخطأ، إذ من يستمع إلى النقد دوماً يكون أبعد عن الإصرار على القبيح.
عكس من يُغلق الأبواب ويُغلّظ الحجاب، فإنّه حيث لا يستمع إلى الرأي الآخر على طول الخط، وحيث تعينه نفسه عليه، يُصاب بالعُجب، فيتوهم أنّ كلّ ما ارتآه صواب، وأنّ كلّ ما عداه سراب، وكثيراً ما يكون العكس هو المتحقّق دون شبهة أو شكّ أو ارتياب، وبذلك يخسر سمعته كما يخسر الوصول إلى كثيرٍ من الأهداف النبيلة، كما يخسر الآخرة ورضا الله تعالى.
ولقد نقل جمعٌ عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصيّته للسيّد ابن الحسن الأصفهاني بـ (اجلس في الدهليز وأرخص نفسك للناس فنحن ننصرك)، ومضمونها مطابق لرواية الإمام الباقر (عليه السلام) السابقة، فلا يهمّنا بعد ذلك التحقيق عن حالها مع وجود رواية واضحة صريحة في المقصود.
أشهر رجب، شعبان، رمضان، توفّر الإسناد لجنود العقل
الفصل الثالث: إنّ أشهر الرحمة: رجب، شعبان، وشهر رمضان، تتميّز فيما تتميّز به، بأنّها توفّر الدعم والإسناد لجنود العقل في مقابل جنود الجهل، وذلك بما تحتضنه من أجواء إيمانيّة وأدعية روحانيّة وزيارات للمشاهد المشرفة، كالعمرة الرجبية والزيارة الشعبانية وليالي القدر وغيرها.
ويكفي أن نختار الآن ثلاثة أدعية من أدعية الأشهر الثلاثة.
من أدعية شهر رجب
ففي شهر رجب نقرأ فيما نقرأ دعاء: (يَا مَنْ أَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَآمَنُ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ، يَا مَنْ يُعْطِي الْكَثِيرَ بِالْقَلِيلِ، يَا مَنْ يُعْطِي مَنْ سَأَلَهُ، يَا مَنْ يُعْطِي مَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تَحَنُّناً مِنْهُ وَرَحْمَةً، أَعْطِنِي بِمَسْأَلَتِي إِيَّاكَ جَمِيعَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَجَمِيعَ خَيْرِ الْآخِرَةِ، وَاصْرِفْ عَنِّي بِمَسْأَلَتِي إِيَّاكَ جَمِيعَ شَرِّ الدُّنْيَا وَشَرِّ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْقُوصٍ مَا أَعْطَيْتَ، وَزِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ يَا كَرِيمُ.
قَالَ: ثُمَّ مَدَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَدَهُ الْيُسْرَى فَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ وَدَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَهُوَ يَلُوذُ بِسَبَّابَتِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا ذَا النَّعْمَاءِ وَالْجُودِ، يَا ذَا الْمَنِّ وَالطَّوْلِ، حَرِّمْ شَيْبَتِي عَلَى النَّارِ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ لَمْ يَرْفَعْهَا إِلَّا وَقَدِ امْتَلَأَ ظَهْرُ كَفِّهِ دُمُوعاً)[14].
وكم يستشعر الإنسان من لذة عندما يقرأ هذا الدعاء، بل إنني وجدت العديد من الناس بعد مضي شهر رجب يحنّون إلى هذا الدعاء ويكررونه بلذة كبيرة.
من أدعية شهر شعبان
وفي شهر شعبان نقرأ فيما نقرأ الدعاء المعروف:
(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعِ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفِ الْمَلَائِكَةِ وَمَعْدِنِ الْعِلْمِ [والصدق] وَأَهْلِ بَيْتِ الْوَحْيِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الْفُلْكِ الْجَارِيَةِ فِي اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ، يَأْمَنُ مَنْ رَكِبَهَا وَيَغْرَقُ مَنْ تَرَكَهَا، الْمُتَقَدِّمُ لَهُمْ مَارِقٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهُمْ زَاهِقٌ، وَاللَّازِمُ لَهُمْ لَاحِقٌ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدِ الْكَهْفِ الْحَصِينِ، وَغِيَاثِ المضطرين والمساكين [الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَكِينِ]، وَمَلْجَإِ الْهَارِبِينَ، وَمُنْجِى الْخَائِفِينَ، وَعِصْمَةِ الْمُعْتَصِمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَاةً كَثِيرَةً طَيِّبَةً تَكُونُ لَهُمْ رِضًا، وَلِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَدَاءً وَقَضَاءً، بِحَوْلٍ مِنْكَ وَقُوَّةٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ حَقَّهُمْ وَفَرَضْتَ طَاعَتَهُمْ وَوَلَايَتَهُمْ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ وَاعْمُرْ قَلْبِي بِطَاعَتِكَ، وَلَا تُخْزِنِي بِمَعْصِيَتِكَ، وَارْزُقْنِي مُوَاسَاةَ مَنْ قَتَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِكَ بِمَا وَسَّعْتَ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَنَشَرْتَ عَلَيَّ مِنْ عَدْلِكَ، وَأَحْيَيْتَنِي تَحْتَ ظِلِّكَ.
وَهَذَا شَهْرُ نَبِيِّكَ سَيِّدِ رُسُلِكَ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، شَعْبَانُ الَّذِي حَفَفْتَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، الَّذِي كَانَ رَسُولُكَ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَدْأَبُ فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ فِي لَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ بُخُوعاً لَكَ فِي إِكْرَامِهِ وَإِعْظَامِهِ إِلَى مَحَلِّ حِمَامِهِ.
اللَّهُمَّ فَأَعِنَّا عَلَى الِاسْتِنَانِ بِسُنَّتِهِ فِيهِ، وَنَيْلِ الشَّفَاعَةِ لَدَيْهِ.
اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِي شَفِيعاً مُشَفَّعاً، وَطَرِيقاً إِلَيْكَ مَهْيَعاً، وَاجْعَلْنِي لَهُ مُتَّبِعاً حَتَّى أَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِّي رَاضِياً، وَعَنْ ذُنُوبِي غَاضِياً، وَقَدْ أَوْجَبْتَ لِي مِنْكَ الْكَرَامَةَ وَالرِّضْوَانَ، وَأَنْزَلْتَنِي دَارَ الْقَرَارِ وَمَحَلَّ الْأَخْيَار)[15].
والأدب التصويري مذهل في هذا الدعاء، وكم يستشعر المرء بتساميه إلى عوالم الطهر والنقاء وملكوت السماء، وكم تدغدغ هذه الفقرات ضميره ووجدانه، وكم تدفعه نحو الاستقامة والتأسي بسادات الكون، وهو يقرأ في صفتهم: (الْفُلْكِ الْجَارِيَةِ فِي اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ، يَأْمَنُ مَنْ رَكِبَهَا وَيَغْرَقُ مَنْ تَرَكَهَا، الْمُتَقَدِّمُ لَهُمْ مَارِقٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهُمْ زَاهِقٌ، وَاللَّازِمُ لَهُمْ لَاحِقٌ).
ثم يقرأ: (الْكَهْفِ الْحَصِينِ، وَغِيَاثِ المضطرين والمساكين [الْمُضْطَرِّ الْمُسْتَكِينِ]، وَمَلْجَإِ الْهَارِبِينَ، وَمُنْجِى الْخَائِفِينَ، وَعِصْمَةِ الْمُعْتَصِمِينَ).
والفلك عصمة في البحر، والكهف عصمة في البر.
من أدعية شهر رمضان
ثم تقرأ في أدعية شهر رمضان مثلاً في دعاء ابي حمزة الثمالي:
(إِلَهِي لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِي الْخَيْرُ يَا رَبِّ، وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ، وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ، لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلَا الَّذِي أَسَاءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، حَتَّى يَنْقَطِعَ النَّفَسُ، بك عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فِيُجِيبُنِي، وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئاً حِينَ يَدْعُونِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي، وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي، وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ، فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي)[16]
وتقرأ أيضاً: (اللَّهُمَّ أَدْخِلْ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ السُّرُورَ.
اللَّهُمَّ أَغْنِ كُلَّ فَقِيرٍ.
اللَّهُمَّ أَشْبِعْ كُلَّ جَائِعٍ.
اللَّهُمَّ اكْسُ كُلَّ عُرْيَانٍ.
اللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنَ كُلِّ مَدْيُونٍ [مَدِينٍ].
اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ.
اللَّهُمَّ رُدَّ كُلَّ غَرِيبٍ.
اللَّهُمَّ فُكَّ كُلَّ أَسِيرٍ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ كُلَّ فَاسِدٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اشْفِ كُلَّ مَرِيضٍ.
اللَّهُمَّ سُدَّ فَقْرَنَا بِغِنَاكَ.
اللَّهُمَّ غَيِّرْ سُوءَ حَالِنَا بِحُسْنِ حَالِكَ.
اللَّهُمَّ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[17].
وهي أدعية حافلة بأسمى معاني النبل والخير، وهي التي بمداومة الإنسان على قراءتها في هذه الأشهر الرحمانية تقوّي جنود العقل وتغذيها وتنميها، وتضعف جنود الجهل وتجفف جذورها وأصولها.
فذلك هو جزء من الدور الجوهري الذي تقوم به الأشهر الرحمانية، ولنا في قادم الأيام بحث آخر أوسع حول هذه الأشهر، بإذن الله تعالى.
الخاتمة: خلصنا إلى أن الإنسان، كل إنسان، مرشح لأن يتحول إلى وحش ضار، كما هو مرشح لأن يتحول إلى قِدّيس، وذلك يعود إلى أنّ الله تعالى أودع داخل كل إنسان جيشين: جيشاً يتألف من جنود العقل، وجيشاً يتألف من جنود الجهل، وأنّ الإنسان بسلوكه اليومي يغذي أفراد هذا الجيش أو ذاك، ويقويه، أو يتأرجح بينهما، وبذلك يعلو أو يهبط أو يبقى يراوح مكانه.
وأنّ من جنود العقل التواضع، ومن جنود الجهل التكبر، وأنّ أشهر رجب وشعبان وشهر رمضان تضطلع بمهمة تقوية جنود العقل عبر إيجاد السياقات الفاعلة والأجواء الإيمانية المفعمة بالروحانية.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين



اضف تعليق