على الرغم من سلسلة الإجراءات التي أعلنتها حكومة سعد الحريري، تتواصل المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في مناطق مختلفة من لبنان، للمطالبة وكما نقلت بعض المصادر، برحيل كافة الوجوه الموجودة في السلطة ووضع حد للفساد والوضع الاقتصادي المتدهور، وجمعت الاحتجاجات جميع أطياف المجتمع اللبناني، في حركة غير عادية. وعلى خلفية التظاهرات المستمرة فقد أصدرت جمعية المصارف في لبنان بيانا أعلنت غلق جميع أبواب المصارف على. وقالت الجمعية إن قرارها يَنبع من حرصها على أمن وسلامة العملاء والموظفين إلى جانب حاجتها للوقت لإزالة آثار الأضرار التي لحقت بعددٍ من المراكز والفروع المصرفية. وكانت الاحتجاجات اندلعت بسبب مشروع رسوم على تطبيق واتساب، وهو إجراء اعتبره الكثيرون محاولة أخرى من الحكومة لامتصاص أموال الناس، دون أن يأخذوا شيئا من الدولة.

يحصل المتظاهرون على الدعم من قبل أساتذة الجامعات والقضاة والاقتصاديين، الذين يستخدمون مواقعهم الوظيفية ويقفون إلى جانب المحتجين. ويفرض الطلبة على جامعاتهم تأجيل الامتحانات لكي يشاركوا في التظاهرات. التغيير من خلال الضغط يبدو ممكنا. وتشير الصحفية اللبنانية ديانا مقلد إلى أن مطالب الناس في الشوارع واضحة. مضيفة أن الحكومة الحالية يجب أن تمهد الطريق لإجراء انتخابات جديدة. ويخشى بعض المراقبين من دخول البلاد في ازمة خطيرة خصوصا وأن الاصلاحات التي طرحها رئيس الوزراء سعد الحريري الذي لا يريد الاستقالة حاليا، قد لا تكون كافية. وأن المتظاهرين لن يتخلوا عن مطالبهم. بالإضافة إلى ذلك فإن مخاطر ازدياد العنف واردة.

وكانت القيادة العسكرية قد حذرت من أنها لن تتسامح مع أي اعتداء ضد المتظاهرين، "ومع ذلك ينفذ الجيش الأوامر التي تصله"، كما يقول شفيق عبد الرحمن من منظمة "أوتوبيا" غير الحكومية التي مقرها طرابلس اللبنانية، والتي تهتم بالشؤون الاجتماعية في البلد. ويذكر عبد الرحمن أنه "على سبيل المثال، يتأكد الجيش حاليا من أن الشوارع تبقى مفتوحة رغم إرادة المتظاهرين". ويضيف" يقفون بيننا وبين الحكام. أنا لا أعرف كم من الوقت سوف يستمر هكذا".

سلسلة بشرية

شكل المحتجون في لبنان سلسلة بشرية في أنحاء البلاد في مظاهرات غير المسبوقة ضد السياسيين الذي يتهمونهم بالفساد ودفع البلاد نحو انهيار اقتصادي لم تشهده منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990. وتشابكت أيادي المحتجين على طول الطرق الساحلية اللبنانية بهدف تشكيل سلسلة بشرية تمتد بطول 171 كيلومترا من الجنوب إلى الشمال.

وأصابت الاحتجاجات البلاد بالشلل بسبب الاعتصامات وإغلاق الطرق بالحواجز خلال المظاهرات التي اجتذبت كل أطياف الساحة السياسية في لبنان. وقالت جمعية مصارف لبنان في بيان إن البنوك ستظل مغلقة، حتى تعود الأوضاع للاستقرار في ضوء استمرار الاحتجاجات في أنحاء البلاد. وأغلقت المصارف في لبنان أبوابها مع خروج احتجاجات تطالب الحكومة بالاستقالة دون وجود حل للأزمة في الأفق، كما أغلقت المدارس والعديد من الشركات أبوابها. بحسب رويترز.

وتستهدف الاحتجاجات في أنحاء البلاد الطبقة السياسية المتهمة بإساءة استغلال السلطة واستغلال موارد الدولة لمصالحها الشخصية. وبدأت الضغوط المالية في التفاقم بما يشمل نقصا في الدولار وضغوطا على قيمة العملة اللبنانية. واستمرت الاحتجاجات في لبنان على الرغم من إعلان الحكومة حزمة إصلاحات عاجلة قبل أيام أخفقت في تهدئة الغضب الشعبي. كما لم تصل تلك الإصلاحات أيضا إلى حد طمأنة المانحين الأجانب للوفاء بتعهدات بمليارات الدولارات تمس الحاجة إليها.

مواجهات في طرابلس

على صعيد متصل ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام فيلبنان أن ستة أشخاص على الأقل أصيبوا بجروح خلال مواجهات بين الجيش اللبناني ومتظاهرين في طرابلس شمال البلاد. وأعلنت الوكالة الوطنية الرسمية أن إصابات وقعت "خلال تصادم أثناء محاولة الجيش فتح الطريق الدولي الذي يربط طرابلس بالمنية وعكار" في شمال لبنان، مشيرةً إلى أن بعض هذه الإصابات بالغة، كما تحدثت عن توقيف عدد من الشبان.

وأعلنت الوكالة الوطنية أنه تم التأكد من هويات ستة جرحى، نقلوا إلى المستشفيات المحيطة بعد إصابتهم جراء التوتر الذي ارتفع مع إحراق شبان لإطارات وسط الطريق السريع. وأفاد مصدر طبي في المنطقة أن العدد الجرحى قد يكون أكثر من ذلك. وقال الجيش اللبناني من جهته في بيان إن قوة تابعة له تدخلت في منطقة البداوي بعد وقوع إشكال بين معتصمين وعدد من المواطنين كانوا يحاولون اجتياز الطريق بسياراتهم وأدى الإشكال إلى سقوط جرحى من الجيش ومدنيين.

وأضاف أنه إثر محاولتها التدخل تعرّضت القوة "للرشق بالحجارة وللرمي بالمفرقعات النارية الكبيرة مما أوقع خمس إصابات في صفوف عناصرها"، موضحاً أنه عندها "عمدت القوة إلى إطلاق قنابل مسيلة للدموع لتفريق المواطنين". وقال إن عناصر الجيش أطلقت النار بالهواء وأطلقت الرصاص المطاطي بسبب تطور الإشكال "حيث أصيب عدد من المواطنين بجروح". وأكد البيان أن "الجيش استقدم تعزيزات أمنية إلى المنطقة وأعاد الوضع إلى ما كان عليه، وفتح تحقيقاً بالموضوع".

وجاء ذلك بعدما أعلنت قيادة الجيش اللبناني في وقت سابق في بيان عن عقد اجتماع في مقرها ضم قيادات الأجهزة الأمنية والجيش "لمناقشة الأوضاع الراهنة في البلاد في ضوء استمرار التظاهرات وقطع الطرقات". وبعد الاجتماع، أكد الناطق باسم الجيش اللبناني أنه "تم اتخاذ قرار لفتح الطرقات الرئيسية في جميع المناطق بالطرق السلمية ومن دون اللجوء إلى أي عنف". وأضاف "سنتفاوض مع المتظاهرين". بحسب رويترز.

وحاولت القوى الأمنية اعادة فتح طرقات مقطوعة في مناطق مختلفة من البلاد، فيما تظاهر مئات المناصرين للتيار الوطني الحر، الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويرأسه صهره وزير الداخلية جبران باسيل، للإعراب عن تأييدهم لمواقف الرئيس. وتكتظ الشوارع والساحات في بيروت ومناطق أخرى من الشمال إلى الجنوب منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، بحراك شعبي غير مسبوق وعابر للطوائف على خلفية مطالب معيشية وإحباط من فساد السياسيين.

فوضى وحرب أهلية

الى جانب ذلك حذر الأمين العام لجماعة حزب الله الشيعية في لبنان حسن نصر الله من حدوث فراغ في السلطة قد يدفع لبنان إلى أتون حرب أهلية مشيرا إلى أن دولا معادية منها الولايات المتحدة وإسرائيل قد تسعى لاستغلال موجة غير مسبوقة من المظاهرات لإشعال الصراع. وتجتاح لبنان احتجاجات ضد نخبة سياسية متهمة بالفساد وسوء إدارة أموال الدولة.

ودعا نصر الله، الذي تشارك جماعته في حكومة ائتلافية يقودها رئيس الوزراء سعد الحريري، أنصاره بالبقاء بعيدا عن الاحتجاجات بعد اشتباكات مع المتظاهرين في بيروت. ويٌنظر إلى الجماعة الشيعية المدججة بالسلاح باعتبارها أقوى لاعب على الساحة السياسية في لبنان وهي جزء من تحالف إقليمي تقوده إيران يخوض صراعا مع دول خليجية عربية متحالفة مع الولايات المتحدة ولها حلفاء سياسيون في هذا البلد.

وأشاد الأمين العام لحزب الله بالاحتجاجات التي أجبرت الحكومة على إقرار ميزانية تخلو من فرض ضرائب جديدة وإصلاحات ”غير مسبوقة“ تشمل مشاريع قوانين لرفع السرية المصرفية واستعادة الأموال المنهوبة ومحاربة الفساد. لكنه قال إن المظاهرات التي بدأت عفوية أصبح يستغلها خصوم إقليميون ودوليون في الأيام القليلة الماضية. وكرر نصر الله رفض جماعته لاستقالة حكومة الحريري وأي تحرك لإسقاط حليفه المسيحي الرئيس ميشال عون قائلا إن ذلك قد يؤدي إلى خلق فراغ في السلطة.

وقال ”في ظل الوضع المالي والاقتصادي الصعب والمأزوم في ظل التوترات السياسية الموجودة في البلد والإقليم، الفراغ سيؤدي إلى الفوضى، الفراغ سيؤدي إلى الانهيار“. وفي إشارة إلى الحواجز التي أقيمت على الطرق في أنحاء البلاد قال نصر الله إنه إذا ظل لبنان مشلولا ومغلقا فإن الناس بمن فيهم أفراد الجيش لن يحصلوا على رواتبهم وفي نهاية المطاف ينزلق البلد إلى فوضى شاملة. بحسب رويترز.

وأضاف ”أنا لا أخاف على المقاومة، أنا خائف على البلد من أن يكون في حدا بدو يأخذ بلدنا يعمل فيه توترات اجتماعية وأمنية وسياسية ويأخذه على الحرب الأهلية“. ومضى يقول ”إن شاء الله ما يصير في شي منه ولكن أنا أؤكد لكم أنه في معلومات وفي معطيات وفي شكوك حول هذا الموضوع“.

ودعا الرئيس اللبناني ميشال المتظاهرين إلى اختيار ممثلين عنهم ليلتقي معهم في "حوار بناء"، من أحل "الاستماع تحديداً الى مطالبكم، وتسمعون بدوركم من قبلنا مخاوفنا من الانهيار الاقتصادي". كما أبدى انفتاحه على "إعادة النظر في الواقع الحكومي". لكن خطابه لم يلق آذاناً صاغية في الشارع. ووعد عون في وقت سابق بالتصدي للفساد ممتثلا لمطلب مئات الآلاف من المحتجين. وقال ”المشهد الذي نراه يؤكد أن الشعب اللبناني هو شعب حي قادر على الانتفاض والتغيير وإيصال صوته.. ولكن الطائفية حطمتنا، ونخرنا الفساد حتى العظم، وقد تركنا من أوصل البلد إلى الهاوية بدون محاسبة“. وتابع قائلا ”صرختكم لن تذهب سدى“.

وخاطب عون المعتصمين في الشوارع قائلا ”أنا حاضر أن ألتقي ممثلين عنكم يحملون هواجسكم ونسمع مطالبكم وتحديد ما هي، وأنتم تسمعون منا عن مخاوفنا من الانهيار الاقتصادي وماذا يجب أن نعمل سويا لكي نحقق أهدافكم من دون أن نسبب الانهيار والفوضى ونفتح حوارا بناء يوصل إلى نتيجة عملية تحديد الخيارات التي توصلنا إلى أفضل النتائج، فالحوار هو دائما هو الطريق الأفضل للإنقاذ وأنا ناطركم“.

وقال عون في كلمته ”لأن الإصلاح هو عمل سياسي بامتياز صار من الضروري إعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي حتى تتمكن السلطة التنفيذية من متابعة مسؤولياتها وطبعا من خلال الأصول الدستورية المعمول فيها“. في إشارة محتملة لتعديل وزاري لكنه حذر المحتجين من أن النظام لن يتغير بالاحتشاد في الأماكن العامة وقال ”لكن النظام، أيها الشباب، لا يتغير في الساحات“. وقال عون ”كل من سرق المال العام يجب أن يحاسب لكن المهم أن لا تدافع عنه طائفته... فلنكشف كل حسابات المسؤولين ونترك القضاء يحاسب“.

ورفض المحتجون خطاب عون وأكدوا على عدم التراجع وقالوا إن مطلبهم الأساسي هو استقالة الحكومة. ورحب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بدعوة الرئيس لإعادة النظر ”في الواقع الحكومي الحالي“. وقال على تويتر ”اتصلت بفخامة رئيس الجمهورية، ورحّبت بدعوته إلى ضرورة إعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي، من خلال الآليات الدستورية المعمول بها“.

وقال الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط إن أفضل حل لإنهاء الاحتجاجات الشعبية التي أثارتها الأزمة الاقتصادية في البلاد هو الإسراع بتعديل حكومي كما اقترح عون. وكتب جنبلاط على تويتر ”بعد سماع كلمة الرئيس عون وبما أننا في نفس هذا المركب الذي يغرق وكون نشاطره الخوف من الانهيار الاقتصادي، نجد أن أفضل حل يكمن في الإسراع في التعديل الحكومي والدعوة لاحقا إلى انتخابات نيابية وفق قانون عصري لا طائفي“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1