صعود اسماء جديدة من خارج النظام السياسي الحاكم أو المعارضة في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية مقابل تراجع لأسماء أخرى، عدها بعض المراقبين مفاجأة كبرى للجميع وتطور مهم قد يسهم في رسم خارطة سياسية جديدة في تونس، فهذه التطورات هي رسالة صريحة ومؤشر واضح لتوجهات الناخب وعدم رضاه عن رموز الحكم والساسة التقليديين. واعتبر المحلل السياسي التونسي منصور عيوني بحسب بعض المصادر، أن الناخب التونسي بدأ منذ الانتخابات المحلية السابقة "ثورة على النظام القديم وكل من يمثله" قائلا: "حصول مرشحين مثل قيس سعيد على النسب الأعلى من الأصوات هو دليل على أن الانتخابات بمثابة فرز بين من هم من داخل منظومة الحكم ويمتلكون أدوات الدولة أو علاقات دولية أو ثروة وموارد مالية على جانب ومن لا يملك كل ذلك على الجانب الأخر في محاولة لإحياء الروح الثورية من جديد".

وقد أظهرت نتائج جزئية بعد فرز أكثر من نصف الأصوات في انتخابات الرئاسة التونسية أن الناخبين أحدثوا زلزالا سياسيا برفضهم قيادات بارزة لصالح أستاذ في القانون غير معروف على نحو يذكر وقطب إعلامي مسجون يشتبه بتهربه من الضرائب. وتقدم أستاذ القانون المحافظ قيس سعيد وقطب الإعلام المحتجز نبيل القروي على 24 مرشحا آخرين من بينهم رئيس الوزراء ورئيسا وزراء سابقان ورئيس سابق ووزير الدفاع ويبدو من شبه المؤكد خوضهما جولة إعادة .

وبعد فرز 52 في المئة من الاصوات، أظهرت النتائج الجزئية حصول سعيد على 18.7 في المئة من الاصوات، بينما جاء القروي في المركز الثاني بنسبة 15.5 في المئة ، وحل عبد الفتاح مورو مرشح حزب النهضة الإسلامي المعتدل ثالثا بحصوله على 13.1 في المئة. وفي أول رد فعل دعا رئيس الوزراء يوسف الشاهد، الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات، المعسكر الليبرالي والوسطي إلى الاتحاد لقطع الطريق للانتخابات التشريعية المقررة في السادس من تشرين الأول/أكتوبر.

وأعرب عن قلقه لنسبة المشاركة الضعيفة التي عدها "سيئة" للانتقال الديموقراطي. ودعا حزب "النهضة" ذو المرجعيّة الإسلاميّة الذي وصل مرشحه في المرتبة الثالثة، إلى الحذر ملمحا إلى أن أرقامه مختلفة عن الاستطلاعات التي نشرت. وجرت الانتخابات التي تنافس فيها 26 مرشحا على خلفية أزمة اجتماعية واقتصادية مزمنة وفي أجواء من رفض النخب السياسية.

ثورة ثانية

وفي هذا الشأن صف سعيد نتائج استطلاعات خروج الناخبين من مراكز الاقتراع التي أظهرت حصوله على معظم الأصوات، بأنها مثل ”ثورة ثانية“ قائلا ”ما حصل يحملني مسؤولية كبرى لتحويل الإحباط الى أمل“. وكان يشير إلى انتفاضة 2011 في تونس التي جلبت الديمقراطية وأطلقت شرارة انتفاضات الربيع العربي في المنطقة. وقال ” التغير للأفضل ممكن“. ومن أقوى الساسة الذي نافسوا رئيس الوزراء يوسف الشاهد ورئيسا وزراء سابقان ورئيس سابق ووزير الدفاع إضافة إلى مورو رئيس البرلمان بالنيابة ومرشح حزب النهضة الإسلامي المعتدل.

وقال الشاهد معترفا بالهزيمة ”ما حصل هو نتيجة تشتت الصف الديمقراطي.. تلقينا الرسالة التي أرسلها الناخبون وهو درس يجب أن نفهمه جيدا“. وكان حزب النهضة محظورا قبل الثورة وكان في وقت من الأوقات القوة الرئيسية المناهضة للمؤسسات في تونس، لكنه بات طرفا رئيسيا في الحكومات الائتلافية المتعاقبة التي وقعت بين مطرقة الرغبة الشعبية في مزيد من الإنفاق وسندان الحاجة لخفض الدين.

وتجري الانتخابات البرلمانية في السادس من اكتوبر المقبل. وقال مسؤول من حزب النهضة إن حزبه يركز الآن أيضا على هذه الانتخابات، مضيفا أن الحزب مستعد دائما للتوافق والنهج التشاركي في الحكم. وفي ظل تدني نسبة الإقبال على التصويت التي بلغت 45 في المئة مقارنة بنسبة 63 في المئة عام 2014، تسلط النتيجة الضوء على الإحباط واسع النطاق من ضعف الاقتصاد وارتفاع البطالة وتردي الخدمات العامة وتجذر الفساد.

وقال القروي في رسالة تلتها زوجته بعد نشر الاستطلاعات التي أجريت عقب الخروج من لجان الاقتراع إن النتيجة كانت بمثابة رسالة لنخبة سياسية يتهمها القروي باستخدام القضاء لمحاولة إسكاته. وسيمثل فوز القروي بالجولة الأولى صداعا دستوريا حقيقيا للمؤسسات الحاكمة في تونس وسيزيد التساؤلات بشأن مصير المرشح المسجون. وقالت هيئة الانتخابات إن القروي سيبقى في سباق المنافسة ما دام لم يصدر حكم نهائي يدينه.

وفي الوقت نفسه، قضت ثلاث محاكم متعاقبة بضرورة بقائه في السجن أثناء مواجهته التهم، على الرغم من شكاوى مراقبي الانتخابات من أن هذا يخل بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة مع بقية المرشحين. ولكن معارضيه يقولون إن استخدامه لقناته التلفزيونية غير قانوني وسبب كاف لإبطال ترشحه. ومن غير الواضح أيضًا ما إذا كان سيصبح رئيسا قانونا في حال فوزه في الجولة الثانية أيضا، إذا كان غير قادر على حضور أداء اليمين الدستورية أثناء وجوده في السجن أو ما إذا كانت الحصانة الرئاسية من المقاضاة ستطبق في قضية قائمة. بحسب رويترز.

ولم يتم بعد إنشاء محكمة دستورية يفترض أن تنظر في مثل هذه النزاعات الشائكة. وألقت السلطات القبض على القروي قبل أسابيع من الانتخابات بسبب مزاعم تهرب ضريبي وغسل أموال أثارتها ضده هيئة للشفافية قبل ثلاث سنوات. وجاء في رسالة القروي ”الشعب التونسي عاقب من حاول سرقة أصوات الناخبين عبر وضعي في السجن دون محاكمة وحرماني من التواصل مع التونسيين“. واضاف في رسالته ”الشعب التونسي قال لا للظلم.. لا للتهميش.. لا للفقر.. نعم للأمل“.

وقالت امرأة متحدثة عن القروي ”مللنا وعود كل السياسيين التقليديين الذي كانوا كاذبين.. نأمل أن يفي القروي بوعوده وأن يبقى (يظل) يساعدنا.. هو وعدنا إن انتخبناه سيوفر الشغل وسيحسن أوضاعنا.. نحن جربنا الآخرين سابقا لماذا لا نجرب القروي“. وبينما أنفق مرشحون مئات الآلاف من الدولارات على حملاتهم، لم يكن لسعيد مدير حملة ولا تمويل بل فقط مقر متواضع من ثلاث غرف في مبنى قديم بوسط العاصمة وكان يعول على تبرعات متواضعة من متطوعين يدعمونه.

ينتمي سعيد، الذي يتحدث الفصحى دائما كما لو كان في محاضرة بالجامعة، للطبقة المتوسطة على عكس أغلب الطبقة السياسية. ويقود سيارته القديمة ويقول إنه يفضل البقاء في منزله إذا تم انتخابه بدلا من الانتقال إلى القصر الرئاسي الفاخر في قرطاج. ويدعم سعيد، صاحب النهج الاجتماعي المحافظ، تطبيق عقوبة الإعدام ويرفض المساواة في الميراث بين الرجال والنساء ويركز على اللامركزية في الحكم في بلد لدى ساسة العاصمة فيه قوة مهيمنة على نحو تقليدي.

أين الشباب

من جانب اخر ويبدو أن الشباب قاطعوا هذا الاقتراع وهم فئة أساسية كما يقول رئيس الهيئة نبيل بفون الذي شجعهم على المشاركة قبل ساعة من انتهاء عملية التصويت. وتساءل ناخب مسن بغضب "أين الشباب؟ هذا من أجل بلادهم ومستقبلهم". ويرى الباحث السياسي حمزة المدب أنّ هذا إشارةً إلى "استياء عميق ضدّ طبقة سياسيّة لم تحقّق المطالب الاقتصادية والاجتماعية". ويتابع "يبدو أن الاشمئزاز من الطبقة السياسية يترجم بالتصويت لمرشحين غير متوقعين".

وطرح الصراع الانتخابي في 2019 معادلةً جديدة تقوم على معطى جديد إثر ظهور مرشّحين مناهضين للنظام الحالي، ما أفرز وجوهاً جديدة استفادت من التجاذبات السياسيّة. ولم تتمكّن تونس منذ الثورة من تحقيق نقلة اقتصاديّة تُوازي ما تحقّق سياسيّاً. فملفّ الأزمات الاقتصاديّة لا يزال يمثّل مشكلة أمام الحكومات المتعاقبة، وبخاصّة في ما يتعلّق بنسب التضخّم والبطالة التي دفعت شباباً كثيرين إلى النفور من السياسة.

وبلغ تأزُّم الوضع الاقتصادي ذروته خلال حكومة الشاهد، الأطول بقاءً مقارنة بسابقاتها، ما دفع التونسيّين إلى الاحتجاج بشكل متواصل طيلة السنوات الأخيرة، مطالبين بمراجعة السياسيات الاقتصاديّة وتحسين القدرة الشرائيّة التي تدهورت. في الوقت نفسه، لوحظ تحسّن في الوضع الأمني. وأدّى الفراغ الذي تركته السُلطة في مسألة معالجة الأزمات الاجتماعيّة، إلى ظهور مَن يطرح البديل والحلول ويعتمد في ذلك على الاقتراب أكثر من الطبقات المهمّشة. ونظم الاقتراع في أجواء هادئة ونشرت الأحزاب والمؤسسات الدولية آلاف المراقبين في مكاتب الاقتراع.

ومثلما كان الحال مع الحكومة الحالية المثقلة بالديون، سيتعين على الحكومة التونسية المقبلة أن تتعامل مع المطالب الشعبية تخفيف القيود على إنفاق الأموال العامة في حين يطالب المقرضون الأجانب بخفض الإنفاق. وتخلصت تونس من الحكم الشمولي قبل ثمانية أعوام في ثورة ألهمت انتفاضات ”الربيع العربي“ في مصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا لكنها وحدها حظت بانتقال سلس وسلمي إلى الديمقراطية.

وبيد أن الشعور بتراجع مستويات المعيشة منذ انتفاضة 2011 إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والتضخم أصاب الكثيرين بالإحباط. ويشعر ناخبون كثيرون بخيبة أمل. وفي حي التضامن الفقير كان معاذ شينفية (42 عاما) وهو عاطل عن العمل يجلس في مقهى وقال إنه لن يدلي بصوته. وأضاف ”منذ الانتخابات وهم يقطعون لنا الوعود ولم يحدث شيء على الأرض فلماذا أدلي بصوتي؟ الانتخابات ستنتهي وستسقط الوعود فور توليهم مناصبهم مثلما حدث في الانتخابات السابقة“. بحسب رويترز.

وفي حي لافيات بوسط العاصمة، وقف العشرات ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في فناء مدرسة. وقالت خلود علوي (27 عاما) إن أيا من المرشحين لم يتمكن من إقناعها ”لكن يتعين علي الإدلاء بصوتي. هذا مهم للبلد“. وجرى تقديم موعد الانتخابات بعد وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي في يوليو تموز وسيتعين على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التعامل مع أي طعون سريعا. وللرئيس التونسي سيطرة مباشرة على السياسة الخارجية وسياسة الدفاع في حين يتولى رئيس الوزراء الذي يختاره البرلمان معظم الملفات الأخرى. ويعد الإقبال على هذه الانتخابات أدنى من مثيله في العام 2014 والتي وصلت نسبة المشاركة فيها 64%.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0