لا يُقاس نجاح أي حكومة عراقية بقدرتها على إدارة الملفات القطاعية الظاهرة وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل بقدرتها على إحداث انتقال بنيوي في منطق الحكم من إدارة الأزمات المتراكمة إلى بناء الدولة بوصفها كيانًا مؤسسيًا وقيميًا مستقرًا، لأن الحكومات التي تعمل داخل منطق الأزمة تظل أسيرة الزمن القصير وردود الأفعال...

لا يُقاس نجاح أي حكومة عراقية بقدرتها على إدارة الملفات القطاعية الظاهرة وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل بقدرتها على إحداث انتقال بنيوي في منطق الحكم من إدارة الأزمات المتراكمة إلى بناء الدولة بوصفها كيانًا مؤسسيًا وقيميًا مستقرًا، لأن الحكومات التي تعمل داخل منطق الأزمة تظل أسيرة الزمن القصير وردود الأفعال، بينما الحكومات التي تعمل بمنطق الدولة تبني مسارات طويلة الأمد تتجاوز عمرها التنفيذي.

وعلى هذا الأساس، يُعدّ الأداء الاقتصادي معيارًا أوليًا، لا من حيث المؤشرات المالية الظرفية، بل من حيث الاتجاه الاستراتيجي للاقتصاد، أي مدى التحرر من الريع النفطي، وبناء قاعدة إنتاجية، وتحويل العمل من عبء اجتماعي إلى قيمة اقتصادية، لأن الاقتصاد الريعي يعيد إنتاج التبعية والبطالة والفساد مهما تحسّنت الأرقام المؤقتة.

ويُقيّم الأداء الأمني ليس بقدرة الدولة على ضبط السلاح فحسب، بل بقدرتها على احتكار الشرعية القانونية للقوة، وربط الأمن بالقضاء والمؤسسات، لأن الأمن المنفصل عن الدولة يتحول إلى استقرار هش قابل للانهيار عند أول اختبار سياسي.

أما ملف الفساد، فيُعدّ معيارًا حاسمًا، ويُقاس بمدى تفكيك البنية التي تحميه لا بمدى ملاحقة الأفراد، إذ إن الفساد حين يكون منظومة حكم يصبح عائقًا وجوديًا أمام الدولة، ولا يُكسر إلا بإصلاح تشريعي، وقضائي، وإداري متكامل.

وتُقاس العلاقات الخارجية بقدرة الدولة على حماية قرارها الوطني وتحويل موقعها الجيوسياسي من ساحة صراع إلى مساحة توازن عقلاني، لأن السياسة الخارجية ليست ملفًا مستقلًا بل انعكاس مباشر لقوة الداخل وضعفه.

ويمثل ملف الخدمات معيار العلاقة اليومية بين الدولة والمجتمع، ويُقاس ليس بحجم المشاريع فقط، بل بقدرة الدولة على تحويل الخدمة من منّة سياسية إلى حق مؤسسي مستدام مرتبط بالإدارة الرشيدة والعدالة في التوزيع.

أما الملف التربوي، فيُعدّ المعيار الأبعد زمنيًا والأخطر أثرًا، ويُقاس بقدرة النظام التعليمي على إنتاج مواطن ناقد، منتمٍ، قادر على التفكير والعمل، لا فرد خاضع، لأن أي دولة تفشل في التربية تفشل حتمًا في الاستدامة.

وإلى جانب هذه الملفات، يُعدّ ملف بناء الدولة والمؤسسات المعيار الحاكم، إذ تُقاس الحكومة بقدرتها على إعادة الاعتبار للدولة بوصفها مرجعية عليا، لا تُزاحمها قوى موازية ولا تُختزل في الحكومة ذاتها. كما يُعدّ مستوى الشرعية السياسية والثقة المجتمعية مؤشرًا مركزيًا، لأن الحكم بلا ثقة يتحول إلى إدارة قسرية مهما بلغت كفاءته التقنية.

ويُضاف إلى ذلك معيار إدارة التنوع والسلم الأهلي، ومعيار العدالة الانتقالية، ومعيار الإصلاح السياسي والانتخابي، بوصفها جميعًا شروطًا بنيوية تمنع إعادة إنتاج الأزمة. وبذلك، فإن الحكومة التي تُقاس بمعايير الملفات وحدها هي حكومة أزمة، أما الحكومة التي تُقاس بمعيار الانتقال إلى بناء الدولة فهي حكومة مشروع.

اضف تعليق