مدينة حلب التي تعد واحدة من اقدم واهم المدن في العالم، وهي ايضا أكبر مدينة سورية سوريا من حيث عدد السكان وعاصمتها الاقتصادية. نظرًا للأهمية التاريخية والعمرانية التي تتمتع بها مدينة حلب فقد اعتبرتها منظمة اليونسكو مدينة تاريخية هامة لاحتوائها على تراثٍ إنساني عظيم يجب حمايته خاصة وأن فيها أكثر من 150 أثرًا هامًا تمثل مختلف الحضارات الإنسانية والعصور. وفي العام 1986 سجلت مدينة حلب القديمة بالسجلات الأثرية ووضعت إشارة على صحائفها العقارية تثبيتًا لعدم جواز هدمها أو تغيير معالمها أو مواصفاتها حتى من قبل بلديتها إلا بعد أخذ موافقة الجهات الأثرية العالمية وسجلت على لائحة التراث العالمي.

وعن العلاقات التجارية بين المدينة ودول العالم وكما نقلت بعض المصادر، فتقول غرفة تجارة حلب أن المدينة ساهمت في تنمية الصادرات للمنتجات السورية عمومًا إلى مختلف دول العالم. فبلغت قيمة الصادرات في 2011 حوالي 452 مليون دولار أمريكي، بعد أن وصلت في العام 2010 إلى 508 مليون دولار. وساهمت المنطقة الحرة في مدينة حلب في تنمية المبادلات التجارية من خلال 114 مشروعًا استثماريًا في المنطقة التجارية وحدها، وأمنت حوالي ألفي فرصة عمل. وكان قطاع السياحة في المدينة يشكِّلُ موردًا هامًا، وركيزةً أساسية ليس في العصر الحديث فقط، وإنما منذ الأزل.

فهناك الخانات في مدينة حلب القديمة، التي كانت بمثابة الفنادق الفاخرة التي يلتقي فيها التجار والصناع ورجال الأعمال قديمًا. وكانت مدينة حلب تضم 107 فنادقٍ عام 2010. وإذا كانت المدينة مركزًا للتجارة والصناعة، فكان لابد لها أن تكون مركز جذب استثماري كبير، ومحطّ أنظار المستثمرين، إذ تتوسَّط المدينة مناطق الإنتاج الزراعي، كما تمتلك مرافئ تصديرية بحرية، ومنافذ حدودية برية مع الدول المجاورة، بالإضافة إلى مكانتها في الصناعات النسيجية، والصناعات التقليدية كالملابس، والصابون، والحرير الطبيعي، والذهب، والمواد الغذائية، وغيرها.

هذه المدينة اصبحت اليوم بسبب الحرب والمستمرة من المدن المنكوبة، خصوصا بعد ان اقدمت الجماعات الإرهابية المسلحة على تدمير المعالم التاريخية ، فقد أضحت حلب مدينة أشباح، وبحسب دراسة سابقة صادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات فإن خسائر الاقتصاد السوري قد بلغت 255 مليار دولار. ما يعني أن نصيب مدينة حلب من الخسائر الاقتصادية يمكن تقديره بحوالي 65 مليار دولار أو يزيد. وتقول الدراسة إن أكثر من 470 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب القتال في سوريا، ومن بينهم حوالي 70 ألف شخص ماتوا بسبب نقص الخدمات الأساسية كالمياه النظيفة والرعاية الصحية. كما ان الحرب السورية أدت ايضا إلى نزوح أكثر من 5 ملايين سوري خارج البلاد، وحوالي 7 ملايين سوري فروا من منازلهم إلى مناطق أخرى في سوريا.

واسهمت ايضاً بالقضاء على اهم المعالم التاريخية في هذا البلد، فقد دمرت هذه الحرب الكثير من الخانات العتيقة التي تشهد على محورية مدينة حلب ودورها في الاقتصاد العالمي قديمًا. ومن أشهر هذه الخانات التي أتى القصف عليها: خان الوزير الذي بُنِي في القرن السابع عشر عام 1683، وخان الكتان، وخان خاير بك الذي أنشئ عام 1514، وخان الفرايين الذي بُنِي في القرن السابع عشر، وخان العادلية، وخان العلبية، وخان الصابون، وخان النحاسين الذي بُنِي عام 1539، وخان العبسي، وخان البنادقة، وخان الحبال، وخان الجمرك الذي يعدّ من أكبر خانات حلب وبُنِي عام 1574، وغيرها من الخانات والمعالم الاخرى.

تاريخ حلب

مئذنة جامع العادلية العثماني في حلب بسوريا تميل على جانب واحد وتحمل آثار جرح غائر قبيح يمتد إلى أسفل حتى قوائمها نتيجة قصف أثناء الحرب. وتبدو الحالة المؤسفة التي وصلت إليها المدينة القديمة في حلب واضحة للعيان من مجرد نظرة إلى خط الأفق المنقوش بمآذنها التي تظهر عليها آثار القصف. والمدينة إحدى مواقع التراث العالمي وكانت ساحة قتال في الحرب خلال الفترة من 2012 إلى 2016.

وتطل المآذن على منطقة تعرضت لأضرار بالغة جراء الصراع الذي دمر السوق المغطى الذي يرجع للقرون الوسطى وحطم قباب المساجد وأحرق الكنائس. وقالت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) في ديسمبر كانون الأول إن عشرة بالمئة من أبنية حلب التاريخية دمرت ونحو نصف المباني التي قيمت المنظمة حالتها لحقت بها أضرار ما بين الجسيمة والمتوسطة. لكن أعمال الترميم في سوريا محل خلاف. فقد صورت جميع الأطراف المتحاربة نفسها باعتبارها حامية للمواقع التاريخية كما صورت أعداءها باعتبارهم مخربين، باستثناء تنظيم داعش الذي استهدف عن عمد الآثار القديمة.

وتعارض الدول الغربية التي فرضت عقوبات على حكومة الأسد أي أعمال ترميم حتى يتم التوصل إلى حل سياسي للصراع وتقول إن ذلك سيمثل مكافأة له على جرائم حرب تقول إنه ارتكبها لكنه ينفي ذلك. غير أن هذه المعارضة أوقفت أغلب مصادر التمويل من هذه الدول التي كانت عادة من أكبر المانحين لصيانة الآثار مما دفع وسائل الإعلام الحكومية لاتهامها بالتواطؤ على تدمير التراث الحضاري السوري. وبدأت قلة من أشهر المواقع الأثرية تنتعش ببطء. وفي الجامع الأموي في حلب يجري إصلاح الجدران التي تظهر عليها ثقوب الرصاص وتجميع أحجار المئذنة المنهارة تحت رافعة صفراء استعدادا لإعادة بنائها.

وأعيد بناء إحدى أطول مناطق السوق وأجملها وارتفعت قبابها التي تعرضت للدمار مرة أخرى فوق الأرضية المرصوفة بأحجار الكوبلت باستخدام المواد الأصلية وأساليب البناء القديمة. لكن هذه المواقع لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من مباني المدينة القديمة وشوارعها، وبدون تمويل جديد أصبحت بقية هذه الآثار مهددة ربما بمصير أسوأ.

وقال باسل زاهر المهندس الذي يعمل على ترميم جزء من السوق ”في حال توفرت النقود وبلشنا (بدأنا) نشتغل بشكل جدي، من خمس سنين لسبع سنين بتكون انتهت كل الأسواق لكن للأسف لهلق (للآن) ما في تمويل وما في رغبة قوية بترميم حلب القديمة، إذا توفرت، وبنتمنى تتوفر، فخلال سبع سنين بتكون الأسواق خالصة“.

وفي المدرسة الحلوية انهار بالفعل جزء من القبة. وكانت المدرسة الحلوية كاتدرائية بيزنطية بنيت مكان معبد روماني ثم حولها حاكم مسلم إلى مسجد أثناء الحملات الصليبية. وقال أحد المهندسين في الموقع إن هطول المزيد من الأمطار سيسقط بقية القبة. وترسم المآذن المدمرة خط الأفق في المدينة القديمة إذا نظرت إليها من فوق سطح سوق السقطية الذي جرى ترميمه. وتعرض جامع الكمالية الذي يرجع للقرن الثامن عشر وجامع السفاحية المملوكي وجامع الأطروش من القرن 14 لأضرار جسيمة.

وبالنظر عن قرب، يصعب تصور كيف ما زالت مئذنة جامع العادلية قائمة، إذ يمكن بوضوح رؤية داخلها الأجوف والدرج الحلزوني المدمر بداخلها عبر فجوة ضخمة على أحد جوانبها. وقال زاهر إن الحل الأفضل هو إعادة بنائها لأنها لم تعد قائمة بشكل مستقيم مشيرا إلى أن أي زلزال بسيط يمكن أن يؤدي لانهيارها بالكامل. وإصلاح المساجد مسؤولية وزارة الأوقاف التي تفتقر للمال اللازم لمشروعات ترميم كبرى. وفي مسجد مهمندار تحولت المئذنة التي تعلو الباب إلى مجرد جذع. وفي الفناء يرفع رجلان والإمام وصديقه أحجارا ضخمة إلى أحد الجوانب لإخلاء طريق.

وسقطت كذلك مئذنة هذا المسجد فلم يبق منها سوى أحد الأركان. وقد أمضوا ثلاثة أشهر في إزاحة الأحجار وتصنيفها وليس لديهم أي فكرة عن متى أو ما إذا كان سيعاد بناء المئذنة. ويبدو أن كل شارع مغطى في المدينة القديمة يؤدي إلى عشر حارات وكل فناء حجري في كل حارة تحيط به مساجد ومتاجر وتزرع أشجار الزيتون والليمون في منتصفه.

وبدت أغلب المتاجر خالية في أحد هذه الشوارع، تحت السقف العالي وفوق أرض مغطاة بالحطام بجدران محروقة، جلس رجل إلى طاولة يتلو آيات من القرآن وتتردد أصداء صوته في أرجاء السوق. وقرب باب النصر، إحدى البوابات الأثرية للمدينة القديمة، أعاد عدد قليل من التجار فتح منصاتهم. وتدلت الأقفال على أبواب بقية المتاجر وبدت الشوارع هادئة. وتعمل مجموعة من سكان المنطقة على رفع الحطام وإصلاح أجزاء من البوابة القديمة والمباني القريبة بما في ذلك نافذتان كبيرتان من الخشب. بحسب رويترز.

ويعمل مشروع الأمم المتحدة للتنمية كذلك في المنطقة فيقدم للتجار المساعدة في تطهير متاجرهم وشراء بضاعتهم. وتتاجر أسرة أحمد الصباغ في الفستق الحلبي منذ أجيال وقد أعاد فتح المتجر لتوه. لكن في سوق العطارين يكاد الدمار يكون كاملا. فقد انهارت الأسقف وضاقت الأزقة التي كان الباعة ينادون فيها على بضاعتهم بفعل أكوام الحجارة المركونة على جانبيها.

إخلاء الابنية

في السياق ذاته يصعد عزّت الدهان والحزن يعتريه درجاً متصدعاً للوصول إلى منزله في الطابق السادس في مدينة حلب في شمال سوريا، لإبلاغ زوجته وأبنائه السبعة بأنّ عليهم اخلاء المبنى المهدد بالسقوط جراء تداعيات الحرب بعد تلقيه انذاراً رسمياً. وبقيت عائلة الدهان وحيدة في هذا المبنى في حي صلاح الدين في غرب حلب، رغم انهيار أجزاء منه خلال المعارك التي شهدتها المدينة طيلة أربع سنوات، بعدما هجره كل القاطنين فيه خشية من سقوطه، خصوصاً بعد تكرار انهيار أبنية متصدعة آخرها في شارع مجاور وتسبب بمقتل 11 مدنياً.

ويدفع الرجل، وكنيته أبو محمد، خشبة صغيرة وضعها مكان الباب ليدخل إلى منزله المظلم والبارد. يلتفتُ بحيرة ولا يعرف من أين يبدأ في جمع أغراضه. ويقول بأسى "نزحنا خلال الأزمة أربع مرات واعتقدنا أننا لن ننزح مجدداً بعد نهاية المعارك والقصف، لكن اليوم أكتشف مرة أخرى أن الحرب لم تنته، وعلينا الرحيل مجدداً".

وتتكرّر حالات انهيار الأبنية السكنية في مدينة حلب عموماً وفي حي صلاح الدين خصوصاً الذي شكل خطّ تماس بين الجيش والفصائل المعارضة التي تقاسمت السيطرة عليه منذ صيف العام 2012 حتى نهاية العام 2016، تاريخ استعادة الجيش بدعم روسي سيطرته على كامل المدينة بعد سنوات من المعارك والقصف والحصار.

وحصل ذلك بعد اجلاء عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة والمدنيين بموجب اتفاق رعته كل من إيران وروسيا وتركيا. وتسببت المعارك والغارات بتصدّع الكثير من الأبنية والمنازل وتشقّق جدرانها وزعزعة الإنشاءات والبُنى التحتية الداعمة للأبنية. ويعملُ أبو محمد في مؤسسة القطن في حلب. ورغم أنه في الخمسين من عمره، يمشي بخطوات بطيئة ويعاني من انحناء في ضهره بينما يغزو الشيب حاجبيه وشعره.

ويقول "سكنت في هذا المنزل قبل 22 عاماً لأخرج منه في العام 2012. تنقّلنا من حي إلى آخر في حلب هرباً من المعارك، لنعود إليه في العام 2016". ويتابع بتأثر "أعدنا جميع الأغراض وبدأنا نرمّم ونصلح ما يمكن إصلاحه، على أمل البقاء فيه، والتوقف عن دفع الإيجارات". ينتقل أبو محمد، وهو يرتدي معطفاً شتوياً رثاً، من الممر إلى غرفة الجلوس التي يبدو أحد جدرانها مرمماً بينما تغطي الشرفة خيمة تحمل شعار الأمم المتحدة.

ومن خلف ستارة تفصل غرفة الجلوس عن المطبخ، يتصاعد تدريجياً صوت بكاء أم محمد بينما توضب الطناجر والآواني المنزلية والصحون. وتقول "نعلمُ أن المكان خطر وأن المبنى آيل للسقوط في أي لحظة، لكن ليس لدينا خيار آخر، وليس لدينا مكان نذهب إليه، ولا نملك المال لنستأجر منزلاً جديداً". وتشكل أزمة السكن واحدة من أبرز الصعوبات التي يواجهها النازحون خلال سنوات الحرب، إذ غالباً ما يجدون منازلهم فور توقف المعارك متضررة أو شبه مدمرة والبنى التحتية والخدمات الأساسية شبه معدومة. بحسب فرانس برس.

ويفضّل سكان حي صلاح الدين العودة إلى منازلهم أيا تكن حالتها والبدء بترميمها وإصلاحها ريثما تصل باقي الخدمات إليها، وفق ما أكد عدد منهم عوضاً عن دفع بدلات إيجار مرتفعة. إلا أن حوادث الانهيارات المتتالية دفعت السلطات إلى تشكيل لجان مسح ومعاينة تضم عدداً من المهندسين برفقة مختار الحي صلاح الدين حسن الجوك (44 عاماً)، تتولى معاينة الأبنية وإنذار سكان تلك القابلة للسقوط بوجوب اخلائها في مهلة أقصاها 48 ساعة، لتتم بعدها إزالة البناء على الفور.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0