تواصل الولايات المتحدة تكثيف الضغوط الاقتصادية على إيران في سبيل اجبارها على قبول مطالبها وقرارتها، فيما يخص برنامجها النووي والصاروخي وكذلك تحجيم دورها في المنطقة، وبحسب بعض المصادر فان واشنطن تخطط لمضاعفة هذه الضغط بعقوبات أشد لخنق الاقتصاد الإيراني. وكان ترامب انسحب، العام الماضي، من الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 مع إيران، وأعاد فرض العقوبات عليها. ويرى بعض الخبراء ان انهيار الاقتصاد الايراني بشكل كامل قد يحتاج الى وقت اضافي، خصوصا وان طهران قد اعتمدت ايضا على خطط واجراءات مضادة لمواجهة قرارات واشنطن، كما انها ماتزال متواصلة مع بعض الدول الاوروبية بخصوص برنامجها النووي يضاف الى ذلك الدول الاخرى المستفيدة من النفط الايراني.

و تنقل مجلة "فورين بوليسي" الأميركية عن خبراء ومحللين اقتصاديين، قولهم إن "اقتصاد المقاومة"، كما تسميه طهران، لا يزال قائما في ظل شراء دول مثل الهند والصين وتركيا للنفط الإيراني، رغم العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والآلية الأوروبية للتجارة مع إيران بغير الدولار.

يقول محلل الشؤون الإيرانية في مجموعة "أوراسيا" هنري روم: "الاقتصاد الإيراني أكثر مرونة من بعض الصقور في البيت الأبيض، ويبدو أن واشنطن ترى ذلك أيضا، لكن الأمور سيئة وستزداد سوءا". وأضاف روم لـ"فورين بوليسي": "العقوبات الأميركية تسبب ألما حقيقيا للاقتصاد الإيراني، لم يتوقع الكثيرون ذلك. لكننا اليوم لا نقترب من الانهيار الاقتصادي الكامل".

ويتوقف "الانهيار الكامل" للاقتصاد على الدول التي لا تزال تستورد النفط من إيران رغم العقوبات الأميركية، بالإضافة إلى القناة الجديدة التي كشفت عنها دول أوروبية للتجارة مع إيران. وفي شهر يناير الماضي، أسست فرنسا وألمانيا وبريطانيا آلية أوروبية للتجارة مع طهران بغير الدولار، لتفادي العقوبات الأميركية، لكن دبلوماسيين أقروا أنه من المستبعد أن يتمخض ذلك عن معاملات تجارية كبيرة، تساوم طهران عليها لإبقاء الاتفاق النووي قائما.

وكان قرار للأمم المتحدة صدر عام 2015 لدعم الاتفاق النووي قد "دعا" إيران للتوقف عن العمل في مجال الصواريخ الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية، لمدة 8 سنوات. وتجادل بعض الدول بأن لغة القرار لا تجعله ملزما، خاصة في ظل تجارب الصواريخ البالستية التي تجريها إيران بشكل دوري، ويندد بها الاتحاد الأوروبي.

أمريكا والعقوبات

وفي هذا الشأن قال فرانك فانون مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية المعني بالطاقة إن إدارة ترامب تشعر بارتياح لوجود نفط كاف في السوق العالمية مع مضي أشهر على برنامجها لإعادة فرض عقوبات أحادية الجانب على إيران العضو بمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). ويقضي القانون الأمريكي بأن تدرس إدارة معلومات الطاقة، الذراع الإحصائية لوزارة الطاقة، ما إذا كانت الإمدادات في سوق النفط وفيرة بما يكفي لتنفيذ العقوبات. وأعادت إدارة ترامب فرض عقوبات على صادرات إيران من النفط الخام في نوفمبر تشرين الثاني بسبب برنامجها النووي ونفوذها في سوريا ودول أخرى في الشرق الأوسط.

وتسببت العقوبات في خفض صادرات إيران بحوالي النصف مقارنة مع أبريل نيسان الماضي إلى نحو 1.25 مليون برميل يوميا. وقال فانون ”نحن نشعر بارتياح تام... بالنظر إلى أن إدارة معلومات الطاقة تواصل تعديل توقعاتها على أساس شهري...في الاتجاه الصعودي“. وأضاف قائلا ”أعتقد أن هذه إشارة قوية جدا“. وكان فانون ومسؤولون أمريكيون آخرون قالوا إن هدف إدارة ترامب هو دفع صادرات إيران النفطية إلى الصفر. لكن في الواقع فإن ذلك قد يكون صعبا في ظل طلب قوي على الخام في الصين والهند على وجه الخصوص.

ويرتفع إنتاج النفط بوتيرة سريعة في الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للنفط في العالم، وهو ما يساهم في إبقاء أسواق النفط العالمية في حالة توازن. وزاد إنتاج النفط الأمريكي أكثر من مليوني برميل يوميا على مدار السنة المنقضية ليسجل مستوى قياسيا مرتفعا عند 12 مليون برميل يوميا. بحسب رويترز.

وفي نوفمبر تشرين الثاني، منحت الولايات المتحدة إعفاءات للصين وسبعة مستوردين آخرين، وهو ما يسمح لهم بالاستمرار في استيراد النفط الإيراني ما داموا يخفضون مشترياتهم بدرجة كبيرة. ومن المنتظر أن تتخذ الإدارة الأمريكية قرارا في الرابع من مايو أيار بشأن ما إذا كانت ستجدد الإعفاءات للدول المستهلكة للنفط.

خيارات إيرانية

في السياق ذاته نقلت وكالة تسنيم للأنباء عن إيران قولها إن لديها خيارات كثيرة لتحييد إعادة فرض العقوبات الأمريكية على صادراتها النفطية وإن مطلب واشنطن المتعلق بكبح نفوذ طهران في المنطقة لا يمكن تحقيقه. ونسبت الوكالة إلى علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران قوله ”لدينا خيارات أخرى بخلاف إغلاق مضيق هرمز لوقف تدفق النفط إذا تعرضنا للتهديد... لدى إيران خطط جاهزة لتحييد العقوبات الأمريكية غير المشروعة على صادراتها النفطية... لدينا الكثير من السبل لبيع نفطنا“.

وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو أيار الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع ست قوى عالمية عام 2015 ثم أعاد فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية. وتأتي خطوة إعادة فرض العقوبات الأمريكية في إطار جهود أوسع نطاقا من جانب إدارة ترامب لإجبار إيران على الحد من برامجها النووية والصاروخية ودعمها لقوات موالية لها في اليمن وسوريا ولبنان ومناطق أخرى من الشرق الأوسط.

وتضغط واشنطن على الحكومات لوقف وارداتها من النفط الإيراني بالكامل لكنها منحت ثماني دول إعفاءات من العقوبات على واردات النفط التي فرضت في نوفمبر تشرين الثاني خشية ارتفاع الأسعار. وهدد مسؤولون إيرانيون بعرقلة شحنات النفط من دول الخليج إذا حاولت واشنطن وقف صادرات النفط الإيرانية. ويمر ثلث حجم النفط العالمي المنقول بحرا يوميا عبر مضيق هرمز الذي يربط منتجي الخام في الشرق الأوسط بأسواق كبرى في منطقة آسيا والمحيط الهادي وأوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها. وقال شمخاني ”هناك العديد من السبل لتحقيق ذلك (إغلاق هرمز). نأمل ألا نضطر للجوء إليها“.

قدمت إيران دعما حيويا بصفتها من حلفاء الرئيس السوري بشار الأسد خلال الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ ما يقرب من ثماني سنوات. وهناك عداء بين إيران والسعودية وحلفاء آخرين للولايات المتحدة. ونقلت وكالة تسنيم عن شمخاني، وهو حليف مقرب من الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، أيضا قوله ”حققنا 90 بالمئة من أهداف إيران في سوريا“.

وردا على سؤال عن احتمال شن إسرائيل هجمات أخرى على سوريا قال شمخاني ”سيكون هناك تطورات مهمة فيما يتعلق بدعم قدرات الردع لدى جبهة المقاومة في سوريا“. وعادة ما تشير إيران إلى الدول والقوى المعارضة لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة بأنها ”محور المقاومة“. وتقول إسرائيل، التي تزايد قلقها من سعي إيران لترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في سوريا، إنها شنت ما يزيد عن مئتي هجوم على أهداف إيرانية في سوريا في العامين الماضيين. بحسب رويترز.

وتقول إيران، في تحد لتهديدات من إسرائيل باستهدافها إن لم تنسحب من سوريا، إنها ستواصل إرسال مستشارين عسكريين إلى سوريا دعما لقوات الأسد مادام ذلك ضروريا. وقال شمخاني ”إيران قادرة على مواجهة أي تهديد عسكري... يدرك ترامب وإسرائيل جيدا القوة العسكرية لإيران... يعلمون أنهم لا يستطيعون الدخول في حرب مع إيران. لذلك يهددونها علنا“.

غسل الأموال

من جانب اخر قالت مجموعة العمل المالي (فاتف) إن أمام إيران مهلة حتى يونيو حزيران لإصلاح قوانينها ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإلا ستواجه بنوكها تشديدا في عمليات الفحص والتدقيق العالمية. وتقول الشركات الأجنبية إن التزام إيران بقواعد فاتف ضروري إذا كانت طهران تريد اجتذاب المستثمرين، خصوصا بعد أن أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران.

وربطت فرنسا وبريطانيا وألمانيا التزام إيران وحذفها من القائمة السوداء لفاتف باستخدام قناة جديدة للتجارة بغير الدولار مع إيران تجنبا للوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية. وكانت فاتف، التي تتخذ من باريس مقرا، أعطت طهران في أكتوبر تشرين الأول مهلة حتى فبراير شباط لإكمال إصلاحات تجعلها ملتزمة بالأعراف الدولية أو مواجهة عواقب. لكن فاتف خلصت في اجتماع إلى أن إيران لم تفعل ذلك.

وقال مارشال بيلينجسلي مساعد وزير الخزانة الأمريكي لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، الذي رأس اجتماع فاتف، إن إيران أمامها حتى يونيو حزيران قبل سريان إجراءات مضادة بشكل تلقائي. وقال للصحفيين ”ذلك مؤشر كبير من فاتف إلى أن الوقت انتهى، وأن خطة العمل انقضى موعدها ونتوقع تطبيقها بدون تأجيل“.

وقال بيلينجسلي إنه سيطلب من أعضاء فاتف حول العالم تكثيف إجراءات الإشراف على فروع البنوك الإيرانية في مناطقهم، بما في ذلك التفتيش في الموقع. وفي حالة عدم الامتثال، فإن فاتف ستدعو أعضاءها إلى إسداء النصح لبنوكهم بفحص جميع الأنشطة مع إيران، بما في ذلك الحصول على معلومات أو أسباب المعاملات المزمعة، وتعزيز القيود على التعاملات وتحديد أنماط التعاملات من أجل تعزيز التدقيق. بحسب رويترز.

ورحب البنك المركزي في إيران بتمديد فاتف المهلة ودعا في بيان البرلمان إلى ”الموافقة على مشاريع القوانين المتبقية بأسرع وقت ممكن“ وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية. وتسعى حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني ومؤيدوه في البرلمان إلى ضمان تبني أربعة مشاريع قوانين لتحقيق امتثال إيران بالقواعد التنظيمية لفاتف. وجرت الموافقة على قانونين لكن العملية شهدت تباطؤا بفعل المحافظين الذين يعارضون تمرير تلك التشريعات، قائلين إنها يمكن أن تلحق الضرر بدعم إيران لحلفاء مثل جماعة حزب الله، التي تدرجها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.

إيران تنتقد

على صعيد متصل انتقد وزير النفط الإيراني اليونان وإيطاليا لعدم شرائهما نفط بلاده رغم الاستثناءات الأمريكية وقال إن البلدين لم يقدما لطهران أي تفسير لقرارهما. وقال وزير النفط بيجن زنغنه في تصريحات بثتها وكالة الطلبة الإيرانية للأنباء ”لا يوجد أي بلد أوروبي يشتري النفط من إيران باستثناء تركيا.“ وأضاف ”اليونان وإيطاليا حصلتا على استثناءات من أمريكا، لكنهما لا تشتريان النفط الإيراني ولا تردان على استفساراتنا.“ وقال زنغنه إن العقوبات الأمريكية على إيران أشد صعوبة من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات لكن طهران لن تسمح للولايات المتحدة بوقف صادراتها النفطية.

من جهة اخرى قال برايان هوك ممثل الولايات المتحدة الخاص بإيران إن بلاده لا تتطلع لمنح أي إعفاءات أخرى فيما يتعلق بواردات النفط من إيران بعد إعادة فرض عقوبات أمريكية. وأبلغ هوك مؤتمرا لقطاع الطاقة في العاصمة الإماراتية أبوظبي قائلا ”لا نتطلع لمنح أي استثناءات أو إعفاءات لاستيراد الخام الإيراني“.

ومنحت واشنطن استثناءات لثماني دول من المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، من بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وذلك بعد أن أعادت فرض العقوبات على قطاع النفط الإيراني في نوفمبر تشرين الثاني. وأحجم هوك عن الإفصاح عما تعتزم واشنطن فعله عندما تنتهي مدة الإعفاءات الحالية في مايو أيار. وأضاف هوك ”تشعر إيران على نحو متزايد بالعزلة الاقتصادية التي فرضتها عقوباتنا... نريد بالفعل أن نحرم النظام من العائدات“.

وأردف قائلا ”ثمانون بالمئة من عائدات إيران تأتي من صادرات النفط وهي الدولة رقم واحد التي ترعى الإرهاب... نريد أن نحرم هذا النظام من الأموال التي يحتاجها“. وقال هوك ”نريد اتفاقا جديدا أفضل (مع إيران) لكننا في تلك الأثناء نحرم النظام الإيراني من مليارات ومليارات الدولارات وهم يتعرضون لأزمة سيولة“. وأضاف أن الجمهورية الإسلامية لن تعود لطاولة التفاوض دون ضغوط.

ورفضت طهران إعادة التفاوض على الاتفاق النووي وتقول إن برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي يشكل مصدرا آخر لقلق واشنطن وحلفاء لها في المنطقة مثل إسرائيل والسعودية، دفاعي ولا يمكن المساس به. وقال هوك إن واشنطن ترحب بخفض الصين لوارداتها من النفط الإيراني وإنه يتوقع انخفاضا أكبر في صادرات النفط الإيراني. وأضاف ”ما زلنا في البداية فحسب“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0