بعد صراع وتنافس سياسي عراقي ليس بالقصير تم رسميا تكليف السيد عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة الجديدة من رئيس جمهورية العراق الجديد برهم صالح، ووفقا للدستور العراقي يتحتم على عبد المهدي تقديم الكابينة الوزارية الجديدة خلال مدة أقصاها 30 يوما من تاريخ تكليفه. وشغل عبد المهدي عدة مناصب في الحكومات التي تشكلت بعد عام 2003 في العراق، من أبرزها منصب نائب رئيس الجمهورية للفترة بين 2006 و2010، ووزير النفط في حكومة العبادي التي تشكلت في 2014 قبل أن يستقيل من منصبه بعدها بعامين. كما شغل منصب وزير المالية في الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي في 2004.

عبد المهدي وحكومته الجديدة التي ستكون ايضا وبحسب بعض المراقبين، حكومة توافق ومحاصصة ستواجه تحديات كبيرة، خصوصا وان الشعب العراقي الذي عانى الكثير من الازمات والمشكلات طيلة السنوات السابقة بسبب نظام المحاصصة، الذي اسهم بتفشي الفساد في مفاصل الدولة قد ارسل مجموعة من الرسائل في الفترة السابقة اولها مقاطعة الانتخابات البرلمانية ثم التظاهرات الشعبية التي شهدتها العديد من المحافظات العراقية، يضاف الى ذلك الرسائل الاخرى التي قدمتها المرجعية العليا وباقي المنظمات في العراق، والتي اسهمت بعرقلة ترشيح رئيس الوزراء حيدر العبادي لولاية ثانية كما كان متوقعاً. تلك الرسائل المهمة يجب ان تكون دافع اساسي لعمل الحكومة الجديدة في سبيل معالجة المشكلات والازمات السابقة والسعي لتوفير الخدمات الضرورية من اجل ارضاء الشعب.

ويتحدر عادل عبد المهدي من عائلة برجوازية تعود أصولها إلى مدينة الناصرية جنوب العراق، وهو من تولد عام 1942 في بغداد. في عام 1963 نال شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بغداد، ثم حصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية من المعهد الدولي للإدارة العامة في باريس عام 1970. التحق عبد المهدي في شبابه بحزب البعث، لكنه ترك الحزب عام 1963، وتعرض للسجن وحكم عليه بالإعدام في ستينيات القرن الماضي. تحول بعدها إلى الشيوعية الماوية أثناء وجوده في فرنسا ثم انخرط في التيار الإسلامي وتحديدا المجلس الأعلى الذي كان يتزعمه في حينه محمد باقر الحكيم.

وفي خطوة جديدة كشف مصدر عراقي مطلع، ، عن وجود نية لدى عادل عبد المهدي المكلف بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، بالعيش خارج المنطقة الخضراء، وقال المصدر إن "عبد المهدي الذي يعيش في منطقة الكرادة القريبة من المنطقة الخضراء، يبحث إمكانية البقاء فيها أو في مكان آخر غير المنطقة الخضراء المحصنة"، موضحا "يريد عبد المهدي الاقتراب من الشارع العراقي وتشجيع بقية السياسيين على السكن بين الناس". وأضاف: "ما زال الأمر يبحث لكن يرجح أن عبد المهدي سيكون أول رئيس حكومة عراقية بعد 2003 يغادر المنطقة الخضراء". وتقع المنطقة الخضراء في وسط بغداد وهي محصنة وتسمى أيضا بالمنطقة الدولية، وتضم مقرات حكومية وبعثات دبلوماسية أبرزها السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى بعثتي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

صالح وعبد المهدي

وفي هذا الشأن انتخب البرلمان العراقي السياسي الكردي المخضرم برهم صالح رئيسا للبلاد ليكلف على الفور عادل عبد المهدي بتشكيل حكومة جديدة منهيا بذلك مأزقا استمر شهورا بعد انتخابات عامة غير حاسمة في مايو أيار. ومنصب الرئيس العراقي الذي يشغله عادة شخصية كردية هو منصب شرفي إلى حد بعيد لكن هذا التصويت خطوة رئيسية قبل تشكيل الحكومة الجديدة وهو ما فشل فيه الساسة منذ الانتخابات البرلمانية.

وفي أول تعليق له بعد انتخابه رئيسا للجمهورية قال صالح إنه سيحرص على الالتزام باليمن الدستورية للحفاظ على وحدة العراق وسلامته. وأكد صالح في كلمة أمام أعضاء مجلس النواب أنه سيكون "رئيسا للعراق وليس لفئة أو جهة واحدة". وحصل صالح على أصوات أعلى من منافسه مرشح الحزب الديموقراطي الكردستاني فؤاد حسين في الجولة الأولى من عملية الاقتراع التي جرت في مجلس النواب.

ورغم فوز صالح في الجولة الأولى، إلا أنه لم يحصل على أغلبية الثلثين المطلوبة وفقا للقانون، ليتم إجراء جولة ثانية فاز بها صالح أيضا ليصبح بذلك رئيسا للعراق. وقبل إجراء الجولة الثانية أعلن الحزب الديموقراطي انسحاب مرشحه من سباق التنافس على منصب رئيس الجمهورية، إلا أن رئاسة البرلمان رفضت ذلك واستمرت في إجراءات انتخاب الرئيس.

ويمهل الدستور العراقي الرئيس 15 يوما لدعوة مرشح أكبر كتلة برلمانية إلى تشكيل حكومة لكن صالح اختار أن يفعل ذلك بعد أقل من ساعتين من انتخابه. وأمام عبد المهدي الآن 30 يوما لتشكيل حكومة وعرضها على البرلمان للمصادقة عليها. ومنذ الإطاحة بصدام حسين في 2003 في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة يتم تقاسم السلطة في العراق بين أكبر ثلاثة مكونات عرقية وطائفية في البلاد. ويخصص منصب رئيس الوزراء لعربي شيعي بينما يتولى رئاسة البرلمان‭ ‬عربي سني ويتولى الرئاسة كردي.

وقضت الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها مدينة البصرة العراقية تقريبا على فرص رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي يحظى بدعم الولايات المتحدة في الفوز بفترة ثانية. فقد سقط 15 قتيلا من المحتجين على انقطاع الكهرباء وتلوث المياه وسوء الخدمات وما يرون أنه استشراء للفساد في ثاني أكبر مدن العراق ولقي كثيرون منهم حتفهم في اشتباكات مع قوات الأمن.

ويحمل حلفاء سياسيون وقيادات المؤسسة الدينية العبادي مسؤولية الاضطرابات الأمر. وأيدت الولايات المتحدة العبادي لأنها رأت فيه سياسيا معتدلا يمكن أن يحقق الاستقرار للعراق الذي هزته عوامل طائفية واضطرابات سياسية. غير أن واشنطن ربما تكون قد أخطأت في حساباتها ولم تستعد بالبدائل. ومن شأن انهيار ترشيح العبادي أن يقلل النفوذ الأمريكي على المسرح السياسي في العراق حيث تتنافس الولايات المتحدة مع إيران. وقد وسعت طهران باطراد نطاق نفوذها في البلاد منذ الإطاحة بصدام حسين عام 2003.

وتمثل الاحتجاجات في جنوب العراق حيث المركز الرئيسي لصناعة النفط في البلاد رفضا للمؤسسة السياسية التي تشبثت بالسلطة بدعم من الولايات المتحدة وإيران رغم فشلها في تحسين ظروف المعيشة. ولم تدم المكاسب السياسية التي ولدها ما حققه العبادي من انتصار على تنظيم داعش في البلاد العام الماضي بدعم أمريكي وسلطت المشاكل التي تعاني منها البصرة الضوء على الفشل الحكومي على مدى سنوات. وقال علي المولوي رئيس قسم الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط ”الرسالة القادمة من البصرة عالية وواضحة لكل النخب السياسية. فقد أدركت... أن هناك قنبلة موقوتة“.

تقصير حكومي

الى جانب ذلك اعتبر الرئيس المنتخب للبرلمان العراقي محمد الحلبوسي أن "التقصير" الحكومي سبب أساسي في الأزمة الصحية التي تعاني منها محافظة البصرة في جنوب البلاد. وقال الحلبوسي خلال مؤتمر صحافي في مدينة البصرة التي زارها على رأس وفد نيابي إن "المشاكل الموجودة في البصرة ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكمات من التقصير والإهمال للحكومة المركزية، والحكومات المحلية السابقة".

وانتخب البرلمان محافظ الأنبار السابق محمد الحلبوسي (37 عاما) ليصبح بذلك أصغر رئيس للبرلمان في تاريخ العراق. واستهل الحلبوسي ولايته باجتماع في محافظة البصرة، التي تشهد أزمة صحية غير مسبوقة، نقل على أثرها 60 ألف شخص إلى المستشفى بعدما تسمموا بالمياه الملوثة. وشهدت المحافظة احتجاجات دامية، انطلقت في تموز/يوليو الماضي ضد الفساد وانعدام الخدمات، ثم اتخدت منحى تصاعديا أسفرت عن مقتل 12 متظاهرا خلال أسبوع واحد. والتقى الحلبوسي محافظ البصرة أسعد العيداني، ورئيس مجلس المحافظة وليد حبيب كيطان. وأكد أن "مجلس النواب سيواصل التنسيق مع الحكومة الاتحادية والمحلية لأجل اعادة الحياة للبصرة".

وأمام نحو 172 نائبا حاضرا من أصل 329، قال رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العبادي إن "البصرة عامرة وتبقى عامرة بأهلها (...) والخراب فيها هو خراب سياسي". وأضاف "مطالب أهل البصرة هي توفير الخدمات، يجب أن نعزل الجانب السياسي عن الجانب الخدمي، هناك تظاهرات. هم أنفسهم أدانوا أعمال التخريب والحرق". ومنذ بداية تموز/يوليو الماضي، خرج الآلاف في البصرة بداية، ثم في كامل الجنوب العراقي، في تظاهرات ضد الفساد وانعدام الخدمات العامة والبطالة التي زاد من سوئها العام الحالي الجفاف الذي قلص الإنتاج الزراعي بشكل كبير. بحسب فرانس برس.

وأصدر رئيس الوزراء حيدر العبادي أوامر بـ"تخويل القوات الأمنية بالتعامل بحزم مع أعمال الشغب التي رافقت التظاهرات وحماية المؤسسات العامة والخاصة (...) واتخاذ الإجراءات القانونية الشديدة"، بحسب بيان صادر عن قيادة العمليات المشتركة. ودعا البيان أيضا المواطنين إلى "الابتعاد عن أي تجمع يستهدف التقرب من المؤسسات وعدم التجمع والتنقل بمجموعات من منطقة إلى أخرى والالتزام بالتوصيات الأمنية الاستثنائية".

من جانب اخر وفيما يص اسعار النفط اهم ثروات العراق الذي ما يزال يعيش حالة من التقشف فقد سجل العراق في أيلول/سبتمبر الماضي رقما قياسيا جديدا في معدل عائدات النفط الخام مع تحقيق أرباح فاقت 7.9 مليار دولار، نتيجة ارتفاع أسعار الخام. وأعلنت وزارة النفط العراقية في بيان الاثنين أن مجموع الكميات المصدرة من النفط الخام خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي بلغ "أكثر من 106 مليون و795 ألف برميل، حققت إيرادات تبلغ سبعة مليارات و912 مليونا و571 ألف دولار". وتستند الأرقام المشار إليها في البيان إلى 74.091 دولارا كمعدل لسعر البرميل الواحد.

وهذه العائدات هي الأعلى التي يحققها العراق خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعدما أعلنت السلطات قبل عام تقريبا "النصر" على داعش الذي سيطر منذ 2014 على مساحات شاسعة من العراق وسورية. وكانت الوزارة قد أعلنت الشهر الماضي أنها سجلت أعلى معدل صادرات للنفط الخام في آب/أغسطس، وبلغت الإيرادات حينها سبعة مليارات و729 مليون دولار.

ويأتي الارتفاع الآن في أعقاب ارتفاع سعر البرميل، خصوصا أن الصادرات انخفضت في أيلول/سبتمبر إلى 106 براميل، مقارنة مع 111 مليون برميل في آب/أغسطس. تجدر الإشارة إلى أن عائدات النفط بلغت في أيلول/سبتمبر من العام الماضي 4.9 مليار دولار. ويدعو العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك بواقع نحو 4.5 ملايين برميل في اليوم، باستمرار إلى رفع أسعار النفط الخام بهدف دعم ميزانيته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0