الأزمة الدبلوماسية بين كندا والسعودية تتصاعد بشكل متسارع، بعد ان سعت الرياض التي أعلنت في 6 أغسطس أنها طلبت من السفير الكندي لديها مغادرة البلاد، واستدعت سفيرها لدى كندا، وجمّدت التعاملات التجارية مع أوتاوا، بسبب ما وصفته بالتدخّل الكندي في شؤونها الداخلية. بعد مطالبة كندا بالإفراج الفوري عن نشطاء في المجتمع المدني بالسعودية. الى تكثيف ضغوطها واجراءاتها ضد كندا وهو ما عده البعض رسالة جديدة ومهمة من قبل الرياض لجميع الدول الاخرى، التي تسعى الى انتقاد السلطات السعودية وخصوصا فيما يخض قضايا حقوق الانسان، على مدى أعوام كما نقلت بعض المصادر لم يتجاوز الضغط الكندي بشأن حقوق الإنسان في السعودية أكثر من الرفض العادي لكن كل ذلك تغير عندما تُرجمت تغريدة كندية إلى العربية وأشعلت نزاعا دبلوماسيا. وعندما ردت الرياض على دعوة وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند لإطلاق سراح ناشطي مجتمع مدني بقطع مفاجئ للعلاقات الدبلوماسية والتجارية، وجد المسؤولون الكنديون أنفسهم في حيرة محاولين فهم حقيقة ما حدث.

لكن ما لم تتوقعه أوتاوا أن ما فعلته وزيرة الخارجية يعتبر تجاوزا لخط أحمر من وجهة نظر السعوديين. وفي الثاني من أغسطس آب كتبت فريلاند تغريدة بالإنجليزية والفرنسية طالبت فيها بإطلاق سراح ناشطتين سعوديتين في مجال حقوق الإنسان. وفي اليوم التالي كتبت وزارة الخارجية الكندية تغريدة أخرى قالت فيها ”نحث السلطات السعودية على الإفراج فورا عنهما وعن كل النشطاء السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان“.

وترجمت السفارة الكندية في الرياض التغريدة إلى العربية وأرسلتها في الخامس من أغسطس آب إلى نحو 12 ألف متابع. وكان رد فعل السعودية سريعا فبعد ساعات من نشر التغريدة باللغة العربية استدعت الحكومة السعودية سفيرها ومنعت سفير كندا من العودة إلى الرياض وفرضت حظرا على المعاملات التجارية الجديدة. وقال مصدر مطلع طلب عدم ذكر اسمه إن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ناقش التغريدة المنشورة بالعربية في اتصال هاتفي مع نظيرته الكندية واحتج على التدخل في شؤون المملكة. ويقول مسؤولون كنديون إنه لا يوجد شيء لافت للانتباه بخصوص التغريدة العربية التي تكرر فحسب موقف أوتاوا المعلن في تطبيق شائع للبعثات الخارجية.

وأثارت كندا مسألة احتجاز ناشطي المجتمع المدني من قبل. ففي مايو أيار نشرت سفارة كندا لدى الرياض تغريدة بالإنجليزية عبرت فيها عن قلقها بشأن القبض على ناشطين وقالت إن ”من المهم احترام سيادة القانون“ ولم تثر هذه التغريدة أي رد فعل من الشعب السعودي. ويظهر رد الفعل الضخم على التغريدة كيف أن المملكة أصبحت تتخذ مواقف أكثر شدة تجاه ما ترى أنه تدخل في شؤونها الداخلية في قضايا مثل حقوق الإنسان وربما شجعها استعداد واشنطن تحت حكم دونالد ترامب لتنحية قضايا حقوق الإنسان جانبا عندما يتعلق الأمر بحلفائها.

وتشهد العلاقات بين الرياض وواشنطن حاليا تقاربا استثنائيا بعدما كانت متوترة أثناء حكم الرئيس السابق باراك أوباما نظرا لأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وترامب يتفقان في مخاوفهما بشأن إيران. وعلى النقيض من ذلك اختلف ترامب مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو خلال قمة مجموعة السبع في يونيو حزيران بأسلوب غير معتاد علنا. وحثت وزارة الخارجية الأمريكية الجانبين على حل النزاع بينهما بالطرق الدبلوماسية.

وقال توماس جونو الأستاذ المساعد والخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة أوتاوا ”كندا ضرر ثانوي. الأمر في جوهره لا يتعلق بكندا وإنما يتعلق برغبة السعودية في إرسال رسالة أوسع نطاقا إلى جيرانها وإلى البلدان الديمقراطية الأخرى“. وباغت رد الفعل السعودي مسؤولي الشؤون الخارجية الكنديين ومنهم وزيرة الخارجية فريلاند، الذين اجتمعوا في مؤتمر أقيم في أحد فنادق فانكوفر ووضعهم في حالة من التخبط.

الاطباء السعوديون

وفي هذا الشأن أبلغت السعودية مئات الأطباء تحت التمرين بمغادرة كندا خلال بضعة أسابيع في خضم أزمة دبلوماسية بين البلدين، وذلك في خطوة قد تعرقل سير العمل في المستشفيات الكندية وتنهي برنامجا يعود إلى 40 عاما لتدريب الأخصائيين. وأثارت دعوة أوتاوا إلى إطلاق سراح نشطاء المجتمع المدني في السعودية غضب المملكة ودفعتها للرد بتجميد التعاملات التجارية الجديدة مع كندا وطرد سفيرها ووقف واردات الحبوب الكندية.

وأمرت الرياض جميع الطلاب السعوديين في كندا بالعودة إلى بلادهم، مما أوجد مأزقا لوجستيا للطلاب ولأكبر المستشفيات التعليمية في كندا. والسعودية هي أكبر بلد يأتي منه الأطباء المقيمون أو الباحثون أو المتدربون في مجال الطب من الأجانب في كندا، وكان من المنتظر أن تستأثر بنحو 95 في المئة من عدد الأطباء المقيمين في العام الدراسي المقبل.

وذكرت رابطة كليات الطب الكندية أن كليات الطب في السعودية أسهمت في 2016 بنحو خمسة في المئة من الأطباء المتدربين في كندا أو 765 طبيبا. وقالت جيليان هوارد المتحدثة باسم منظمة يونيفرسيتي هيلث نتوورك التي تدير أربع مستشفيات في كندا يعمل بها 86 طبيبا ”سنضطر إلى تغطية أي نفص في الجدول إما بمتدربينا أو بأطبائنا“. وأضافت ”سيكون الأمر منهكا لكن ستعين علينا القيام به“.

وذكر مسؤولون سعوديون للتلفزيون الرسمي أن أمر الإعادة يشمل نحو 12 ألف طالب وأفراد أسرهم. وقال أمير عطاران أستاذ القانون والطب بجامعة أوتاوا إن طالبا سعوديا لا يعرفه طرق بابه وطلب مساعدته للبقاء في البلاد فرد عليه بالقول ”ليس بوسعي شيء أفعله“. وقالت أسيل أمين من نادي الطلاب السعوديين في أوتاوا إن طلاب المملكة يشعرون ”بالقلق“ ويبحثون عن مزيد من التوجيهات من حكومتهم بشأن ما يتعين عليهم فعله. وأضافت أن بعضهم يبحث عن كيفية فسخ عقود الشقق التي يسكنونها وبيع الأثاث وشراء تذاكر سفر.

وأنشأت شركة الخطوط الجوية السعودية وهي الناقل الوطني خطأ ساخنا للطلاب كي يتصلوا به ورتبت إعادتهم للوطن. وكانت أعلنت أنها ستعلق خدمتها إلى كندا اعتبارا من الاثنين. وعبرت وزارة التعليم السعودية على تويتر عن أملها في أن يسرع الطلاب بإنهاء علاقاتهم بكندا ويتقدموا للحصول على تذكرة عودة إلى المملكة. بحسب رويترز.

وقالت الرابطة التي تمثل الأطباء المقيمين في كندا في بيان إن المغادرة القسرية للطلاب السعوديين ”قد تكون لها عواقب سلبية للغاية“ على قدرة نظام الرعاية الصحية الكندي على توفير رعاية مناسبة. والمتدربون السعوديون في مجال الطب جزء من برنامج تموله الرياض منذ أربعة عقود لتدريب خريجين سعوديين كي يمارسوا الطب في بلادهم في نهاية المطاف. وقالت الحكومة السعودية إنها ستنقل المواطنين الذين يدرسون في كندا إلى دول أخرى دون أن توضح متى وكيف سيستأنف الباحثون في مجال الطب تدريبهم المتخصص.

الحقوق وغصن الزيتون

الى جانب ذلك قال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إنه سيواصل الضغط على السعودية بشأن الحريات المدنية وسط خلاف دبلوماسي كبير لكنه عرض أيضا غصن الزيتون، مشيرا إلى أن المملكة حققت بعض التقدم في حقوق الإنسان. وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في مؤتمر صحفي في الرياض ”ما في (لا يوجد) داعي للوساطة. كندا ارتكبت خطأ كبيرا وعلى كندا أن تصحح هذا الخطأ، وكندا تدرك تماما ما هو المطلوب منها في هذا الشأن“.

وأبلغ ترودو الصحفيين بأن وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند أجرت حوارا مطولا مع نظيرها السعودي. لكنه لم يخض في التفاصيل. وأشار ترودو إلى الأمر على أنه ”خلاف دبلوماسي في الرأي“. وقال ترودو ”المحادثات الدبلوماسية ستستمر... لا نريد أن تكون لنا علاقات سيئة مع السعودية. إنها دولة ذات أهمية كبرى في العالم وتحرز تقدما في مجال حقوق الإنسان“. وأضاف ”لكننا سنواصل التأكيد على التحديات حيثما وجدت في السعودية وفي أي مكان آخر“.

وعبرت كندا عن قلقها إزاء اعتقال نشطاء في السعودية بمن فيهم الناشطة البارزة في الدفاع عن حقوق المرأة سمر بدوي. ويقضي شقيقها رائف بدوي، وهو مدون بارز، عقوبة بالسجن لمدة 10 سنوات. وقد تم جلده علنا بسبب تعبيره عن آراء معارضة على الإنترنت. وتعيش زوجته وأطفاله في كندا وهم مواطنون كنديون. وقالت جماعات مدافعة عن حقوق الإنسان إن عددا من الناشطات في مجال حقوق المرأة، اللواتي قمن بحملات من أجل الحق في قيادة السيارة وإنهاء نظام ولاية الرجل في المملكة، قد تم استهدافهن في حملة حكومية في الأشهر الأخيرة.

وقال الجبير إن ”المملكة العربية السعودية اتخذت اجراءات الآن والنظر قائم في اتخاذ مزيد من الاجراءات“. ولم يكشف تفاصيل عن الأمر. وردا على سؤال عن سبب اعتقال النشطاء قال الجبير إن الاتهامات الموجهة لهم ستعلن عندما تصل القضايا للمحاكم مكررا مزاعم سابقة بأنهم على اتصال بكيانات أجنبية. وقال الجبير ”الموضوع لا يتعلق بحقوق الإنسان وإنما بأمور أمن الدولة“. وذكر أن الاستثمارات الكندية في المملكة ما زالت قائمة ولن تتأثر بالخلاف.

وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن البنك المركزي السعودي وصناديق التقاعد الحكومية وجهت مديري الأصول في الخارج لبيع الأسهم والسندات والحيازات النقدية الكندية ”مهما كلف الأمر“. وذكر متحدث حكومي كندي أن وزارة الخارجية لا تزال تسعى لاستيضاح موقف الحكومة السعودية بشأن عدد من القضايا. وقال مصدر من بنك سعودي إن البنك المركزي اتصل بالبنك ليطلب معلومات عن أصوله الكندية واستثماراته في كندا ووضع النقد الأجنبي. وأضاف المصدر أن البنك لم يتلق تعليمات ببيع أصول إذ أنه لا يملك أصولا في كندا.

وعبرت روسيا عن تأييدها للسعودية في الخلاف المتصاعد مع كندا قائلة إنه من غير المقبول أن تلقي أوتاوا محاضرة على المملكة عن حقوق الإنسان. ومنذ صعوده إلى دوائر صنع القرار في 2015، سعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لاستمالة الحلفاء الغربيين لدعم خططه الإصلاحية، وعرض صفقات أسلحة بمليارات الدولارات وتعهد بمحاربة التطرف في المملكة. بحسب رويترز.

لكن الخلاف يهدد بإبطاء وتيرة الاستثمارات الأجنبية للرياض والتي تأثرت بالفعل نتيجة سلسلة من مبادرات السياسة الخارجية الجريئة من المملكة. وكتب المعلق جمال خاشقجي في صحيفة واشنطن بوست ”السعودية ببساطة لا تستطيع تحمل إبعاد أي أطراف أخرى من المجتمع الدولي في خضم مشاركتها العسكرية التي لا تحظى بشعبية في اليمن، مواجهتها غير المباشرة مع إيران“.

الحجاج والطلبة

على صعيد متصل يواجه مسلمو كندا المسافرون لأداء فريضة الحج تأخيرات في العودة بسبب نزاع دبلوماسي مع السعودية دفع آلاف الطلبة المبعوثين من المملكة للتعجل في بيع ممتلكاتهم والعودة لبلادهم وفاء بمهلة الشهر المحددة لهم. ومع استمرار الأزمة تسعى كندا للاستعانة بحلفائها من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لكسب دعمها والتحاور مع السعودية لتسوية النزاع.

وكانت الرياض قطعت العلاقات الدبلوماسية والتجارية هذا الشهر مع كندا ردا على تغريدة لوزيرة الخارجية كريستيا فريلاند طالبت فيها بالإفراج عن نشطاء المجتمع المدني في المملكة. كما أعلنت المملكة إنهاء كل البرامج التعليمية والطبية التي تمولها الرياض في كندا الأمر الذي دفع الطلبة السعوديين للتعجل في إجراءات العودة للبلاد. وفي هاليفاكس نظم مسجد الأمة معرضا لمساعدة الطلبة على بيع ما يملكون من أثاث وأجهزة إلكترونية بل وسيارات.

وقال إمام المسجد عبد الله يسري ”بعضهم لم يصل إلا قبل أسبوع وأصبح يستعد للرحيل ... وبعضهم كان في السعودية لقضاء العطلة الصيفية وعادوا لبيع“ متعلقاتهم والسفر من جديد. وحتى نهاية يونيو حزيران الماضي كان هناك أكثر من 5100 طالب سعودي يحملون تصاريح دراسة سارية في مؤسسات جامعية في كندا. وحجز كثيرون من مسلمي كندا تذاكر للسفر على طائرات الخطوط السعودية لأداء فريضة الحج. ورغم أن رحلات السفر إلى المملكة قبل 13 أغسطس آب لم تتأثر بالنزاع فقد أصبحت رحلات العودة مصدر قلق لكثيرين.

وقال جواد تشودري سمسار العقارات في هاميلتون عن والدته المسافرة على الخطوط السعودية لأداء مناسك الحج ”نحن كأسرة قلقون لأننا لا نريد لها أن تجد نفسها في مطار عاجزة عن السفر“. قال متحدث باسم وزيرة الخارجية الكندية إنها تحدثت مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي وألمانيا والسويد والإمارات في محاولة للبحث عن دعم. وأضاف ”نجري حوارا مستمرا مع السعوديين وهذا مشجع ونحن نعلم أننا بحاجة للحفاظ على حوار مفتوح معهم لتسوية هذه المشكلة“. غير أن صمت الدول التي اعتادت مساندة كندا أثار بعض القلق في أوتاوا.

وقال رولاند باريس مستشار الشؤون الخارجية السابق لرئيس الوزراء الليبرالي جاستين ترودو إن المشكلة الكبرى هي مستقبل العلاقات في عالم لم يعد فيه بإمكان كندا أن تعول على دعم حلفائها الكبار. وأضاف ”نحن نرى ملمحا مما يبدو عليه العالم عندما لا تكون الولايات المتحدة مدافعا قويا عن حقوق الانسان، عالم تطأطئ فيه الديمقراطيات الليبرالية رؤوسها“. بحسب رويترز.

وحثت وزارة الخارجية الأمريكية كندا والسعودية على استخدام الدبلوماسية في تسوية نزاعهما الذي لم تتطرق إليه مكالمة هاتفية جرت بين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم الاثنين. وقال بوب راي الزعيم السابق للحزب الليبرالي الاتحادي إن كندا يجب أن تنهج نهجا أكثر استراتيجية في كيفية دعم برامجها المتعلقة بحقوق الانسان. وأضاف ”من الضروري أن يكون هناك إحساس أوضح بالاستراتيجية للأسباب التي تدفعنا للتدخل في بعض المواقف وعدم التدخل في غيرها، وكيف يمكن للمرء أن يتوقع أن تتقبل الدول النقد ولا ترد“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0