تفاقمت الازمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وكندا، والتي اندلعت في وقت سابق بعد أن نشرت السفارة الكندية في الرياض تغريدات تبدي فيها قلقها من موجة الاعتقالات الجديدة التي تقوم بها السلطات السعودية استهدفت ناشطين، بينهم وكما نقلت بعض المصادر، سمر بدوي شقيقة الناشط رائف بدوي المعتقل منذ 2012. وطالبت السفارة بالإفراج فورا عن الناشطين المعتقلين، وهو ما اثار غضب السعودية التي رأت في هذا الموقف تدخلا "سافرا" في شؤون الداخلية للملكة، التي قرارات تجميد كافة التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة، وإيقاف برامج التدريب والابتعاث والزمالة إلى كندا. كما اعلنت طرد السفير الكندي واستدعاء سفيرها لدى كندا. كما أعلنت الخطوط الجوية السعودية على حسابها الرسمي بموقع تويتر إيقاف رحلاتها من وإلى تورنتو بكندا، في أحدث الإجراءات التي اتخذتها المملكة في خلافها الدبلوماسي مع كندا.

ويقول محللون إن التصعيد الدبلوماسي السعودي تجاه كندا يُظهر أن الرياض لن تقبل أي انتقادات خارجية لأوضاعها الداخلية، وستستمر في استعراض عضلاتها في الخارج، خاصة في ظل العلاقة الوطيدة التي تربطها بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتنقل وكالة أسوشيتد برس عن الباحث المتخصص في الشأن الخليجي جيورجيو كافييرو قوله إن هذا التصعيد "رسالة" ليست موجهة لكندا فحسب، بل أيضا للدول الأوروبية وغيرها، ومفادها أن انتقاد السعودية له عواقب.

ويشير المحللون في هذا الإطار إلى قرارات سعودية مشابهة تجاه دول أوروبية مثل ألمانيا والسويد، بسبب مواقف تتعلق إما بحقوق الإنسان في المملكة أو بسياساتها في المنطقة، خاصة حربها في اليمن وحصار قطر. وحصلت سمر بدوي، منذ سنوات على اعتراف دولي، ولاسيما بعد نيلها "الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة"، التي منحتها إياها واشنطن سنة 2012. ويعرف عن بدوي حسب "هيومن رايتس ووتش"، وهي من مواليد 1981، تحديها لنظام ولاية الرجل "التمييزي" في السعودية، حيث كانت في طليعة اللواتي طالبن الرياض بالسماح للمرأة بقيادة السيارة والتصويت والترشح في الانتخابات البلدية.

وخلال مسيرتها، رفعت بدوي دعاوى قضائية ضد والدها اتهمته فيها بممارسة العنف الجسدي ضدها طيلة 15 عاما، وقالت إنه يتعاطى المخدرات وتزوج من 14 إمرأة، وليس لديه وظيفة بسبب إهداره للمال لأجل الحصول على المخدرات. كما قاضت بدوي وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية، بسبب رفض تسجيل ترشحها للانتخابات البلدية لعام 2011، وشاركت في حملة قيادة المرأة السعودية للسيارة عامي 2011 و2012، واستمرت في نضالها النسوي، حتى لبت السلطات هذه المطالب وسمحت بترخيص قيادة السيارة للمرأة في البلاد. وفي ديسمبر/كانون الأول 2014، منعت بدوي من السفر إلى الخارج، وفي يناير/كانون الثاني 2016، تعرضت للتوقيف المؤقت، وأيضا نتيجة لنشاطات تؤمن هي بسلميتها، وتحرج السلطات.

خلاف متصاعد

وفي هذا الشأن قالت السعودية إنها أوقفت جميع برامج علاج المرضى في كندا وتعمل على نقل كل المرضى السعوديين من المستشفيات هناك، وذلك وسط خلاف متصاعد بعد أن حثت أوتاوا الرياض على الإفراج عن نشطاء حقوقيين. وجمدت السعودية التعاملات التجارية والاستثمارات الجديدة مع كندا وطردت السفير الكندي، مما دفع كندا للسعي إلى مساعدة الإمارات وبريطانيا لنزع فتيل النزاع.

ومنذ صعوده إلى السلطة في 2015، سعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لاستمالة الحلفاء الغربيين لدعم خططه الإصلاحية، وعرض صفقات أسلحة بمليارات الدولارات وتعهد بمحاربة التطرف في المملكة. وتم بحث استثمارات بمئات المليارات من الدولارات خلال زيارته للولايات المتحدة وأوروبا. وسلط الخلاف مع كندا الضوء على اعتقال عشرات النشطاء السياسيين والحقوقيين في السعودية خلال العامين الماضيين.

وقالت وكالة الأنباء السعودية إن السعودية أوقفت إرسال المرضى إلى المستشفيات الكندية و“تعمل على التنسيق من أجل نقل جميع المرضى السعوديين من المستشفيات الكندية... تنفيذا لتوجيه المقام السامي الكريم“. ولم يتضح كم عدد المرضى السعوديين الذين سيتأثرون بالقرار وكم منهم مشمول بنظام الرعاية الصحية في المملكة. وتقدم الحكومة خدمات رعاية صحية للموظفين الحكوميين من خلال عدة وكالات حكومية. وتأتي الخطوة في أعقاب سلسلة إجراءات اتخذتها السعودية منذ بدء الخلاف.

وعلقت المملكة برامج التبادل الدراسي مع كندا ونقلت طلاب البعثات الدراسية السعوديين إلى دول أخرى، بينما قالت الخطوط الجوية السعودية إنها أوقفت رحلاتها من وإلى تورنتو.

وفي داخل السعودية، أيدت حملة إعلامية الإجراءات وانتقدت سجل حقوق الإنسان في كندا وأشادت بحزم الحكام السعوديين في ”حماية سيادة المملكة“. وأطلق ولي العهد الأمير محمد حملة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي لكنه لم يخفف الحظر التام المفروض على النشاط السياسي. وعبرت كندا عن قلقها إزاء اعتقال نشطاء في المملكة بينهم المدافعة البارزة عن حقوق المرأة سمر بدوي، ودعت للإفراج عنهم. وقالت الرياض إن ”الموقف الكندي يعد تدخلا صريحا وسافرا في الشؤون الداخلية للمملكة“.

كندا والحقوق الإنسانية

من جانب اخر أكدت كندا تمسكها بحقوق الإنسان في خضم أزمة دبلوماسية مع السعودية حول الموضوع، إذ قالت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند إن بلادها "ستدافع على الدوام عن الحقوق الإنسانية"، وهذا بعد ساعات قليلة من قرار الرياض طرد السفير الكندي بعد اتهام أوتاوا بـ"التدخل في الشؤون الداخلية" للمملكة.

وقالت الوزيرة الكندية خلال افتتاح مؤتمر حول المساواة بين الجنسين في فانكوفر، في إشارة واضحة إلى الأزمة مع الرياض، "لتكن الأمور واضحة للجميع هنا وللكنديين الذين يتابعوننا في كندا وبقية العالم: ستدافع كندا على الدوام عن الحقوق الإنسانية أكان في كندا أم في بقية أنحاء العالم". وأكدت أن "حقوق النساء هي حقوق إنسانية"، بعدما انتقدت توقيف الناشطة سمر بدوي وزميلتها نسيمة السادة في السعودية.

وأضافت "التزام كندا بإدراج الحقوق الإنسانية في صلب سياستها الخارجية أثار الاهتمام في الأيام الأخيرة، أشير بالتأكيد إلى طرد سفير كندا في السعودية". وأعربت كندا عن قلقها وطلبت توضيحات بعد إعلان طرد سفيرها في الرياض ردا على انتقادات أوتاوا لقمع المعارضين في السعودية. وأعلنت السعودية أنها طلبت من السفير الكندي مغادرة البلاد وقررت استدعاء سفيرها في كندا وتجميد التعاملات التجارية معها ردا على انتقادات وجهتها أوتاوا للمملكة بشأن حقوق الإنسان.

واعتقلت بدوي مع الناشطة نسيمة السادة، وقالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" إنهما "آخر ضحايا حملة قمع حكومية غير مسبوقة على حركة حقوق المرأة". وتأتي هذه الاعتقالات بعد أسابيع على اعتقال أكثر من 10 نساء ناشطات في مجال حقوق المرأة تم اتهامهن بتقويض الأمن القومي والتعامل مع أعداء الدولة، وقد أفرج عن بعضهن بعد ذلك.

وأعربت الخارجية السعودية عن غضبها من البيان الكندي وقالت "من المؤسف جدا أن يرد في البيان الكندي عبارة ’الإفراج فورا‘ وهو أمر مستهجن وغير مقبول في العلاقات بين الدول". وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في بيان نقلته قناة الإخبارية السعودية الرسمية "المملكة لن تقبل أي محاولة للتدخل في شؤونها" معتبرا أن "الموقف الكندي المستغرب مبني على معلومات مضللة". وأعرب رئيس الوزراء الكندي نفسه جاستن ترودو لولي العهد السعودي في نيسان/أبريل الماضي عن "قلقه الكبير والمتواصل" بشأن المدون المعتقل. أما نسيمة السادة فهي ناشطة من مدينة القطيف الساحلية وعملت لفترة طويلة من أجل إلغاء نظام "ولاية الرجل" ورفع حظر قيادة المرأة للسيارة.

حل الخلافات

الى جانب ذلك قالت مصادر إن كندا تعتزم السعي للحصول على مساعدة الإمارات وبريطانيا لنزع فتيل نزاع دبلوماسي متصاعد مع السعودية، لكن الولايات المتحدة الحليف الوثيق لكندا أوضحت أنها لن تتدخل. وذكر مصدر مطلع أن الحكومة الليبرالية بقيادة رئيس الوزراء جاستن ترودو، التي تشدد على أهمية حقوق الإنسان، تعتزم التواصل مع الإمارات. وقال المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية الوضع ”السبيل هو العمل مع الحلفاء والأصدقاء في المنطقة لتهدئة الأمور، وهو ما يمكن أن يحدث سريعا“. وأفاد مصدر آخر بأن كندا ستسعى أيضا للحصول على مساعدة بريطانيا. وحثت الحكومة البريطانية كندا والسعودية على ضبط النفس.

ونأت الولايات المتحدة بنفسها عن التدخل في الأزمة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر ناورت ”ينبغي للجانبين أن يحلا ذلك بالوسائل الدبلوماسية. لا يمكننا فعل ذلك نيابة عنهما، ويتعين عليهما حل ذلك معا“. وقال المصدر الأول إن كندا تتفق مع وجهة نظر خبراء السياسة الخارجية الذين يرون أن رد الفعل السعودي يعكس التوتر الداخلي بالسعودية، حيث يحاول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (32 عاما) إقرار إصلاحات داخلية.

ومن المتوقع أن يضر النزاع بالعلاقات التجارية الثنائية البالغ حجمها حوالي أربعة مليارات دولار سنويا. وتقول كندا إنها لا تعرف مصير عقد دفاعي قيمته 13 مليار دولار لبيع مركبات مدرعة للسعودية. وذكر تجار أوروبيون أن المؤسسة العامة للحبوب السعودية أبلغت مصدري الحبوب أنها ستتوقف عن شراء القمح والشعير الكنديين في مناقصاتها العالمية. وأضاف التجار أنهم تلقوا إخطارا رسميا بذلك من المؤسسة. بحسب رويترز.

وقالت نسخة من الإخطار”اعتبارا من السابع من أغسطس (آب) 2018، لن تقبل المؤسسة العامة للحبوب بتوريد شحنات قمح الطحين أو علف الشعير ذات المنشأ الكندي.“ وتشير بيانات وكالة الإحصاءات الحكومية الكندية إلى أن إجمالي مبيعات القمح الكندي للسعودية عدا القمح الصلد بلغ 66 ألف طن في 2017 و68 ألفا و250 طنا في 2016.

دعوات وتضامن

على صعيد متصل قالت مصر إنها تقف مع الرياض في خلافها مع كندا وأعلنت تضامنها معها في موقفها الرافض لتدخل أوتاوا في الشؤون الداخلية للمملكة. وأشارت وزارة الخارجية المصرية في بيان على صفحتها الرسمية على فيسبوك إلى ” تضامن مصر مع المملكة العربية السعودية في موقفها الرافض لأي تدخل خارجي في شئونها الداخلية أو محاولة المساس بسيادتها“. وقالت وزارة الخارجية أن مصر ”تتابع بقلق تطورات الأزمة الحالية بين المملكة العربية السعودية وكندا وتعتبرها نتاجا مباشرا للنهج السلبي الذي اتخذته بعض الأطراف الدولية والإقليمية مؤخرا بالتدخل في الشئون الداخلية للعديد من دول المنطقة“.

من جانبها، أعلنت الجامعة العربية مساندتها للمملكة، رافضة التدخل في شؤونها الداخلية. فيما يرى محللون أن الإجراءات المفاجئة التي اتخذتها الرياض هي "محاولة واضحة لتخويف الدول بهدف تخفيف حدة انتقاداتهم للسعودية". وأصدرت الأمانة العامة للجامعة العربية بيانا، تساند فيه المملكة السعودية في خلافها الدبلوماسي مع كندا، رافضة التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة.

وقالت الأمانة "إنها تراقب باهتمام كبير التطورات الحالية للخلاف الدبلوماسي القائم (...) وتؤكد في هذا الصدد مساندتها لموقف المملكة العربية السعودية في رفض التدخل في شؤونها الداخلية". واعتبرت الجامعة أن الخلاف يأتي "كإنعكاس لوجود نهج غير إيجابي يشهد توسع بعض الدول في توجيه الانتقادات والإملاءات لدول أخرى في ما يخص أوضاعها أو شؤونها الداخلية".

من جهتها، حثت بريطانيا كندا والسعودية على ضبط النفس. وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية البريطانية إن "كلا من كندا والسعودية شريك وثيق للمملكة المتحدة ونحث على ضبط النفس في الموقف الحالي". وأضافت المتحدثة أن "المملكة المتحدة مؤيد قوي لحقوق الإنسان. ونبدي قلقنا بشكل منتظم للحكومة السعودية بشأن قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك احتجاز مدافعين عن حقوق الإنسان في الآونة الأخيرة".

وقالت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاد "ستدافع كندا على الدوام عن الحقوق الإنسانية أكان في كندا أم في بقية أنحاء العالم". وأضافت ردا على سؤال حول مصير عقد المدرعات الخفيفة الذي تم توقيعه في العام 2014 أن هذا السؤال "سابق لأوانه" وأنه يجب أن يُطرَح على الرياض. تعبر الإجراءات المفاجئة التي اتخذتها الرياض ضد كندا عن نهج جديد في السياسة الخارجية للمملكة يقوم على التشدد في مواجهة أي انتقادات خارجية للحملة التي تشنها الرياض ضد نشطاء في حقوق الإنسان، حسبما يرى خبراء. ويتفق خبراء في السياسة الخليجية على أن الإجراءات السعودية ردة فعل مبالغ فيها من قبل المملكة التي دائما ما تتعرض لانتقادات بشأن سجلها الحقوقي، إلا أنهم يرون فيها محاولة جديدة من قبل الرياض لاستخدام نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في قمع أي انتقاد خارجي.

ويقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط جيمس دورسي "إنها محاولة واضحة لتخويف الدول بهدف تخفيف حدة انتقاداتهم للسعودية".ةوكتبت كريستين ديوان من "معهد دول الخليج العربي" في واشنطن في حسابها بتويتر "بعد -تأديب- المنتقدين في الداخل من خلال التحذيرات والتوقيفات، تسعى (السعودية) إلى استخدام قوتها الاقتصادية لتأديب المنتقدين في الخارج أيضا".

ويرى أن "القرار السعودي الصادم في حدته واستعجاله (...) يعكس تحولا نحو التشدد في السياسة الخارجية للمملكة يرسم معالمه ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0