ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، أصبح اليوم محط اهتمام كبير في بريطانيا وباقي دول الاتحاد التي اعتمدت وبحسب بعض المراقبين، أساليب وخطط خاصة في مفاوضتها مع الحكومة البريطانية التي تواجه مشكلات وتحديات داخلية وخارجية كبيرة بخصوص هذا الملف وتفرعاته المتشعبة، فخروج بريطانيا الصعب مِن الاتحاد الأوروبي بحسب بعض المصادر سيضع العلاقات الثنائية في حالة من الفوضى وسيلحق ضررا بالغا ببريطانيا، التي تسعى ايضا إلى الحفاظ على خيوط متينة في علاقاتها مع اليابسة الأوروبية، هذه المفاوضات والقرارات خلقت ايضا خلاف داخلي كبير سيسهم كثيرا في عرقلة او تأخير بعض تلك القضايا والمشاريع التي يجب ان يتم الاتفاق عليها خلال فترة محددة، حيث وصف وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون مشروعا لإقامة شراكة جمركية مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست تدعمه رئيسة الوزراء تيريزا ماي بـ"المجنون"، وهو ما يعيد الانقسامات داخل الحكومة حيال العلاقة المستقبلية مع التكتل إلى الواجهة.

وبناء على خطة "الشراكة الجمركية الجديدة" هذه، ستجمع بريطانيا رسوما جمركية لصالح الاتحاد الأوروبي على البضائع التي تمر عبر أراضيها والمتجهة إلى أسواق دوله الأعضاء الـ27 فيما ستفرض رسوما خاصة بها على تلك التي تستهدف أسواقها. وأشار جونسون الداعم علنا لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى أن الخطة لن تفي بكثير من وعود بريكست. وقال لصحيفة "دايلي ميل" "إذا كانت لديكم الشراكة الجمركية الجديدة، فسيكون لديكم بذلك نظاما مجنونا تجمعون بموجبه رسوما لصالح الاتحاد الأوروبي على الحدود البريطانية".

وأضاف أنه "في حال قرر الاتحاد الأوروبي فرض رسوم عقابية على سلعة ترغب بريطانيا بإحضارها إلى البلاد بسعر زهيد فلن يكون من الممكن القيام بشيء". وفي إشارة إلى تعهدات حملة بريكست، قال جونسون "سيعني ذلك عدم استعادة السيطرة على السياسات التجارية ولا استعادة السيطرة على القوانين ولا على الحدود". وأضاف "وفي الواقع، (القبول بذلك) يعني عدم استعادة السيطرة على الأموال (البريطانية) كذلك لأن الرسوم ستُدفع إلى بروكسل".

وطرحت لندن خيارين لتسهيل التجارة عبر الحدود مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست. لكن الحكومة رفضت اقتراح الشراكة الجمركية، الخيار المفضل بالنسبة لماي، وفق تقارير فيما أقر "داونينغ ستريت" بأن الخطة لم تخضع للاختبار. ورأى جونسون أن حلا كهذا سيخلق "دوامة بيروقراطية" ويجعل ابرام اتفاقيات تجارة حرة مع دول أخرى، وهو ما تسعى إليه لندن بعد بريكست، "أمرا غاية في الصعوبة".

من جهتها، نددت بروكسل بالاقتراح معتبرة ان تطبيقه صعب على أرض الواقع. وأما الخيار الثاني الذي يطلق عليه "الحد الأقصى من التسهيلات"، فيقضي باستخدام التكنولوجيا للحد من التفتيش الجمركي لأعلى درجة لكنه لن يخففه على الأرجح بقدر ما سيقوم الاقتراح الأول بذلك. ولا يتوقع أن تتخذ الحكومة البريطانية قرارا نهائيا حيال هذه المسألة قبل أسبوع آخر على الأقل، قبيل قمة هامة للاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو.

مساع جديدة

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف تطلق الاحزاب البريطانية حملة تدعو الى اجراء استفتاء بشأن اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي (بريكست)، وتؤكد على حق المواطنين البريطانيين وليس فقط السياسيين الادلاء برأيهم بشأن الاتفاق. ويهدف استفتاء "حملة تصويت الشعب" الى منح الجمهور البريطاني إمكانية ابداء رأيهم في اتفاق بريكست النهائي وما اذا كان سيجعل بريطانيا في وضع أفضل أم أسوأ.

ومن المقرر أن تنطلق الحملة في لندن وسيتحدث خلالها عدد من أعضاء حزب المحافظين الحاكم وحزب العمل المعارض والحزب الليبرالي الديموقراطي وحزب الخضر. وتقود الحملة حركة "بريطانيا المفتوحة" التي انبثقت عن حملة "البقاء" في الاتحاد الاوروبي الرسمية في استفتاء 2016 وتشمل سبع من المجموعات المعارضة لبريكست تعمل من المكتب نفسه في لندن اضافة الى ويلز وأوروبا.

وقال المدير التنفيذي لحركة "بريطانيا المفتوحة" جيمس ماكغروري "سواء كنا نعتقد ان الحكومة ستفاوض على اتفاق جيد او اتفاق سيء، فإن بريكست أمر مهم". وأضاف ان "بريكست ليست امراً حتمياً. ما ستتوصل اليه الحكومة هو الذي سيكون الاتفاق الحقيقي، وليس ما وعدت به في الاستفتاء . يجب أن لا يكون اتفاقاً نهائياً". وتابع ان "بريكست سيؤثر على جميع من هم في البلاد لذلك يجب الا نترك ل650 سياسياً اتخاذ قرار بشأن مستقبل 65 مليون شخص".

ولا تزال مسألة بريكست مسألة تسبب الانقسام في بريطانيا مع اقتراب موعد خروج البلاد من الاتحاد الاوروبي بعد اقل من عام. وفي استفتاء حزيران/يونيو 2016 على بريكست صوت 52% من سكان بريطانيا وايرلندا الشمالية والكومنولث اضافة الى البريطانيين الذين يعيشون خارج بريطانيا منذ 15 عاما، لصالح الخروج من الاتحاد. ومن المقرر ان تخرج بريطانيا في اذار/مارس 2019، على ان تمر البلاد بمرحلة انتقالية حتى نهاية 2020.

ضغوط متزايدة

على صعيد متصل زاد مشرعون بريطانيون الضغط على رئيسة الوزراء تيريزا ماي بشأن استراتيجيتها للخروج من الاتحاد الأوروبي منتقدين رفضها الاستمرار في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي. لكن كثيرين من القادة المعروفين للحملة المعارضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يحضروا مناقشة برلمانية بشأن حث الحكومة على السعي للتفاوض على ”اتحاد جمركي فعلي“ مع التكتل بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد أن استبعدت ماي أي تغيير في موقفها.

ووافق مجلس العموم شفويا على اقتراح الاتحاد الجمركي دون تصويت في إجراء لا يتطلب من الحكومة أن تتخذ أي إجراء. والاتحاد الجمركي أحد أبرز النقاط الرئيسية في الجدل بشأن خروج بريطانيا المنتظر من الاتحاد الأوروبي، وقادة الحملة المؤيدة لخروج بريطانيا حساسون لأي اقتراح بشأن احتمال بقاء بريطانيا في مثل هذا الارتباط مع التكتل. ويقول مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي إن البقاء في أي تجمع للاتحاد سيجعل من بريطانيا ”دولة تابعة“.

وقالت إيفيت كوبر عضو حزب العمال المعارض ”أعتقد أن هناك إمكانية للوصول إلى توافق بشأن الاتحاد الجمركي“ معبرة عن رأي يقول بأن هناك عددا كافيا من المشرعين للتصويت ضد الحكومة في وقت لاحق هذا العام. وانضم إليها بضعة مشرعين محافظين دأبوا على القول بإن إصرار ماي على أن بريطانيا ستغادر السوق الموحدة والاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي قد يوقع خامس أكبر اقتصاد في العالم في عزلة ويلحق ضررا به. بحسب روترز.

ويقول دبلوماسيون ومسؤولون بالاتحاد الأوروبي إنهم سيعرضون على بريطانيا علاقة أوثق إذا ظلت في الاتحاد الجمركي، وهو ما قد يساعد في تجاوز أحدث مأزق في المحادثات. لكن ماي ووزراء في حكومتها متمسكون بموقفهم، ويكررون بشكل شبه يومي شعارهم القائل بأن بريطانيا ”ستغادر الاتحاد الجمركي وستكون حرة في إبرام اتفاقاتها التجارية الخاصة في أنحاء العالم“. وقال متحدث باسم ماي إنه لا نية لدى بريطانيا للبقاء في الاتحاد الجمركي أو الانضمام إلى اتحاد جمركي بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. وأضاف قائلا للصحفيين ”الحكومة واضحة تماما، وبدون أي غموض، بأننا سنغادر الاتحاد الجمركي ولن ننضم إلى اتحاد جمركي“.

تأخير الخروج

من جهة اخرى أشارت لجنة بريكست في البرلمان البريطاني إلى إمكانية تأخير انسحاب لندن من الاتحاد الأوروبي بسبب وجود مسائل أساسية عالقة في المفاوضات ينبغي حلها. وأفادت "لجنة الخروج من الاتحاد الأوروبي" التابعة للبرلمان أنه تم "تحقيق تقدم ضئيل" في مسائل أساسية بينها كيفية المحافظة على الحدود المفتوحة بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا.

ومن المقرر أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 29 آذار/مارس 2019، أي بعد نحو ثلاث سنوات من الاستفتاء على بريكست، وبعدما فعلت لندن في 2017 المادة 50، مباشرة بذلك عملية الانسحاب التي تستمر لعامين. ومن المفترض أن تنتهي المفاوضات بشأن الشراكة المستقبلية بحلول تشرين الأول/اكتوبر.

وأوضحت اللجنة التي أيد معظم اعضائها البقاء في الاتحاد الأوروبي في استفتاء 2016 أنه "إذا بقيت جوانب جوهرية بشأن الشراكة المستقبلية غير متفق عليها مع حلول تشرين الأول/اكتوبر 2018، فسيتعين على الحكومة السعي إلى تمديد محدود للفترة الزمنية المنصوص عليها في المادة 50". وقال رئيس اللجنة هيلاري بين إن المفاوضات باتت حاليا في "مرحلة حرجة (...) إذ لم يعد هناك سوى سبعة أشهر فقط للتوصل إلى اتفاق بشأن سلسلة من الملفات المعقدة".

وأضاف النائب العمالي المعارض أن "على الحكومة حاليا تقديم مقترحات ذات مصداقية ومفصلة بشأن الكيفية التي يمكنها من خلالها إدارة حدود غير فعلية بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا". وأضاف "لا نعرف أي حدود دولية عدا الحدود الداخلية ضمن الاتحاد الأوروبي، تعمل دون تفتيش وبنى تحتية فعلية. هذا أمر مقلق". بحسب فرانس برس.

وبين المسائل الأخرى التي ينبغي حلها وضع مواطني الاتحاد الأوروبي القادمين إلى بريطانيا خلال الفترة الانتقالية عندما ستواصل بريطانيا الالتزام بقانون الاتحاد الأوروبي مقابل بقائها في السوق الموحدة التابعة للتكتل لفترة تصل إلى عامين بعد مغادرتها رسميا. وحذرت اللجنة من أن توفير حقوق مختلفة للمواطنين القادمين قبل خروج بريطانيا رسميا سيكون "متناقضا" مع قانون الاتحاد.

تحذير فرنسي

الى جانب ذلك حذر الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولوند في مقابلة مع صحيفة ديلي تلجراف البريطانية من أن باب الاتحاد الأوروبي أغلق الآن في وجه بريطانيا وأن على‭ ‬الأوروبيين ألا يقبلوا أي محاولة لتغيير مسار انسحاب بريطانيا من التكتل. ونقلت الصحيفة عن أولوند قوله ”إنه (الباب) مغلق. التصويت تم وليس بوسع أحد أن يشكك فيه“ رافضا أي محاولات من معسكر البقاء لتغيير المسار. وقال ”لا يمكن للمرء أن يفتح مفاوضات متصورا أن هناك سبيل آخر سوى الرحيل“. وأضاف ”أسوأ شيء ممكن هو إجراء مناقشات مطولة بشكل مبالغ فيه (بشأن الانسحاب) لمنع الاتحاد الأوروبي من التحرك قدما وزرع الشكوك بشأن طبيعة الانسحاب التي لا يمكن التراجع عنها“. بحسب روترز.

وخرج الزعيم الاشتراكي السابق، الذي كان رئيسا لفرنسا خلال الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا في 2016 على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وحتى مايو أيار الماضي، عن صمته الاختياري للترويج لمذكراته وتوجيه الانتقادات لخلفه إيمانويل ماكرون. ورغم أن موقف أولوند المتشدد بشأن الانسحاب يتشابه مع مواقف عبر عنها دبلوماسيون فرنسيون في جلسات خاصة فقد كان ماكرون حذرا في إبقاء الباب مفتوحا أمام احتمال أن تغير بريطانيا رأيها بشأن الانسحاب. وقال ماكرون لمشرعين من الاتحاد الأوروبي إن أفضل طريقة لكي تحافظ بريطانيا على علاقة تجارية قوية مع أوروبا هي أن تظل عضوا في الاتحاد الأوروبي.

في السياق ذاته قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن اللغة الانجليزية مهيمنة إلى حد كبير في بروكسل وخاصة مع قرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي متعهدا بالنضال من أجل توسيع استخدام الفرنسية في مؤسسات الاتحاد وفي الخارج. وطبقا للمنظمة الفرانكوفونية للدول المتحدثة بالفرنسية هناك نحو 274 مليون شخص يتحدثون الفرنسية في أنحاء العالم مما يجعلها خامس أوسع اللغات انتشارا والرابعة من حيث أكثر اللغات المستخدمة على الانترنت.

وكانت الفرنسية هي اللغة المهيمنة على مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل لكن الانجليزية أصبحت منتشرة في المؤسسات الأوروبية وخاصة منذ انضمام دول شرق أوروبا للاتحاد عام 2004. ومن المقرر أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العام القادم. وهي ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا وأكبر دولة متحدثة بالانجليزية في الاتحاد بفارق كبير.

وقال ماكرون ”الوضع الآن متناقض تماما. الانجليزية ربما لم تكن موجودة في بروكسل مثلما كانت عليه عندما كنا نتحدث عن خروج بريطانيا“ من الاتحاد. وأضاف ماكرون مشيرا إلى علاقة أوروبا مع الدول المتحدثة بالفرنسية في أفريقيا ”هذه الهيمنة ليست أمرا حتميا. الأمر بيدنا أن نضع بعض القواعد لجعل الفرنسية اللغة التي تتيح للشخص الوصول إلى عدد من الفرص“. وقال ماكرون إن ما يدعو إليه ليس تحركا ضد استخدام اللغة الانجليزية لكنه يستهدف الترويج لتعدد اللغات. وغالبا ما يتحدث ماكرون بالانجليزية عندما يكون في الخارج على عكس معظم الرؤساء الفرنسيين السابقين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1