وافق نواب مجلس الشعب الصيني، على إدخال تعديلات على دستور البلاد، تلغي القيود المفروضة على مدة وولايات حكم رئيس البلاد ونائبه، التي كانت محددة بولايتين اثنتين مدة كل منها 5 سنوات. كما صوت نواب مجلس الشعب الصيني، في دورة المجلس السنوية المنعقدة في بكين من 5 إلى 20 مارس، على تعديل أكثر من 20 مادة من الدستور، منها تضمين القانون الأساسي نص وثيقة اسم وفكر الرئيس شي جين بينغ حول "تنمية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في عصر جديد".

كما وافق نواب مجلس الشعب الصيني خلال التصويت، على إدخال تعديل على دستور البلاد، ينص على إنشاء هيئة جديدة لمكافحة الفساد، تحت اسم "لجنة الرقابة الحكومية". وتتولى مكافحة الفساد حاليا الهيئة المركزية لمكافحة الفساد في الصين، بتكليف من قبل اللجنة المركزية لفحص الانضباط، لكنها هيئة حزبية، وليست هيئة حكومية. هذه التعديلات الجديدة في الدستور الصيني، هو اليوم محط اعتمام واسع داخل وخارج الصين احدى اهم واكبر دول العالم، التي تعيش حرب تنافسية مع خصومها.

وتهدف هذه الخطوة كما جاء في مقال للكاتب محمد المنشاوي المتخصص في الشئون الأمريكية، إلى تمهيد الطريق للرئيس الصينى «شى جين بينج» للاستمرار في الحكم بعد انتهاء فترة حكمه الثانية عام 2023. خصوصا وان الصين قد صمدت أمام عواصف الانفتاح والإصلاح لأكثر من أربعين عاما منذ تبنيها سياسات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي عام 1978، وصمدت كذلك بدستور 1982 الذي منع ظهور زعيم واحد ملهم يبقى في الحكم حتى مماته طبقا لتصور الأب الروحي للإصلاح والتقدم في الصين الزعيم دنج شياو بينج. من هنا يمكن تفهم ما قام به الرئيس الصيني الحالي من خلال خطوات متنوعة لتعزيز وضعه خلال فترة حكمه الأولى بمحوه قدرا كبيرا من إرث دينج شياو بينج، إضافة لإزاحته لكل خصومه المحتملين، معتمدا في المقام الأول على حملته الواسعة النطاق لمكافحة الفساد، والتي امتدت لتطهير الحزب الشيوعي الصيني من كل خصومه ومنافسيه السياسيين المحتملين.

ولم تتوقف التعليقات والتحليلات الأمريكية بحسب الكاتب، منذ خروج أنباء التعديلات الدستورية في الصين عن طرح تساؤل مفاده: «كيف أخطأ الغرب في فهم الصين»؟. وخرجت التحليلات من زاوية أن الغرب الذي سمح وشجع اندماج الصين في الاقتصاد العالمي وسمح لها بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية، توقع أن يكون مردود ذلك إيجابيا على الانفتاح السياسي للصين. إلا أن خطوة الرئيس شي الأخيرة بتمديد فترات الحكم شكلت صدمة لواشنطن التي تعتقد أن رهانها على مستقبل الصين ينهار على وقع التعديلات الدستورية الأخيرة.

وخرجت دعوات تدعو لضرورة كبح جماح القائد الصيني الذي لا تعرف طموحاته حدودا، ونادى آخرون بالتشدد مع الاستثمارات الصينية الحكومية وشبه الحكومية في الغرب، وعدم السماح للصين بالاستفادة من حركة التجارة الدولية بالصورة التي تضر بأمريكا وحلفائها، بل نادى البعض أيضا بضرورة إظهار واشنطن لقوتها العسكرية لردع أي تفكير صيني في توسع مستقبلي. وكتب آخرون يحذرون من أن خطوات الرئيس شي ستؤدى لوجود فوضى ولغياب الاستقرار الذي تنعم به الصين حاليا. إلا أن مشكلة أمريكا والغرب في التعامل مع دولة مثل الصين تتجاهل أو تقلل في أفضل الأحيان من الخلفية التاريخية الشديدة السوء لعلاقات الغرب بالصين وكيف تعامل معها وسيطر عليها واستغلها وذلها لسنوات طويلة من القرنين الماضيين. يتعاملون مع الصين وينسون أنها بالأساس سوق كبير لمنتجاتهم وتجارتهم، ويأملون منها أن تسلك مسارا يتوقعونه لها، مسارا غربيا بالأساس.

ضمان للاقتصاد

وفي هذا الشأن تبدو رئاسة شي جينبينغ مدى الحياة بمثابة ضمانة استقرار للاقتصاد الصيني في خضم مرحلة إعادة توازنه وتخفيض ديونه، لكن تدخل الدولة وغياب الضوابط سيعقدان اي انفتاح متزايد للأسواق بحسب خبراء. ويتيح تعديل دستوري طرحه الحزب الشيوعي لشي جينبينغ، رئيس الصين منذ 2013، البقاء على رأس النظام وتوجيه الاقتصاد الثاني عالميا قدر ما يرغب.

وتجيز له فترة مطولة في الحكم إنجاز الاصلاحات التي يروج لها، ولا سيما تخفيض المخاطر المالية وإعادة التوازن الى نموذجه الاقتصادي. وقال لويس كويس من معهد اكسفورد ايكونوميكس مبدئيا، تضفي مركزية السلطة مزيدا من التناسق والفعالية على السياسة الاقتصادية عبر تقليص الخلافات".

وأضاف المحلل ريموند يونغ لدى بنك ايه ان زد "ستتمكن السلطات من الاستفادة من الوقت اضافي، نظرا الى ان الكثير من الاصلاحات التي تعتبر حيوية، لا سيما المتصلة بمؤسسات الدولة، يشغل جدولا زمنيا ممتدا على عدة عقود". وفي ترسيخ للاستمرارية يرجح تعيين ليو هي، المستشار الاقتصادي المقرب للرئيس نائبا لرئيس الوزراء، وقد يتولى بالتزامن مهمة حاكم البنك المركزي بحسب عدد من الخبراء.

فليو هو نفسه مهندس السياسة الاقتصادية الراهنة القاضية بإعادة التوازن في نموذج النمو الصيني لمصلحة الخدمات والتكنولوجيات الحديثة وعلى حساب الصناعات الثقيلة التي قلصت فوائضها بشكل جذري. ويتيح بقاء شي في السلطة تعزيز المشاريع الكبرى للرئيس على غرار مشروع "طرق الحرير في آسيا" للبنى التحتية والحملة المتشددة لمكافحة التلوث. تضاف الى ذلك الجهود الجارية لتخفيض ديون الصين الهائلة مع تشديد بكين لشروط الاقراض فيما تسعى إلى خنق "مالية الظل" غير المنظمة.

واعتبر ريمنود يونغ في مذكرة ان "الاستقرار المالي والبيئة سيتخذان الأهمية نفسها الممنوحة للنمو الاقتصادي"، الذي شكل حتى الآن أولوية الحكومة. كما لفت المحلل واي ياو في بنك سوسييتيه جنرال الى ان "الرهان الأهم على المدى القصير يكمن في تخفيض الدين" حتى ولو ألحق تشديد أنظمة القطاع المالي "أضرارا بالاقتصاد الحقيقي".

ولا شك في ان "شي سيصبح قادرا على فرض اصلاحات شاقة" في مواجهة الفصائل ومجموعات المصالح الخاصة، خصوصا في ما يتعلق بإعادة التنظيم الحساسة للمؤسسات الرسمية، كما انه "سيصبح أكثر قابلية لتقبل تباطؤ مؤلم للنمو"، على ما أقر جوليان ايفانز بريتشارد من كابيتال ايكونوميكس. لكن هذا الخبير الاقتصادي أبدى "التشكيك" نظرا الى ان السلطات "لا تبدي رغبة" حتى الان في قبول ما يشكل "مقابلا" لا مفر منه لتخفيض الدين، أي تباطؤ النشاط، بحسب قوله مضيفا ان "شي يريد كل شيء في آن".

ينتقل برنامج شي جينبينغ "للاصلاحات" من مكافحة التلوث إلى تخفيض الديون وتقليص العرض العقاري المتضخم وتخفيض فوائض القدرات الصناعية... "لكنه لا يعالج جذور هذه المشاكل، اي التدخل المفرط للدولة في الاقتصاد! بل يبدو ان هدفه الرئيسي تعزيز دور القطاع الرسمي للحفاظ على نفوذ السلطات"، على ما لفت ايفانز-بريتشارد. ودعا شي في تشرين الاول/اكتوبر الى تعزيز أموال قطاع الدولة مبددا الآمال بالانفتاح. ومذاك شددت الحكومة القيود على المجموعات الخاصة الصينية، المستهدفة خصوصا بسبب مستوى ديونها الخطير، على غرار شركة الضمان انبانغ التي وضعت السلطات اليد عليها مؤخرا.

وفيما تعد بكين بفتح السوق الصينية "على مصراعيها" امام الشركات الأجنبية تندد بروكسل وواشنطن في المقابل بتنامي حمائية العملاق الصيني. وشدد اندرو بولك المحلل الاقتصادي لدى تريفيوم ريسرتش، في تعليق لقناة بلومبرغ على ان "نظام الرجل الواحد يضاعف من تعقيد الاصلاحات بغرض الانفتاح. فضمان فعالية الأخيرة يتطلب سلطات تنظيمية راسخة تستند إلى حكم القانون". بحسب فرانس برس.

غير انه "سيكون أكثر صعوبة على أي كان معارضة شي في حال تبنيه سياسات سيئة" بحسب ايفانز-بريتشارد، الذي عبر عن الخشية من "إضعاف المنظومة على المدى الطويل". واكد لويس كويس ان "تخفيض الضوابط امر خطير بالعادة"، موضحا ان "البلد يجازف بكل ما لديه في رهان واحد". وهذه المخاوف ليست فردية.

موفق ترامب

الى جانب ذلك أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تسجيل صوتي بثته محطة (سي.إن.إن) بالرئيس الصيني شي جين بينغ بعد إعلان الحزب الشيوعي الصيني الحاكم إلغاء حد الفترتين على مدة الرئاسة ممهدا الطريق أمام شي كي يحكم إلى أجل غير مسمى. وقال ترامب ”إنه الآن رئيس مدى الحياة .وهو عظيم“. وقال ترامب وفقا لتسجيل صوتي لمقتطفات من تصريحاته خلال لقاء مغلق لجمع تبرعات في فلوريدا وبثتها (سي.إن.إن) ”أعتقد أن هذا شيء عظيم. ربما يتعين علينا أن نجرب ذلك يوما ما“.

وكان الرؤساء في الولايات المتحدة لا يتجاوزون بشكل تقليدي فترتين كل منهما أربع سنوات إلى أن انتُخب الرئيس فرانكلين روزفلت بشكل قياسي أربع مرات ابتداء من 1932. ووافق تعديل في الدستور الأمريكي في 1951 على أن تقتصر مدة الرئيس على فترتين فقط. ويبدأ التجمع السنوي للبرلمان في الصين في الوقت الذي يواصل فيه شي جهوده لدرء المخاطر المالية دون تقويض الاقتصاد. بحسب رويترز.

وأعلن الحزب الشيوعي في 25 فبراير شباط إلغاء حد الفترتين على مدة الرئاسة ومن المتوقع أن يصدق البرلمان على هذه الخطوة. وأشاد ترامب خلال التصريحات بشي بوصفه ”رجلا مهذبا عظيما. ”إنه أقوى رئيس (صيني) منذ مئات السنين.“ وقال إن شي عامله ”بشكل طيب جدا“ خلال زيارته في نوفمبر تشرين الثاني.

وقال متحدث باسم الحكومة الصينية إن إلغاء نص دستوري يمنع البقاء في الرئاسة لأكثر من فترتين يهدف إلى حماية سلطة الحزب الشيوعي الحاكم برئاسة الرئيس شي جين بينغ. وكان الحزب قال إنه سيلغي النص الدستوري الخاص بالفترتين ممهدا الطريق أمام شي للبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى إذا رغب في ذلك مما أثار اتهامات في الداخل بأن الصين ستصبح كوريا شمالية أخرى. وفي حين قالت صحيفة الشعب الرسمية اليومية الناطقة باسم الحزب إن هذه الخطوة لا تعني فترات رئاسية مدى الحياة فإن الاقتراح أثار توترا في البلاد.

الصين ترد

في السياق ذاته أثارت خطة الصين لبقاء الرئيس شي جين بينغ في السلطة لأجل غير مسمى معارضة على وسائل التواصل الاجتماعي وتشبيهات بالسلالة الحاكمة في كوريا الشمالية واتهامات وجهها ناشط مؤيد للديمقراطية في هونج كونج بصنع ديكتاتور جديد. ونتيجة لرد فعل وسائل التواصل الاجتماعي انطلقت حملة دعاية في الصين تضمنت منع بعض المقالات ونشر أخرى لمدح الحزب الشيوعي.

وكان الحزب اقترح إلغاء نص دستوري يمنع البقاء في الرئاسة لأكثر من فترتين مما يعني أن شي الذي يتولى أيضا رئاسة الحزب والجيش قد لا يضطر أبدا للتقاعد. ويأتي الاقتراح في إطار مجموعة تعديلات لدستور البلاد. كما تضمن الاقتراح إضافة فكر شي بشأن ”الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد“ والذي أضيف بالفعل لدستور الحزب الشيوعي العام الماضي. كما تضع التعديلات إطارا قانونيا لجهاز كبير لمكافحة الفساد وتحكم بشدة قبضة الحزب على السلطة.

لكن الحزب سيحتاج على ما يبدو للعمل على إقناع البعض في الصين بأن الخطوة لن تؤدي إلى منح شي سلطات واسعة وذلك رغم تمتع الرئيس بشعبية كبيرة لأسباب من بينها حربه على الكسب غير المشروع. وكتب أحد مستخدمي موقع ويبو الصيني الشبيه بتويتر يقول ”سنصبح كوريا الشمالية“ في إشارة إلى سلالة كيم التي تحكم كوريا الشمالية منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. لكن مثل هذه التعليقات حذفت. وقالت صحيفة جلوبال تايمز التي تديرها الدولة في افتتاحية إن التغيير لا يعني أن الرئيس سيبقى في المنصب إلى الأبد. لكن الصحيفة لم تقدم الكثير من التفسيرات.

وتابعت ”منذ تطبيق الإصلاحات نجحت الصين بقيادة الحزب الشيوعي في حل قضية الحزب وتغيير الزعامة الوطنية وستظل تفعل بطريقة قانونية ومنظمة“ في إشارة إلى إصلاحات اقتصادية كبيرة بدأها الحزب قبل أربعة عقود. وأعادت صحيفة الشعب الرسمية نشر مقال طويل لوكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) تقول إن معظم الصينيين يؤيدون التعديلات الدستورية وتنقل عن مجموعة من الناس دعمهم للخطوة. وجاء في المقال ”السواد الأعظم من المسؤولين والجموع يقولون إنهم يتمنون إقرار الإصلاحات الدستورية“. بحسب رويترز.

وقال جوشوا وونغ وهو من نشطاء الحركة الموالية للديمقراطية في هونج كونج ”تعني هذه الخطوة التي ستسمح لفرد واحد بتكديس السلطات السياسية أنه سيكون هناك ديكتاتور في الصين من جديد في شكل رئيسها... شي جين بينغ“. وفي المقابل قالت صحيفة جلوبال تايمز ”ستؤثر المعلومات المغلوطة وتدخل القوى الخارجية على الرأي العام في الصين“.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2