ما سر انسجام السيسي مع ترامب؟


بعد أربع سنوات من التوتر بين مصر والولايات المتحدة، التقى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في البيت الأبيض نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ويرى بعض المراقبين ان تحركات ولقاءات ترامب الأخيرة مع بعض القادة والشخصيات، تعد تحول مهم في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، الهدف إعادة أمريكا الى سدة الهيمنة العالمية من جديد، وبعد سنوات من الجفاء في العلاقات بين مصر وامريكا عقب إطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي. يأمل السيسي بحسب بعض المصادر إعطاء دفعة جديدة للعلاقات بين البلدين. خصوصا وان قطب العقارات الأمريكي لم يخف إعجابه بقائد الجيش المصري السابق الذي أطاح بحكم الإخوان في مصر.

وتحدث ترامب بحماس عن "الانسجام" مع السيسي. فقد وصف ترامب السيسي في حديث لقناة فوكس نيوز بأنه "رجل رائع. أحكم زمام السلطة على مصر"، مشيرا إلى الفترة التي تلت عزل مرسي. ودفعت إطاحة الجيش بمرسي في 2013 بعد عام على فوزه في أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر، وما تلاها من احداث، الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما إلى تعليق المساعدات العسكرية للقاهرة مؤقتا.

ويعتبر الرئيس المصري أن ترامب أكثر تفهما من سلفه للضرورة مواصلة مكافحة الجهاديين والإسلاميين. وتبدو القاهرة مسرورة من إشارات من إدارة ترامب والكونغرس إلى أنهما يمكن أن يدرسا إمكانية إدراج جماعة الإخوان المسلمين على اللائحة السوداء، كما ان مصر، إحدى دولتين عربيتين تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل، لعبت تاريخيا دورا مركزيا في تحالفات الولايات المتحدة الإقليمية. وهي تحصل على مساعدات عسكرية سنوية تبلغ 1,3 مليار دولار. وتتوسط القاهرة أيضا باستمرار بين إسرائيل والفلسطينيين. لذا فهي وبحسب بعض الخبراء مساعد وحليف مهم لامريكا والرئيس ترامب الذي سيعمد الى دعم الحكومة المصرية، التي تعد جزء من الائتلاف الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي.

وقال مسؤول كبير بالبيت الأبيض في وقت سابق، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى لإعادة بناء العلاقات مع مصر والتركيز على القضايا الأمنية والمساعدات العسكرية. و"إنه يريد استغلال زيارة الرئيس السيسي لتأسيس بداية جديدة للعلاقات الثنائية وتعزيز الصلات القوية التي أقامها الرئيسان عندما اجتمعا أول مرة في نيويورك في سبتمبر الماضي."

استقبال حار

وفي هذا الشأن اشاد البيت الابيض بجهود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتشجيع "مفهوم اكثر اعتدالا للاسلام"، وذلك بعد الزيارة الاولى لرئيس مصري منذ عقد تقريبا الى واشنطن. واشار البيت الابيض في بيان الى ان الادارة الاميركية "تشيد بجهود السيسي الشجاعة لنشر مفهوم معتدل للإسلام"، وان الرئيسين اتفقا على ضرورة "التركيز على الطبيعة السلمية للإسلام والمسلمين في العالم".

وكان ترامب خص السيسي باستقبال حار، وطوى بذلك صفحة الانتقادات التي وجهتها له ادارة سلفه باراك اوباما حول مسالة حقوق الانسان. وقال ترامب خلال استقبال نظيره المصري الذي يزور البيت الابيض للمرة الاولى منذ انتخابه رئيسا "نحن نقف بكل وضوح وراء الرئيس السيسي (...) ونقف بشكل واضح ايضا وراء مصر والشعب المصري". من جهته، اعرب الرئيس المصري عن "اعجابه" بـ"شخصية" ترامب.

وكان الرئيسان اللذان لم يعقدا مؤتمرا صحافيا، التقيا قبلا في نيويورك في ايلول/سبتمبر الماضي خلال الحملة الانتخابية. ويعتبر الرئيس المصري ان ترامب أكثر تفهما من سلفه باراك اوباما في شأن ضرورة مواصلة مكافحة الجهاديين والاسلاميين. وتبدو القاهرة مرتاحة ازاء إشارات من إدارة ترامب والكونغرس الى انهما يمكن ان يدرسا احتمال ادراج جماعة الإخوان المسلمين على لائحة الارهاب، وهي خطوة تنتقدها اوساط عدة في واشنطن. بحسب فرانس برس.

وكانت ادارة اوباما جمدت مساعدتها العسكرية لمصر في 2013 اثر الاطاحة بالرئيس الاسلامي السابق محمد مرسي وقمع انصاره. لكن البيت الابيض عاد عن قراره العام 2015. غير أن دور مصر المحوري، وهي الدولة الأكبر عدديا والأفضل تسليحا بين البلدان العربية، دفع البيت الأبيض إلى تعديل موقفه واستئناف إمدادات الأسلحة الثقيلة لها عام 2015. وتمنح الولايات المتحدة مصر سنويا مساعدات بقيمة تقارب 1,5 مليار دولار، بينها 1,3 مليار دولار من المساعدات العسكرية.

دعم كامل

الى جانب ذلك سعى الرئيس الأمريكي لإعادة ضبط العلاقات مع الرئيس المصري ومنحه دعما كاملا وتعهد بأن يعملا معا لقتال الإسلاميين المتشددين. وذكر بيان مشترك أن الزعيمين اتفقا على أهمية إحراز تقدم على طريق السلام في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك ليبيا وسوريا واليمن وأبديا اهتماما بدعم إسرائيل والفلسطينيين للتحرك باتجاه السلام.

وقال ترامب في اجتماع بالمكتب البيضاوي مع الرئيس المصري "أود فقط أن يعلم الجميع، إن كان هناك أدنى شك، أننا نقف بقوة خلف الرئيس السيسي. لقد أدى عملا رائعا في موقف صعب للغاية. نحن نقف وراء مصر وشعب مصر بقوة." والزيارة هي الأولى الرسمية للسيسي إلى الولايات المتحدة منذ انتخابه في العام 2014. ولم يوجه أوباما أي دعوة للسيسي لزيارة الولايات المتحدة.

وأظهر الاجتماع المباشر بين ترامب والسيسي، والذي أعقبه اجتماع منفصل مع كبار المساعدين، مدى عزم الرئيس الأمريكي الجديد على إعادة بناء العلاقات وتعزيز العلاقة القوية التي أرساها الرئيسان عندما اجتمعا أول مرة في نيويورك في سبتمبر أيلول. وقال ترامب "أود فقط أن أقول للسيد الرئيس.. إن لك صديقا وحليفا قويا في الولايات المتحدة.. وأنا أيضا" وقال السيسي إنه يقدر أن ترامب يقف بقوة في مواجهة "هذا الفكر الشيطاني الخبيث".

وجاء في البيان المشترك أن ترامب والسيسي اتفقا على أن هزيمة الإسلاميين المتشددين لا يمكن أن تتحقق بالقوة العسكرية وحدها. وأضاف أن الرئيسين "اتفقا على ضرورة إقرار الطبيعة السلمية للإسلام والمسلمين حول العالم." وبرغم أن ترامب أشار إلى أن هناك "بضعة أمور" لا تتفق عليها مصر والولايات المتحدة إلا أنه لم يتحدث علنا عن مخاوف أمريكية بشأن حقوق الإنسان في مصر.

ودعت جماعات حقوقية إلى إطلاق سراح آية حجازي المصرية الأمريكية التي تعمل على مساعدة أطفال الشوارع واعتقلت في مايو أيار 2014 بتهم تهريب البشر. وهي محتجزة منذ 33 شهرا في انتهاك للقانون المصري الذي يحدد مدة الحبس الاحتياطي القصوى في القضايا بما لا يتجاوز 24 شهرا.

وقال مسؤول كبير في الإدارة إن قضية آية حجازي لم تطرح للنقاش خلال الاجتماع بين ترامب والسيسي وكبار مستشاريهما. لكنه أضاف أن احتجازها قضية مثيرة للقلق وتتابعها إدارة ترامب عن كثب. وفي الأمم المتحدة في نيويورك قالت سفيرة الولايات المتحدة نيكي هيلي إن إدارة ترامب لا تتراجع عن دعم حقوق الإنسان "لأنهم يدعموني تماما في الحديث عن حقوق الإنسان في مجلس الأمن". بحسب رويترز.

وتشير تقديرات لجماعات حقوقية إلى أن حكومة السيسي تحتجز ما لا يقل عن 40 ألف سجين سياسي. وظلت مصر منذ عهد بعيد أحد أقرب الحلفاء لواشنطن في الشرق الأوسط وتتلقى مساعدات عسكرية سنوية من الولايات المتحدة قيمتها 1.3 مليار دولار. وتقاتل إسلاميين متشددين في سيناء في صراع أودى بحياة مئات من أفراد الجيش والشرطة.

الحقوق في مصر

على صعيد متصل قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب "ينعقد في لحظة بلغت فيها حقوق الإنسان الحضيض في مصر، وأصبحت فيها مهددة في الولايات المتحدة". وقالت المنظمة ومقرها نيويورك إن قوات الأمن المصرية "في عهد السيسي اعتقلت عشرات الآلاف من المصريين، وارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وتشمل التعذيب والإخفاء القسري، وربما عمليات إعدام ميداني خارج نطاق القضاء".

ولم يصدر أي تعليق من جانب الحكومة المصرية على هذا التقرير. لكن القاهرة قالت من قبل إن هيومن رايتس ووتش "ليس لديها مصداقية، سواء بالنسبة للرأي العام المصري، أو لدى العديد من دول العالم، بسبب ما دأبت عليه المنظمة من ترويج للأكاذيب ومعلومات مغلوطة. وقالت سارة مارغون مديرة مكتب المنظمة في واشنطن: "دعوة السيسي إلى واشنطن في زيارة رسمية فيما يقبع عشرات الآلاف من المصريين وراء القضبان، ومع عودة التعذيب نهجا طبيعيا للتعامل، هي طريقة عجيبة لبناء علاقة استراتيجية مستقرة".

وأضافت المنظمة بأن السيسي الذي انتُخب في مايو/أيار 2014 "أشرف على الإفلات شبه الكامل من العقاب للجيش والشرطة وعلى القيود المشددة على الحريات المدنية والسياسية، ما أدى إلى محو مكتسبات انتفاضة 2011." وتؤكد الحكومة المصرية أن إجراءاتها تهدف إلى الحفاظ على الأمن وتحقيق الاستقرار في مصر التي تعاني من اضطرابات منذ ثورة 25 يناير عام 2011.

وكان الجيش المصري - تحت قيادة السيسي - قد عزل محمد مرسي من سدة الحكم إثر احتجاجات شعبية مناهضة له في يوليو/تموز 2013. وعلى مدار الأعوام الماضية، شهدت مصر هجمات يشنها مسلحون ضد قوات الجيش والشرطة، خاصة في شبه جزيرة سيناء، شمال شرقي البلاد. والتقى ترامب خلال حملته الانتخابية بالسيسي أثناء زيارة الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2016.

وأصدر بيانا حينها أعلن فيه عن "الدعم القوي لحرب مصر على الإرهاب، وكيف أنه في عهد ترامب ستكون الولايات المتحدة صديقا مخلصا، ليس حليفا فقط، ويمكن لمصر أن تعتمد عليها في الأيام والسنوات المقبلة". وتُعد مصر ثاني أكبر دولة تتلقى المساعدات العسكرية سنويا من الولايات المتحدة.

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد أوقفت المساعدات العسكرية لمصر وقيمتها 1.3 مليار دولار سنويا عام 2013، وذلك عقب الإطاحة بمرسي. وطرأ تغير على الموقف عام 2015، إذ سُمح بتسليم مصر طائرات أباتشي لمساعدتها في العمليات العسكرية لـ"مكافحة الإرهاب في سيناء".

تحسين صورة مصر

الى جانب ذلك تعاقدت المخابرات العامة المصرية مع شركتين أمريكيتين تعملان في مجال العلاقات العامة بهدف تحسين صورة مصر في الولايات المتحدة، بحسب ما أعلنت وزارة العدل الأمريكية. وأفاد الموقع الرسمي للوزارة الأمريكية بأن التعاقد تم مع شركتي " و "كاسيدي أسوشيتس" Weber Shandwick and Cassidy & Associates Inc في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي. ويبلغ قيمة التعاقد 1.8 مليون دولار سنويا.

وتعد هذه المرة الأولى التي يتم الكشف فيها عن تعاقد جهاز استخبارات مصري مع شركات أجنبية للقيام بأنشطة تتعلق بتحسين الصورة والعلاقات العامة لصالح الدولة المصرية. ويأتي الكشف عن التعاقد في إطار قانون أمريكي يلزم الشركات بالإعلان عن تسجيل التعاقدات مع العملاء الأجانب والمعروف اختصارا باسم فارا (FARA). ويظهر التعاقد أن الشركتين ستساعدان الحكومة المصرية في "الترويج للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ولدور مصر في إدارة المخاطر الإقليمية وتسليط الضوء على التطورات الاقتصادية في البلاد وعرض جهودها فيما يخص المجتمع المدني".

ووقع العقد، من الجانب المصري العميد ناصر فهمي مدير عام جهاز المخابرات المصرية نيابة عن اللواء خالد فوزي رئيس الجهاز وبدأ العمل به في 18 من يناير/ كانون الثاني هذا العام. وتتهم منظمات حقوقية دولية حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بارتكاب تجاوزات في مجال حقوق الانسان منذ أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي صيف العام 2013. بحسب بي بي سي.

وبالرغم من أن الولايات المتحدة لم تصف عزل مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا، بأنه انقلاب، حدث صدع في العلاقة مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. لكن مراقبين توقعوا تحسن العلاقات المصرية الأمريكية بعد انتخاب دونالد ترامب. وكان الرئيس المصري أول زعيم عربي يهنئ ترامب بفوزه في الانتخابات. وبدأت العلاقات الجيدة بين الطرفين خلال اجتماعهما الأول في نيويورك في سبتمبر / أيلول الماضي عندما كان ترامب مازال يباشر حملته الانتخابية.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك