حلف الناتو: إنفاق متزايد وتمدد مستمر


في ظل الأزمات والصراعات المتفاقمة التي يشهدها العالم، ومع تصاعد التوتر في أوروبا الشرقية وخاصة أوكرانيا التي يخوض الغرب مواجهة دبلوماسية حولها مع روسيا، يسعى حلف الناتو الى تعزيز وتطوير قدراته العسكرية، حيث أعلن في وقت سابق وكما نقلت بعض المصادر، عن تعزيز قوة الرد العسكري التابعة له إلى ثلاث أضعاف حجمها الحالي لتبلغ 40 ألف جندي، وقال الأمين العام ينس شتولتنبرج في بروكسل، بلجيكا: لقد اتخذنا خطوة إلى الأمام نحو تغيير حلف شمال الأطلسي ليطابق تحديات وتغيرات بيئتنا الأمنية. وفي ضوء تدخل روسيا في شرق أوكرانيا وقرار موسكو مؤخرا لتحديث جيشها وترسانتها النووية، يقول شتولتنبرج: " يُقدّر الناتو الآثار المترتبة على ما تقوم به روسيا، فضلا عن نشاطاتها النووية. وأضاف: "الحلف يعمل على كيفية التعامل مع التهديدات، من خلال التعاون مع الاتحاد الأوروبي".

ولدى قوة الرد حالياً 13 ألف جندي وسيضاف خمسة آلاف جندي الى قوة مشتركة جديدة للتدخل السريع. وقد أجرى التحالف الدولي العديد من التدريبات العسكرية في الآونة الأخيرة،هذه التحركات وبحسب بعض المراقبين، اثارت قلق ومخاوف بعض الجهات والدول التي تخشى من حدوث ازمة عالمية كبيرة قد تقود الى كارثة حقيقية، خصوصا وان وزارة الخارجية الروسية قد اتهمت دول الناتو بـ"الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع عواقب مدمرة." في نفس الوقت، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إضافة 40 صاروخا عابرا للقارات لترسانة بلاده النووية.

من جانب اخر يرى بعض الخبراء، ان امريكا تسعى ومن خلال بعض التصريحات الى بث الرعب في أوروبا تحت مزاعم سعي روسيا لتدمير الناتو، واستعداء الدول الأوروبية ضد موسكو. وهو ما دفع حلف الناتو الى زيادة تعداد قوات الرد السريع وتوسيع صلاحيات القيادة العامة لقواتها المتحدة في أوروبا، وكذلك إنشاء هيئات أركان في 6 دول شرق أوروبا (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا ورومانيا وبولندا وبلغاريا)، بل وأعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي أن الولايات المتحدة قد تنشر قوات إضافية، تشمل قوات برية، للناتو إذا تجاوزت الأزمات قدراته.

الإنفاق الدفاعي

وفي هذا الشأن أظهرت بيانات حلف شمال الأطلسي إن الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الأعضاء في الحلف ارتفع قليلا في عام 2016 بالمقارنة بالعام السابق لكنه ما زال أقل من الحد الذي قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يتعين الوصول إليه. وأثار ترامب قلق الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي عندما انتقد الحلف ووصفه بأنه "عفا عليه الزمن" أثناء حملته الانتخابية ثم اقترح أن يجعل الالتزام الأمريكي تجاه أمن الحلف مشروطا بالتزام الأعضاء بالمستوى المستهدف للإنفاق الدفاعي داخله وهو نسبة اثنين بالمئة من الناتج الاقتصادي.

وأكد ترامب منذ ذلك الحين دعمه للحلف لكنه أكد كذلك على ضرورة أن يلتزم الأوروبيون "بدفع حصتهم العادلة". وقال مساعدو ترامب إنه يرغب في رؤية تقدم في هذا الأمر بحلول نهاية هذا العام وإذا لم يحدث ذلك فإن واشنطن يمكنها "تقليص" دعمها. وقال الحلف إن الإنفاق الدفاعي الأمريكي بلغ العام الماضي 3.61 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع 3.58 بالمئة في عام 2015. وذلك بالمقارنة مع 1.47 بالمئة للحلفاء الأوروبيين العام الماضية و1.44 بالمئة في العام السابق. بحسب رويترز.

وبلغ الإنفاق العسكري الإجمالي للحلف 2.43 بالمئة في 2016 بالمقارنة مع 2.40 في 2015. وانخفاض الإنفاق العسكري الأوروبي مسألة شائكة منذ فترة طويلة مع الولايات المتحدة التي تدفع النصيب الأكبر من تمويل الحلف. وفي عام 2016 ساهم الاقتصاد الأمريكي بما يقل قليلا عن نصف الناتج الاقتصادي الكلي للدول الأعضاء في الحلف لكن الولايات المتحدة ساهمت بنحو 70 بالمئة من إنفاقه العسكري وفقا لبيانات التقرير السنوي للحلف.

مقر عسكري عام

من جانب اخر وضع وزراء الخارجية الاوروبيون في بروكسل أسس اول مقر عسكري عام للاتحاد الاوروبي على ان يجمع اعتبارا من الربيع قيادات عدد من المهمات العسكرية الخارجية غير القتالية. ويقضي النص الذي تبنته الدول الأعضاء الـ28 "بان يتم على المدى القصير انشاء قدرة عسكرية للتخطيط والقيادة ضمن قيادة الاتحاد الاوروبي في بروكسل تكلف على المستوى الاستراتيجي التخطيط والقيادة العملانية لمهمات عسكرية ذات تفويض غير تنفيذي"، أي غير قتالية.

وقالت وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني "منذ الخمسينات نجد صعوبة في التقدم في مجال الدفاع الذي انطبع تاريخيا في الاتحاد الاوروبي بالانقسام". كما اعربت عن "الاعتزاز" بهذا القرار مضيفة ان المقر العام سيصبح "عملانيا في الأسابيع المقبلة" وسيوظف "حوالى 30 شخصا". وسيشرف هذا المقر في بروكسل على ثلاث مهمات تدريب يتولاها الاتحاد (حوالى 600 جندي) حاليا في مالي والصومال وجمهورية افريقيا الوسطى بإشراف رئيس الأركان الأوروبي الجنرال الفنلندي إيسا بولكينن.

لكن عددا من دول الاتحاد خصوصا المملكة المتحدة، تشعر بالريبة من أي مبادرة قد تلمح إلى فكرة جيش أوروبي. ولطالما حالت لندن دون التقدم في هذا المجال مثيرة سخط دول كفرنسا والمانيا. وقال وزير الخارجية الاسباني الفونسو داستيس عند وصوله الى اللقاء "هذه نواة مسؤولية أكبر للاتحاد الاوروبي في تولي الدفاع عن نفسه". من جهتها قالت موغيريني مشددة "هذا ليس جيشا أوروبيا، أعلم بان هذا التوصيف متداول، بل هو طريقة أكثر فعالية لاتمام عملنا العسكري". بحسب فرانس برس.

إدراكا منه لتفاقم الاضطرابات في المناطق المحيطة ومع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الذي يطلب من الاوروبيين زيادة الانفاق على جيوشهم، يطمح الاتحاد الأوروبي الى تعزيز تعاون دوله الأعضاء في مجال الدفاع. كما ترى بروكسل في ذلك طريقة لتعزيز دعمها لصناعات القطاع الاوروبية. يعنى هذا المقر العام بـ"ثلاث مهمات غير تنفيذية" للاتحاد منتشرة في بلدان افريقية راغبة في الاستفادة من خبرات العسكريين الاوروبيين لتحسين تدريب جنودهم. في المقابل ستحتفظ بعثات الاتحاد العسكرية التنفيذية وهي "صوفيا" لمكافحة المهربين في المتوسط و"أتالانت" لمكافحة القرصنة في القرن الافريقي و"ألثيا" في البوسنة والهرسك، بقياداتها العامة المنفصلة الموجودة في دول أعضاء.

ألمانيا قلقة

من جانب اخر قال وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل لوكالة إنترفاكس الروسية للأنباء إن قرار روسيا نشر صواريخ إسكندر بصورة دائمة في كالينينجراد الواقعة في منطقة بحر البلطيق سيمثل نكسة للأمن الأوروبي. وقالت روسيا في أكتوبر تشرين الأول إنها نقلت صواريخها الباليستية ذات القدرات النووية إلى كالينينجراد وإنها نشرت نظام دفاع جوي صاروخي من نوع إس-400 هناك. وأضافت أن هذا النشر جاء في إطار تدريبات روتينية لكن مسؤولين عسكريين غربيين يخشون من أن يكون ذلك بصورة دائمة.

وقال جابرييل "إذا نشرت صواريخ إسكندر بصورة دائمة ربما يكون ذلك سببا لقلق بالغ و(سيمثل) ضربة للأمن الأوروبي... لذلك نحن نراقب ما يحدث في كالينينجراد باهتمام بالغ."

وأدخلت بعض التعديلات على صاروخ إسكندر-إم تجعله يصل لأهداف على بعد 700 كيلومتر وهو ما يجعل العاصمة الألمانية برلين في مرمى كالينينجراد. وقالت ليتوانيا التي تقع على حدود كالينينجراد في يناير كانون الأول إنها تخطط لبناء سياج بالأسلاك الشائكة بارتفاع مترين على طول الحدود مما يؤكد المخاوف من موقف روسيا.

وزار جابرييل ليتوانيا وتعهد ببقاء القوات الألمانية في المنطقة مادامت استمرت الحاجة لذلك. وخلال مقابلته مع إنترفاكس رفض جابرييل انتقاد روسيا لنشر حلف شمال الأطلسي لقوات قوامها 4000 جندي في بولندا ودول البلطيق ومنهم 400 جندي ألماني في ليتوانيا. وقال جابرييل "ألمانيا وغيرها من دول حلف شمال الأطلسي لم تكن في طليعة الدول التي ذهبت إلى منطقة البلطيق" مضيفا أن عدد الجنود الألمان في المنطقة ضئيل مقارنة بالتعزيزات الروسية الكبرى.

الى جانب ذلك قالت وزارة الدفاع إن ألمانيا ستزيد جيشها بمقدار خمسة آلاف جندي ليصل العدد الإجمالي إلى 198 ألفا بحلول 2024 في وقت تمارس فيه الولايات المتحدة ضغوطا متزايدة على الأعضاء الأوروبيين بحلف شمال الأطلسي لزيادة الإنفاق العسكري. وقالت وزيرة الدفاع أورسولا فون دير ليين في بيان "الجيش الألماني يواجه مطالب لم يسبق قط أن واجهها من قبل" مضيفة أن الجيش يجب أن يكون قادرا على الرد بطريقة مناسبة على التطورات في الخارج والمخاوف الأمنية. بحسب فرانس برس.

ومع عزوفها لعقود بعد الحرب العالمية الثانية عن المشاركة في مهام عسكرية في الخارج أصبحت ألمانيا في الأعوام القليلة الماضية أكثر نشاطا في دعم قوات دولية جرى نشرها في دول مثل أفغانستان ومالي ومحاربة متشددي تنظيم داعش. وفي يناير كانون الثاني أرسلت ألمانيا كتيبة تضم أكثر من ألف جندي إلى ليتوانيا في إطار مهمة لحلف شمال الأطلسي لحماية حدودها الشرقية مع روسيا ردا على ضم موسكو لشبه جزيرة القرم الأوكرانية ودعمها لانفصاليين في شرق أوكرانيا. وبالإضافة إلى الخمسة آلاف جندي ستضيف ألمانيا أيضا ألف وظيفة مدنية وحوالي 500 جندي إلى قوات الاحتياط.

الأقمار الصناعية والانترنت

على صعيد متصل قال مسؤول بارز من حلف شمال الأطلسي إن الحلف يعتزم إنفاق ثلاثة مليارات يورو (3.24 مليار دولار) على تحديث تكنولوجيا الأقمار الصناعية والكمبيوتر في الأعوام الثلاثة المقبلة في إطار سعيه لزيادة قدرته على مواجهة الأخطار الجديدة. وتلقي هذه الاستثمارات الضوء على اعتراف الحلف بأن الصراعات تدار عن طريق شبكات الكمبيوتر بقدر ما تدار في الجو والبر والبحر. ويسعى الحلف لردع المتسللين إلى جانب تهديدات أخرى منها الصواريخ الإيرانية.

وقال مسؤول بارز بهيئة المعلومات والاتصالات بالحلف إن الخطة تشمل استثمارا قدره 1.7 مليار يورو على الاتصالات عبر الأقمار الصناعية لتحسين دعم الجنود والسفن المنشورة في أرجاء المحيط الأطلسي فضلا عن مساعدة استخدام الطائرات بدون طيار. ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الدول الأعضاء في الحلف ستمول قمرا صناعيا جديدا للاتصالات يطلق في الفضاء أم ستزيد من سعة النطاق العريض من الأقمار الصناعية القائمة الأمريكية والتابعة لحلفاء آخرين.

وأطلقت اليابان وهي ليست من أعضاء الحلف أول قمر اتصالات عسكري في يناير كانون الثاني. وقال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه إن الاستثمار المقترح، والذي ما زالت أجزاء من تمويله تنتظر موافقة الدول الأعضاء بالحلف، يتضمن كذلك إنفاق 800 مليون يورو على أنظمة كومبيوتر تساعد في التحكم في الدفاعات الجوية والصاروخية. وسيوجه مبلغ 71 مليون يورو لتحسين حماية 32 موقعا رئيسيا للحلف من هجمات المتسللين على الانترنت.

ويقول الحلف إنه شهد زيادة الأحداث المريبة على شبكاته إلى خمسة أمثالها في السنوات الثلاث المنصرمة وتلقي أجهزة المخابرات الغربية باللوم على المجموعة الروسية (إيه.بي.تي28) في التسلل على البريد الالكتروني للحزب الديمقراطي الأمريكي أثناء انتخابات الرئاسة العام الماضي. وقال مسؤولون من الحلف إنهم يشتبهون في أن روسيا رعت هجمات على شبكات الحلف قبل اجتماعات قمة مهمة. بحسب رويترز.

وسينفق مبلغ 180 مليون يورو على تأمين اتصالات الهواتف المحمولة لجنود الحلف في الميدان. وسيعرض الحلف احتياجاته بالتفصيل في مؤتمر في أوتاوا في ابريل نيسان ثم يبدأ في طرح العطاءات. وقال المسؤول إن العطاءات من المتوقع أن تجتذب شركات دفاعية غربية كبرى منها إيرباص وريثيون ولوكهيد مارتن لأنه "لا يسمح بدخول مكونات لا تأتي من الدول الأعضاء في الحلف." وتمنع قواعد الحلف التعامل مع موردين روس أو صينيين ما لم يكن هناك احتياج محدد لا يمكن لدول الحلف توفيره.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك