بقلم راجو أديجا

الاسم الخادع الذي أطلق موجة الذعر والتصريحات الخطأ حول الإصابة بفيروسين في آنٍ واحد، أعلنت وسائل الإعلام في مطلع هذا الأسبوع عن أن شخصًا أُودِع أحد المستشفيات للعلاج من إصابة مزدوجة بفيروس الإنفلونزا الموسمية وفيروس كوفيد، وكانت بعض الأعراض الخفيفة قد ظهرت على هذا الشخص، وهي امرأة حامل لم يسبق لها تلقِّي اللقاح، ثم خرجت من المستشفى دون حدوث أي مضاعفات، ممن الممكن طبعًا أن يصاب شخصٌ ما بفيروس »سارس-كوف-2« SARS-CoV-2المسبب لمرض »كوفيد« وأحد فيروسات الإنفلونزا في وقتٍ واحد، وهو ما حدث بالفعل خلال الشهر الماضي في المستشفى الذي أعمل به، حيث حصل المريض على العلاج وخرج من المستشفى دون أي ضجة، ومع ذلك، فقد صنعت صحيفة »ذا تايمز أوف إزرايل« The Times of Israel من حدث عادي عن الإصابة بفيروسين روايةً رائجةً ومثيرة، باستحداثها الاسم المختلق الجذاب: »فلورونا«flurona وادعائها أنها الإصابة "الأولى" من نوعها في البلاد، وهو ما جعل بعض الناس بدورهم يعتقدون أنها الحالة الأولى على مستوى العالم.

بعدها التقطت عدة مواقع إخبارية ورقمية الخبر وعملت على تضخيمه، لدرجة أن إحدى المجلات الرقمية تناولت الموضوع بوصفه "كابوسًا جديدًا يحرمنا من النوم"، ولهذا فقد اجتاح القلق وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة انتشار بعض المعلومات المضللة، مثل أن »فلورونا« فيروس خارق مركب من فيروسَي الإنفلونزا و»سارس-كوف-2«، كما صنع بعض مستخدمي الإنترنت ميمات بصرية سرعان ما تناقلها مستخدمون آخرون، تسخر من أي تعامل جاد مع هاتين الحالتين.

دعونا نقرّ بأننا في خضم موجة عارمة من عدوى »كوفيد« اقترنت الآن بموسم الإنفلونزا، ولهذا، فإن أي عدوى تنفسية تصيب أحدًا منا تأتي باحتمالات كثيرة، ولكن الصورة التي نُقلت بها هذه القصة خارج سياقها تقدم لنا مثالًا آخرَ على المدى الذي يمكن أن يصل إليه التضليل على مواقع الإنترنت، والذي يطارد كل مَن يحاول منّا التصدي للأزمة الحقيقية التي حلت بنا، فحتى الآن لا يبدو أن الأطباء والعلماء قادرون على إيصال الرسالة الصحيحة للجمهور حول ما هو حقيقي، وما يمكن علاجه، وما هو خطأ تمامًا.

وفي الوقت ذاته، نشهد الآن اندماج هذه الجائحة العالمية التي تتسبب في إصابة ما يزيد على مليون ونصف مليون شخص يوميًّا مع موجة الإنفلونزا الموسمية المتفشية بين سكان العالم، وأغلبيتهم غير ملقحين ضد أيٍّ من الإنفلونزا أو فيروس »كوفيد«، وهو ما يجعل الإصابة بكلا الفيروسين معًا أمرًا متوقعًا، بل إنني على يقين من أن العديد من المؤسسات الصحية الأخرى في نصف الكرة الشمالي -حيث تنتشر حالات الإنفلونزا الموسمية- بدأت حاليًّا في استقبال هذا النوع من الحالات غير الموثقة.

من ناحية أخرى تتشابه أعراض مرض »كوفيد« والإنفلونزا والعلامات الدالة عليهما تشابهًا كبيرًا، هذه هي إحدى الحقائق التي عادةً ما يجري تحريفها من قِبل القائمين على حملات التضليل، للإيحاء بأن »كوفيد« ببساطة ما هو سوى الإنفلونزا، كذلك فإن هذين الفيروسين ينتشران عن طريق الرذاذ أو الجزيئات التنفسية الصغيرة، ولكن كلًّا منهما يستخدم آليات مختلفة في النفاذ إلى خلايا الجسم، إذًا فهذان الفيروسان ليسا الشيءَ نفسه، كما أنه ما من دليلٍ لدينا على ظهور فيروس مركب خارق.

يستخدم المختصون اختبارات تشخيصية يمكنها التمييز بين كلٍّ من التهابات الجهاز التنفسي مثل »كوفيد-19«، وفيروسي الإنفلونزا «أ» و«ب»، وفيروس التنفسي المخلوي، في المستشفى الذي أعمل به على سبيل المثال نُجري المئات من هذه الاختبارات خلال موسم الذروة، كما أصبح في حوزتنا عددٌ أكبر من الاختبارات الجزيئية المشتركة القادرة على تشخيص أيٍّ من هذه الأمراض التنفسية المختلفة بشكل دقيق في اختبار واحد باستخدام عينةٍ واحدة، مما يجعلنا قادرين على تحديد أنواع العدوى المختلفة بإحكام.

وقد أظهر تحليلٌ لبعض الدراسات التي أُجريت في أثناء موسم الإنفلونزا الأخير في نصف الكرة الشمالي أن 0.8 بالمئة من المصابين بعدوى «كوفيد-19« أصيبوا معها بالإنفلونزا، في حين بلغت هذه النسبة في الولايات المتحدة حوالي 0.4 في المئة، يوضح ذلك أن هذا النوع من العدوى المزدوجة ليس شائعًا، إلا أن احتمال الإصابة بكلا الفيروسين في الوقت نفسه لا يزال قائمًا، كذلك فقد أوضح هذا التحليل أن حالات الإصابة المزدوجة القليلة التي كشفت عنها الدراسات لم تأتِ مصحوبةً بأعراض حادة أو زيادة في أعداد الوفيات.

كما أوضحت دراسة أخرى عرضها باحثان أمريكيان في مؤتمر للأمراض المُعدية عُقد مؤخرًا أن الإصابة المزدوجة في الولايات المتحدة كانت نادرة الحدوث (0.2 في المئة)، وأن معدلات الوفيات لم تأتِ مختلفةً عن معدلاتها في حالات الإصابة بفيروس «كوفيد- 19» وحده، إلا أن الإصابات بفيروس »كوفيد-19« التي صاحبتها الإصابة بالإنفلونزا نتج عنها تزايُد حالات فشل الجهاز التنفسي واحتياج المرضى إلى أجهزة التنفس الصناعي، ومع ذلك تبقى حقيقة أن الأعداد التي تذكرها هذه الدراسات ضئيلةٌ للغاية، كما يُجري الباحثون حاليًّا دراسات أخرى تبحث في أعراض العدوى المزدوجة بفيروسَي »سارس-كوف-2 «والإنفلونزا، ولكن لا توجد أدلة قاطعة حتى الآن على أن الإصابة بالفيروسين معًا تمثل هذا القدر من الخطورة الذي توحي به بعض منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد تَسبَّب الانتشار الواسع لإجراءات الحد من انتشار الفيروس -مثل ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي وإغلاق المدارس- في إجهاض موسم الإنفلونزا 2020-2021 بصورة شبه كاملة في نصفي الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي، غير أن تقارير التنبؤ بالإنفلونزا الموسمية تتوقع أن يكون موسم الإنفلونزا 2021-2022 أسوأ من العام الماضي في المناطق الواقعة شمال خط الاستواء، لماذا؟ لأن معدلات ارتدائنا الكمامات أو ممارستنا التباعد الاجتماعي أو إبقائنا الأطفال في المنازل قد تراجعت بكثير هذا العام، وإذا أضفنا إلى ذلك معدلات التطعيم المنخفضة ضد فيروس الإنفلونزا هذا الموسم، واحتمال عدم تَوافُق لقاح الإنفلونزا مع السلالة الموجودة، فسنجد أن احتمالات الإصابة بالعدوى المزدوجة آخذةٌ في التزايد.

كما «أفادت المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها» بأن 6.2 في المئة من الأشخاص الذين خضعوا لاختبارات الإنفلونزا خلال الأسبوع المنتهي في 25 ديسمبر 2021 جاءت نتائجهم إيجابية، وأن المستشفيات الأمريكية استقبلت 1825 شخصًا مصابين بالإنفلونزا خلال الفترة ذاتها، إذًا، فالأمر الأحرى بنا معرفته والتوعية به هو أننا سوف نشهد خلال الأسابيع القادمة عددًا كبيرًا من حالات الإصابة بعدوى »كوفيد-19« وكذلك بالإنفلونزا، إما من جَرَّاء عدوى فردية من أحد الفيروسين أو الآخر، أو بعدد قليل من حالات الإصابة المزدوجة، وفق ما تُنبئنا الإحصاءات المتوافرة.

يأمل المعنيون منا بالتعامل المباشر مع هذه الجائحة في رؤية وسائل الإعلام والشخصيات المؤثرة يثيرون القضايا الأكثر أهميةً للجماهير، بدلًا من الولع بالحكايات المثيرة، فهناك العديد من المواقع الرقمية التي تقدم معلوماتٍ حقيقيةً وموثوقة، ناهيك بالطبيب الذي تتعامل معه، والباحثين الذين يتحدثون في وسائل الإعلام، أما فيما يتعلق بالإنفلونزا وعدوى »كوفيد-19«، فكلاهما مرضٌ خطير في حد ذاته، والأهم من ذلك أن هناك لقاحات آمنة وفعالة للوقاية منهما، كما أن هناك إجراءات مشتركة للحد من انتشارهما، يعرفها ويعمل بها أي شخص متعقل على مستوى العالم، دعونا إذًا نولِي كل هذه الاعتبارات اهتمامَنا الأكبر.

اضف تعليق