البلاد ليست بحاجة الى جيش، فما موجود أعداده كافية وتزيد، ولاشك ان تجنيد مئات الآلاف سيشكل عبئا ماليا على الدولة، لكننا بحاجة ماسة الى قبر الطائفية والنزعات القومية المتطرفة التي مزقت المجتمع، وزرعت بذور الكراهية والضغائن في النفوس، وامتدت في التخريب حتى وصلت الى أصغر دوائرنا التنفيذية...

أستغرب من فهم البعض للتجنيد الالزامي، اذ لا يمكن النظر اليه من زاوية عسكرية فحسب، بالرغم من أهميتها، فهو جيش رديف يمكن الاستعانة به عند الضرورة، ولكن قبل هذا وذاك علينا تأمل الكيفيات التي من شأنها تمتين النسيج الاجتماعي، فجميع وكالات التنشئة تراجعت أدوارها بشكل مريع قبل الاحتلال الأمريكي وتعاظمت بعده، بل ومنها من قامت بأدوار سلبية للغاية، انتهت الى احداث شروخ جسيمة في جسد المجتمع.

دفعنا على اثرها دماء غزيرة على مدى العقدين الماضيين ومازلنا، كما هو حال بعض مؤسساتنا الاعلامية، ونفر غير قليل ممن يسمون أنفسهم برجال الدين وحماة الاسلام والمتطلعين للوحدة الاسلامية، فضلا عن انخفاض مستوى جودة المدرسة في اطار التنشئة الوطنية تحديدا، وصارت هذه الوكالات تعمل على هواها، يحركها الارتجال والفهم الخاطيء والمصالح الضيقة، وسيل من الأوهام التي تكشّف زيفها لاحقا.

وعندما تفشل وكالات التنشئة في أداء أدوارها التي يفترض أن تكون نبيلة، وأولها ترسيخ قيم الوحدة الوطنية، عند ذاك لابد من التفكير بسبل عملية من شأنها وأد الفتن النائمة والصاحية، والحفاظ على مكونات المجتمع بمختلف ألوانها، وتعبئتها لمواجهة التحديات المصيرية الراهنة والمحتملة.

فليس أصعب من توحيد مجتمع متعدد القوميات والأديان والمذاهب، والارتقاء به الى مستوى التعايش السلمي الواعي والمتحضر. فالشعارات والدعوات على اختلاف مطلقيها لا يمكن لها أن تحقق الوحدة، وتعمق الشعور بالانتماء الوطني، بل يراد استحداث مؤسسات يختلط فيها جميع أفراد المجتمع مع الأخذ بالحسبان انطوائها على السامي من الأهداف.

فمن غير المنطقي ألا نباشر نحو بلوغ هذه الأهداف، بدواعي ان التجنيد الالزامي سيكون مجالا جديدا للفساد يضاف لما هو قائم، وكان هذا من أبرز الاعتراضات على المشروع، طبعا هذا متوقع، لكننا نفترض اجراءات صارمة ضد الفاسدين من الحكومة التي استشعرت حاجة البلاد لمعالجة التصدعات الاجتماعية التي تسبب في احداثها أشخاص أبعد ما يكونون عن الانتماء للعراق وشعبه، وانها مسؤولة عن حماية أفراد هذا الجيش من ضعاف النفوس الذين يدعون انهم يحملون الشرف العسكري.

نعم الفساد في بلادنا صار ظاهرة يتعذر وصف نطاقها، وامتدت طولا وعرضا، ومن أعلى المناصب الى أدناها، وان منسوبها فاق المستويات المتعارف عليها، لكن علينا ادراك ان منظومة انتاج الفاسدين هي حصيلة فشل برامجنا التربوية والثقافية، او قصور مضامينها، او رداءة المكلفين بتنفيذها، وضعف مؤسساتنا الرقابية.

فالبلاد ليست بحاجة الى جيش، فما موجود أعداده كافية وتزيد، ولاشك ان تجنيد مئات الآلاف سيشكل عبئا ماليا على الدولة، لكننا بحاجة ماسة الى قبر الطائفية والنزعات القومية المتطرفة التي مزقت المجتمع، وزرعت بذور الكراهية والضغائن في النفوس، وامتدت في التخريب حتى وصلت الى أصغر دوائرنا التنفيذية، وانتقلت الى أحاديث الأطفال في ألعابهم.

ومع الخلاص من الطائفية تهون جميع الأثمان والجهود مهما بلغت. وتصغر معها الأعراض الجانبية. لقد تأخرنا كثيرا في اتخاذ هذه الخطوة التي مثلت مع جريمة حل الجيش السابق ضربة قاتلة لتاريخ من الانسجام المجتمعي الزاهي بتعدد أطيافه، فتهيأت فرصة مؤاتية لانقضاض النزعة الطائفية المقيتة وانتشارها، وعلت بسببها الهويات الفرعية القاتلة على حساب الهوية الوطنية.

ولأن الهدف الجوهري من التجنيد الالزامي تعميق النسيج الاجتماعي، وتعزيز الانتماء الوطني، واكساب الشباب بعض الخبرات والمهارات والاعتماد على الذات، لذا فان فكرة دفع مبالغ معينة لقاء الاعفاء من خدمة العلم يفرغ الفكرة من محتواها، فالدولة ليست بحاجة لهذه المبالغ، ولا نريد تمييز الميسورين عن غيرهم، على الجميع خدمة العلم، والذي يتخلف يُحرم من فرص التعيين في دوائر الدولة ومن الحصول على قروضها وغيرها من الامتيازات، فالحرمان من هذه الامتيازات يجنب الدولة مسألة مطاردة المتخلفين، وطالما يُعد الحصول على فرصة العمل حقا، فان خدمة العلم واجب، وللشباب حرية الاختيار.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق