بقلم: كريستي أشواندِن

جهود التطعيم تجري على قدم وساق، لكنّ بلوغ الحد الأدنى النظري لمناعة القطيع اللازم للتغلب على "كوفيد-19" يبدو هدفًا بعيد المنال، في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة حملات التطعيم ضد "كوفيد-19" على مستوى العالم، أخذ تساؤل وجيه يطرح نفسه في أذهان الجميع: إلى متى ستستمر هذه الجائحة؟ إنه سؤال تحيطه مجاهيل عديدة، لكن الفكرة السائدة سابقًا بأنّ المناعة ضد فيروس "سارس-كوف-2" سيكتسبها في نهاية المطاف عدد أفراد كاف لمنع أغلب حالات انتشار العدوى – فيما يُعرف بمناعة القطيع – بدأت تبدو احتمالًا مستبعدًا.

وبوجه عام، لا يبدو بلوغ تلك النقطة ممكنًا إلا عند الوصول إلى معدلات عالية من التحصين باللقاحات. وكان باحثون كُثُر قد قَدّروا أنه ما إنْ يبدأ الأفراد في اكتساب مناعة ضد الفيروس بصورة جماعية، حتى تُتِيح مناعة القطيع هذه للمجتمعات العودة إلى الحياة الطبيعية السابقة على الجائحة. وذهبت أغلب التقديرات إلى أن بلوغ تلك المرحلة يتحقق باكتساب نسبة تتراوح من 60 إلى 70 % من السكان للمناعةَ ضد الفيروس، إما عن طريق التطعيم، أو التعرُّض السابق للعدوى. بيد أنه مع دخولنا العام الثاني من الجائحة، بدأ هذا الاعتقاد يتغير. على سبيل المثال، في فبراير الماضي، غَيّر يويانج جو، الباحث المستقل المتخصص في علم البيانات، اسم نموذج التنبؤ الذي صممه لاستشراف مسار جائحة "كوفيد-19"، فصار اسم نموذجه الشهير "الطريق إلى عودة الحياة إلى طبيعتها"، بدلًا من "الطريق إلى مناعة القطيع". ويقول جو إن بلوغ نقطة مناعة القطيع بدأ يبدو مستبعَدًا، نتيجة لعوامل عدة، منها تردد البعض في تلقّي اللقاحات، وظهور سلالات جديدة للفيروس، وكذلك التباطؤ في ورود لقاحات كورونا الموجهة إلى الأطفال.

صحيحٌ أن جو باحث في علوم البيانات، لكنّ منظوره يتوافق مع رؤية الكثير من المتخصصين في علم الوبائيات. على سبيل المثال، تقول لورِن أنسِل مايرز، المديرة التنفيذية لاتحاد نمذجة انتشار "كوفيد-19" في جامعة تِكساس بمدينة أوستِن الأمريكية: "بدأنا ننصرف عن الفكرة القائلة بأنّ بلوغ مناعة القطيع سيقضي على الجائحة للأبد". ويعكس هذا التحوُّل في المنظور التعقيداتِ والتحديات التي تفرضها الجائحة، لكنْ ينبغي ألا يقلل من أهمية جدوى اللقاحات؛ إذ تضيف مايرز قائلة: "تَوَفُّر اللقاح سيترتب عليه انقشاع العدوى بالفيروس من تلقاء نفسها"، لكنها تردف قائلة إنه مع ظهور سلالات جديدة من الفيروس، ومن ثم تراجُع المناعة التي نشأت عن تعرُّض سابق له، "ربما نجد أنفسنا في صراع مع ذلك التهديد الفيروسي، ونضطر للتعامل مع موجات إصابة به في المستقبل، لشهور، وربما لعام إضافي".

ومن بين السيناريوهات المحتملة للجائحة على المدى الطويل أن يتحول "كوفيد-19" إلى مرض متوطن، يشبه الإنفلونزا إلى حد بعيد. أما على المدى القريب، فيدرس العلماء احتمالية نشوء صورة جديدة من الحياة الطبيعية، لا تلعب مناعة القطيع فيها دورًا. وفيما يلي بعض الأسباب التي يقوم عليها هذا المنظور، وتبعات هذه الأسباب في السنة الثانية من الجائحة.

منطقة غموض: هل تكبح اللقاحات العدوى تمامًا؟

يكمن مفتاح الوصول إلى مناعة القطيع في أن يكون عدد المعرَّضين لأنْ يخدموا كعائل يسمح باستمرار انتشار الفيروس قليلًا جدًّا في محيط المصابين، وذلك عندما لا يُمكن للمحصَّنين من الفيروس ممن حصلوا على تطعيم ضده، أو مَن سبقت إصابتهم به، أن تنتقل إليهم العدوى به، أو أن ينقلوها إلى غيرهم. وعلى سبيل المثال، يتسم اللقاحان المضادان لمرض "كوفيد-19"، سواء اللقاح الذي طورته شركة "موديرنا" Moderna، أو ذاك الذي طوّره تحالف شركتَي "فايزر" Pfizer و"بيونتِك" BioNTech، بأنهما ناجعان للغاية في منع الإصابة بالأعراض المصاحِبة للمرض، لكنْ ليس واضحًا ما إذا كان اللقاحان يوفران حماية ضد الإصابة بالعدوى، أم ضد نقل الفيروس إلى آخرين. وهذه عقبة على طريق الوصول إلى مناعة القطيع.

وفي ذلك الصدد، تقول شويتا بانزال، اختصاصية علم الأحياء الرياضي من جامعة جورج تاون الأمريكية في واشنطن العاصمة: "لا يصبح بلوغ مناعة القطيع ممكنًا إلا عندما يكون لدينا لقاح يمنع انتشار العدوى. وفي غياب ذلك اللقاح، لا سبيل أمامنا لبلوغ هذه النقطة إلا بتطعيم الجميع"؛ فلا يمكن لمناعة القطيع أن تُحْدِث تأثيرًا ملموسًا إلا إذا كانت فعالية اللقاحات في وقف انتشار العدوى "كبيرة جدًّا"، على حد قول بانزال، والبيانات المتاحة حاليًا عن فعالية اللقاحات ليست قاطعة في هذا الشأن. وتضيف بانزال قائلة: "البيانات حول لقاحَي «موديرنا» و«فايزر» تبدو واعدة إلى حد ما"، لكنْ إلى أي مدى، تحديدًا، يمكن لهذين اللقاحين وللقاحات الأخرى الحيلولة دون انتشار العدوى؟ إنّ لهذا السؤال وإجابته تبعات هائلة.

ولا تحتاج اللقاحات، لكي تكون مؤثرة، أن تمنع انتقال العدوى بنسبة 100%. فحتى إنْ بلغت فعاليتها في منع انتقال العدوى 70%، سيكون هذا "رائعًا"، على حد تعبير صامويل سكاربينو، اختصاصي علم الشبكات الوبائية، الذي يدرس الأمراض المعدية في جامعة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، بيد أنه قد تبقى هناك مستويات كبيرة من الانتشار الفيروسي، ما قد يُصعّب بشدة كسر حلقات ذلك الانتشار.

تفاوُت توزيع اللقاحات

تُعَد سرعة طرح اللقاحات وتوزيعها مسألة مهمة للعديد من الأسباب، على حد قول مات فيراري، عالِم الوبائيات من مركز ديناميات الأمراض المعدية، التابع لجامعة ولاية بنسلفانيا، الذي يضيف: "كان بإمكان حملة عالمية متقنة التنسيق لتوزيع لقاحات «كوفيد-19» - نظريًّا على الأقل - أن تقضي على الوباء". ويُردف قائلًا: "يمكن تنفيذ تلك الحملة من الناحية الفنية، لكنّ الحقيقة أنّ ترجمتها إلى واقع، وعلى نطاق عالمي، مستبعَدة للغاية". فثمة تفاوُت هائل في كفاءة عمليات طرح اللقاحات من دولة إلى أخرى (انظر الشكل: "تفاوت في توزيع اللقاحات")، بل وداخل كل دولة.

في الولايات المتحدة، فقد تبايَن توزيع اللقاحات في أنحائها. وعلى سبيل المثال، بعض الولايات، مثل جورجيا ويوتاه، أنهت تمامًا تطعيم أقل من 10% من سكانها، بينما تجاوزت هذه النسبة 16% في ولايتَي ألاسكا، ونيو مكسيكو.

يجري توزع اللقاحات في أغلب الدول وفقًا للشرائح العمرية، إذ تُعطى الأولوية للأشخاص الأكبر سنًّا، لأنهم الأكثر عرضة للوفاة من جراء الإصابة بـ"كوفيد-19". أما فيما يتعلق بالأطفال، فلم يتضح بعد متى سيتوفر لهم لقاح، ولا ما إذا كان سيُطوَّر لهم لقاح من الأساس، أم لا. وكانت الشركات الثلاث ("فايزر"، و"بيونتِك"، و"موديرنا") قد بدأت في ضم مراهقين إلى التجارب الإكلينيكية للقاحاتها.

أما لقاح تحالُف جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا"، ولقاح شركة "سينوفاك بيوتك" Sinovac Biotch، فيجري اختبارهما في أطفال لم يتجاوزوا سن الثالثة، بيد أنه تفصل بيننا وبين نتائج تلك الاختبارات عدة أشهر. وإذا تعذَّر تطعيم الأطفال، فسيلزم تطعيم نسبة أكبر بكثير من البالغين، لنبلغ مرحلة مناعة القطيع، حسب ما أدلت به بانزال. (يصلح لقاح شركتَي "فايزر" و"بيونتِك" للأعمار بدءًا من 16 عامًا فأكثر. أما اللقاحات الأخرى، فقد أجيزت فقط لمن يبلغون من العمر 18 عامًا على الأقل).

وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقل أعمار 24% من المواطنين عن سن الثامنة عشرة (وفقًا لبيانات تعداد عام 2010). فإذا تعَذَّر تطعيم أغلب مَن هم دون سن الثامنة عشرة، فهذا يعني أنه سيتعين تطعيم جميع مَن تجاوزوا هذا السن، لتبلغ نسبة المحصنين ضد المرض من السكان 76%.

هذا يعني تشتت جهود مكافحة موجات انتشار مرض "كوفيد-19

وثمة عنصر مهم آخر، يجب أخذه في الاعتبار، وفقًا لبانزال، وهو التوزيع الجغرافي لمناعة القطيع. وحول ذلك، تقول: "ما من مجتمع بمعزل عن غيره، والبيئة المناعية المحيطة بمجموعة سكانية معينة شديدة الأهمية". وقد تفشّت جائحة "كوفيد-19" عبر مجموعات سكانية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، نتيجة لسلوك الأفراد، أو السياسات المحلية المتعلقة بمكافحة الجائحة. ثم إن جهود التطعيم السابقة تشير إلى أن الإقبال على تلقّي اللقاحات يميل أيضًا إلى التكتل في مناطق جغرافية معينة. وعلى سبيل المثال، أدت مقاومة التطعيم ضد الحصبة في بعض المناطق في بعض أنحاء الولايات المتحدة إلى تجدُّد ظهور المرض في بؤر جغرافية صغيرة. تقول بانزال: "ظاهرة التكتل الجغرافي للتطعيمات ستجعل الطريق إلى مناعة القطيع أطول، وهذا يعني بالأساس تَشتُّت جهود مكافحة موجات انتشار مرض "كوفيد-19". ومن ثم، فحتى البلدان ذات نِسَب التطعيم المرتفعة، مثل إسرائيل، قد يظل فيها احتمال تجدُّد موجات انتشار المرض قائمًا، إذا لم تحاول البلدان المجاورة لها الوصول إلى نسب تطعيم عالية أيضًا، واستمر اختلاط السكان في هذه البلدان.

السلالات الجديدة للفيروس تغيِّر معادلة الوصول إلى مناعة القطيع

بينما تواجه خطط طرح اللقاحات صعوبات تتعلق بتوزيعها، بدأت تبرز سلالات جديدة من فيروس "سارس-كوف-2"، تتسم بأنها أسرع انتشارًا، وأكثر مقاومةً للقاحات. وفي ذلك الصدد، تقول سارا ديل فال، اختصاصية علم الوبائيات الرياضي والحاسوبي من مختبر لوس ألاموس الوطني في نيو مكسيكو: "إننا في سباق مع السلالات الجديدة". وكلما استغرقنا وقتًا أطول في كبح انتشار الفيروس، أصبح لدى هذه السلالات متسع أكبر من الوقت للظهور والانتشار.

ولنا في البرازيل مثال، هو بمثابة ناقوس خطر؛ إذ أشارت دراسة في مجلة "ساينس" Science إلى أن تباطؤ انتشار "كوفيد-19" في مدينة ماناوس بين شهري مايو وأكتوبر الماضيين ربما كان مرده تأثيرات مناعة القطيع (L. F. Buss et al. Science371, 288–292; 2021)؛ بالنظر إلى أن الوباء كان قد ضرب هذه المنطقة بقوة. وقد قدرت إستر سابينو، اختصاصية علم المناعة من جامعة ساو باولو في البرازيل، وزملاؤها، أن أكثر من 60% من السكان قد أصيبوا بالعدوى بحلول شهر يونيو من عام 2020. ووفقًا لبعض التقديرات، كان يُفترض أن تكون تلك النسبة كافية لأنْ تصل بسكان البلد إلى الحد الأدنى من مناعة القطيع، بيد أنه مع حلول يناير الماضي، شهدت ماناوس موجة إصابات هائلة جديدة. وحدث ذلك بعد ظهور سلالة جديدة من الفيروس تُعرف باسم "بي-1" P.1، ما يعني أن الإصابات السابقة بالعدوى الفيروسية لم توفر حماية كبيرة ضد الفيروس. وتعقيبًا على ذلك، تقول سابينو: "حالات الإصابة التي سُجلت في يناير الماضي كانت جميعها، وبلا استثناء، نتيجة العدوى بسلالة "بي-1". ويعتقد الباحث سكاربينو أن تقدير نسبة 60% سالفة الذكر ربما انطوى على مغالاة أو مبالغة. إلا أنه حتى لو أقررنا بتلك المغالاة: "يبقى أن لدينا موجة جديدة من الإصابات في ظل مستويات مرتفعة من المناعة المكتسبة".

ويرى فيراري أن ثمة مشكلة أخرى تجب مواجهتها مع ارتفاع نسب المناعة المكتسبة بين المجموعات السكانية. فارتفاع هذه النسب قد يتسبب في ضغط تطوري انتقائي، وهو ما قد يخدم السلالات الجديدة القادرة على إصابة الأفراد الذين تلقوا تطعيمًا ضد الفيروس بالفعل. صحيحٌ أن سرعة إعطاء التطعيمات واكتمالها قد يمنعان ظهور سلالات جديدة، إلا أن تفاوُت كفاءة طرح اللقاحات يخلق تحديًا، على حد قول فيراري، الذي يضيف قائلًا: "لدينا قدر لا بأس به من المناعة المجتمعية، لكنْ لا يزال لدينا أيضًا قدر جدير بالاعتبار من نسب انتشار العدوى، فيما نحن مشتتون بين هذا وذاك". ونشوء ضغوط تطورية على الفيروسات، تسفر عن سلالات جديدة، وتترتب على اللقاحات يكاد يكون محتمًا. وهذا في حد ذاته سبب وجيه لإرساء بِنى تحتية وإجراءات لرصد هذه السلالات، كما يضيف فيراري.

المناعة قد لا تدوم

يعتمد تقدير النِّسَب الدالة على بلوغ مناعة القطيع على مصدرين لمناعة الأفراد، هما: اللقاحات، والعدوى الطبيعية. ويبدو أن الأفراد الذين يصابون بعدوى "سارس-كوف-2" تنشأ لديهم بعض المناعة ضده. لكنْ كم من الوقت تبقى تلك المناعة؟ يظل هذا سؤالًا عالقًا بلا جواب، على حد قول بانزال. فبالأخذ في الاعتبار ما نعلمه عن فيروسات كورونا الأخرى، والشواهد المبدئية حول فيروس "سارس-كوف-2"، يبدو أن المناعة الناتجة عن الإصابة بالعدوى تضعف مع الزمن، وهذا ينبغي أن يدخل في اعتباراتنا وحساباتنا. تقول بانزال: "لا نزال نفتقر إلى بيانات حاسمة حول درجة ضعف المناعة المكتسبة، لكننا نعلم أنها لا تصل إلى صفر في المائة، ولا 100%".

لن يستطيع الباحثون المتخصصون في نمذجة الأوبئة أن يُحصوا كلَّ مَن أصابته العدوى لدى حساب مدى اقتراب مجموعة سكانية من بلوغ حد مناعة القطيع. كما أن عليهم أن يضعوا في الاعتبار أن اللقاحات ليست ناجعة بنسبة 100%. وإذا تبين أن المناعة الناجمة عن إصابة سابقة تستمر لعدة أشهر فحسب، فهذا يعني قصر الوقت المتاح لتوفير اللقاحات. ومن الأهمية بمكان، أيضًا، أن نعرف كم تستمر المناعة التي توفرها اللقاحات، وما إذا كان من الضروري توفير جرعات تعزيزية للقاحات بمرور الوقت، أم لا. ولكلا هذين السببين، قد يغدو مرض "كوفيد-19" في نهاية المطاف مثل الإنفلونزا.

اللقاحات قد تغيِّر السلوك البشري

يقول أران إنه مع معدلات التطعيم الحالية، تقترب إسرائيل من الحد النظري الأدنى لبلوغ مناعة القطيع. بيد أن المشكلة تكمن في أنه مع ازدياد أعداد الأفراد الذين يتلقون اللقاحات سيزداد تفاعلهم وتواصلهم مع غيرهم، وهذا يغير معادلة مناعة القطيع، التي تعتمد في جزء منها على عدد الأفراد الذين يتعرضون للفيروس. من هنا، يقول أران: "اللقاحات لا تضمن تمامًا النجاح". وعلى سبيل المثال، تخيل سيناريو يوفر فيه اللقاح حماية بنسبة 90%. وتعقيبًا على هذا الاحتمال، يقول أران: "لو أنك كنت قبل اللقاح تلتقي بشخص واحد آخر على الأكثر، وصرت بعد تلقيه تلتقي بعشرة أشخاص، عندئذ نكون قد عدنا إلى نقطة البداية".

والجانب الأصعب في نمذجة انتشار "كوفيد-19" هو البعد الاجتماعي، على حد تعبير مايرز، التي تضيف قائلة: "ما نعرفه عن سلوك البشر حتى هذه اللحظة ليس مفيدًا في التعامل مع الوباء، لأننا نعيش لحظة منقطعة النظير في تاريخنا، ونتصرف بطريقة غير مسبوقة أيضًا". وتحاول مايرز ورفاقها تغيير نماذجهم لانتشار الجائحة على عَجَل، بحيث تضع في الاعتبار تغيرات سلوكية، مثل ارتداء الكمامات، والتباعد الاجتماعي.

وتؤكد دِل فال أن التدخلات غير الدوائية ستظل تلعب دورًا محوريًّا في الحد من عدد الإصابات بالفيروس، فالهدف على حد قولها هو كسر سلسلة انتشار الفيروس، وتقليل التفاعل الاجتماعي. ومن شأن الاستمرار في اتباع السلوكيات الوقائية، مثل ارتداء الكمامات، أن يساعد في كبح انتشار السلالات الجديدة من الفيروس في أثناء طرح اللقاحات؛ بيد أنه سيكون من الصعب منع الأفراد من العودة إلى سلوكيات ما قبل الجائحة. وقد بدأت ولاية تكساس الأمريكية، على سبيل المثال، وحكومات ولايات أمريكية أخرى في رفع الإلزام بارتداء الكمامات، رغم أن نسبة مرتفعة من مواطني هذه الولايات لا تزال غير مُحصّنة ضد الوباء. ويقول سكاربينو إنه من المحبط أن نرى الناس يتخففون من تلك الإجراءات الوقائية في هذه اللحظة، لأن إبقاء ما يبدو ناجعًا من هذه الإجراءات، كتقليل التجمعات في الأماكن المُغلقة، قد يلعب دورًا كبيرًا في مساعدتنا على القضاء على الجائحة. وبلوغ حد مناعة القطيع لن يعني "بلوغ شاطئ الأمان"، وإنما يدل على بلوغنا نقطة "أكثر أمانًا". وحتى بعد بلوغ تلك المرحلة، سيستمر اندلاع موجات تفش متفرقة.

ولفهم التأثير التراكمي للسلوك البشري ومناعة القطيع، فلنفترض أن موسم الإنفلونزا هذا العام كان رفيقًا على غير المعتاد. وحول ذلك، يقول سكاربينو: "يرجح أن الإنفلونزا ليست أقل قدرة على الانتشار من "كوفيد-19". ويضيف قائلًا: "نكاد نوقن بأن سبب تراجُع إصابات الإنفلونزا هذا العام يرجع إلى أن 30% في المتوسط من سكان العالم يكونون قد اكتسبوا مناعة ضدها، بسبب الإصابة بها في سنوات سابقة، وحوالي 30% آخرين اكتسبوا هذه المناعة بطريق التطعيمات. وبذلك، نكون قد بلغنا اكتساب 60% - أو نحو ذلك - من السكان للمناعة ضدها". وعلى حد قول سكاربينو، فبإضافة بعض السلوكيات، مثل ارتداء الكمامات، والتباعد الاجتماعي، "تكون فرص الإنفلونزا قد انعدمت تقريبا". وهذه الحسابات التقريبية تُظْهِر كيف يغيِّر سلوك الأفراد معادلة مناعة القطيع. كما تُبرِز أنه لم يلزم تطعيم عدد أكبر من الأفراد باللقاحات، للوصول إلى مناعة القطيع، مع إقلاع البعض عن ممارسة سلوكيات وقائية، مثل التباعُد الاجتماعي.

ويُعَد منع انتشار الفيروس أحد سبل العودة إلى الحياة الطبيعية، لكنْ لعل منع الأعراض الشديدة والوفاة لدى الإصابة به سبيل آخر لذلك، على حد قول ستيفان فلاش، اختصاصي علم الأوبئة المعنِيّ باللقاحات من كلية لندن للصحة وطب الأمراض الاستوائية، الذي يضيف أنه بناءً على ما نعرفه عن "كوفيد-19" حتى هذه اللحظة، "فبلوغ مرحلة مناعة القطيع بالاعتماد على اللقاحات وحدها يبدو أنه سيكون مستبعدًا للغاية". لذا، نحتاج إلى أن نكون أكثر واقعية في طموحاتنا. وصحيح أن اللقاحات، على حد قول فلاش، "كانت تطورًا مذهلًا تمامًا" في تعاملنا مع الوباء، لكنْ مِن المستبعد أن تتمكن من وقف انتشار الفيروس تمامًا، ومن ثم نحتاج إلى أن نتفكر في طريق للتعايش مع الفيروس. وهذا السيناريو ليس قاتمًا كما قد يبدو. فحتى بغير بلوغ نقطة مناعة القطيع، يبدو أن تطعيم الأفراد المعرضين لخطر الإصابة يؤدي إلى تراجع حاجتهم إلى دخول المستشفيات، وانخفاض نسب الوفيات بينهم. وربما لن يختفي هذا المرض عن قريب، لكن سطوته ستضعف على الأرجح.

اضف تعليق