التاريخ القديم ينبئنا بعدد لا يستهان به من اللذين اشتهروا بمنجزاتهم العلمية والمعرفية والدينية وغيرها من العلوم التي عرفها الانسان، فكانوا بما صنعوا خير صفوة وقدوة وجذوة من علم يضيء طريق التابعين الساعين الى الرشد والرشاد واتباع احسن الفعل والفاعل.

هؤلاء لم يذهب صنيعهم في الحياة في مهب الريح بل ظل شاخصاً، فهم كالنهر الذي تنهل منه الاجيال واحد تلو الاخر، وبذلك خدموا البشرية بما قدموا واستحقوا ان يشار اليهم ببنان الشهرة والرفعة والسمو وهذا هو ثمن ما قدموا وليس لاحد فضل عليهم.

هذه هي الشهرة بمفهومها الايجابي النافع ان صح ان نطلق عليها او هي الشهرة الرصينة او شهرة التقدير والاحتفاء سمها ما شئت، اما حاضرنا فقد ساده المتخبطون والعبثيون واختلطت الكثير من المفاهيم وغابت عنه المعايير، فأصبحت التفاهة التي تقدم في هذا العالم سيما على منصات التواصل الاجتماعي شهرة!، دون وعي ان افعال وسلوكيات هؤلاء التي لا تحمل في ثنياها فائدة ممكنة الاستنساخ للإفادة منها او تقليدها.

والذي يملئ القلب الماً ان اغلب اصحاب الشهرة او ما يعرف شعبياً بـ( الطاشين) على الرغم من سطحية وسخافة ما اشتهروا به فانهم باتو يمثلون القدوة للجيل الناشئ الذي ليس لديه ما يجعله يميز الغث من السمين، فساروا مقلدين لهم في لباسهم ومنطقهم وحتى حركاتهم بأدق التفاصيل والجزئيات، ليظهر جيل يعكس حجم الفراغ النفسي والروحي الذي يعيشه طالب هذا النوع من الشهرة وحتى متابعيه رغم كثرة اعدادهم.

بريق الشهرة الخاوية خطف قلوب المراهقين، وشغلهم بتلميع اشكالهم وسلوكياتهم بأفعال وتصرفات غريبة وفكاهة سخيفة الا في نظر الاتباع فهي نجاح واختلاف وتميز، فالتباهي بالسفر والتنقل بين اماكن جميلة ليس الهدف في المتعة ذاتها بل الغرض زيادة المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي التي اصبحت اشبه بالأسواق التي يعرض فيها هؤلاء البائسون انفسهم، فتراهم يجتهدون من اجل ذلك ويبذلون من اجله الغال والنفيس، حتى لو تطلب وصولهم الى المستوى المنشود من الشهرة ان يجعلوا من انفسهم بحركاتهم غير المنضبطة اضحوكة غير معنيين بالوسيلة لان الغاية ثمينة بالنسبة اليهم.

ومن اجل ذلك سخروا كل طاقاتهم وإمكاناتهم وافكارهم للوصول الى القمة التي يبتغونها، والشهرة السلبية اصبحت سهلة المنال والطريق اليها معبد، وهي لا تحتاج الى مستوى علمي ولا ثقافي ولا حتى اخلاقي بل كل ما تحتاجه ملابس واكسسوارات وسيارات مستأجرة في اغلب الاحيان.

أصبحت هذه المشكلة ظاهرة مرضية ووباءً اجتماعياً سريع الانتشار، يتنافسون عليه ويتباهون بكثرة المتابعين لا بمحتوى ما قدموا، متناسين ان الشهرة رغم الاقبال عليها في الآونة الاخير خصوصا بتقدير العقلاء هي " هي اعلى درجات التفاهة " بحسب (جورج سانتيانا).

فكثيرا ممن اشتهروا في ازمنة خلت هم من اعتى رجالات عصرهم واكثرهم بطشاً وعنجهية وقد اكتسبوا شهرتهم بقتل الابرياء كهتلر او تخريب المدن كنابليون بونابرت، وتحطيم البلدان وتجويع الشعوب وامتصاص دماء الناس كالرئيس الامريكي جورج بوش واسلافه، وهذه الشهرة تدوم بدوام الشر وما خلّفه من ضحايا، فالشهرة ترتبط بالسفّاحين والمجانين واضيف اليهم مؤخرا ما يسمى بالـ(مودل) والمغنين وغيرهم من الفارغين و من كلا الجنسين .

ونظرا للتقليد الاعمى من الصبية لهؤلاء المشهورون الفارغون المحتوى وما يترتب من اثر سلبي على المراهقين المقلدين يبرز دور للأسرة ينبغي عدم التهاون به وهو توجيه عناية ابناءها ومراقبة اهتماماتهم في نوع ما يعرض عليهم في وسائل التواصل والتلفزيون وكل مظاهر التكنلوجيا، وتوجيههم بمتابعة وتقليد ما ينفعهم لا ما يضرهم ويحولهم الى اناس بلا هوية يلتهمون كل ما يرونه حولهم.

كما يجب تدعيم ثقافتهم الناس ووتقوية ثقتهم بأنفسهم واشباع حاجاتهم العاطفية من خلال احتضانهم ومدهم بالدفئ الكافي، ومن الناحية الاجتماعية يجب منحنهم فرصة التواصل مع اقران يشعرون بالانتماء والتقدير معهم حتى لا ينجرفوا خلف شخصيات فارغة يقتبسون منها سلوكياتهم وتفاصيل حياتهم سلبية وغير مريحة.

اما لهؤلاء المشهورون الفارغون اللذين صنعتهم التفاهة والسخرية اقول: ان الشهرة هي من تلصق بالإنسان او ربما هي تكريما ً له على جهد بذله لتحقيق هدف يسعى اليه ومثالنا على ذلك العلماء والادباء والمفكرين والشعراء والكتاب وغيرهم، اما شهرتكم التي تشرع المحرمات وفق المبدأ الذي لا يلتقي بالمنطقية وهو (ان الغاية تبرر الوسيلة) فهي هوس يعكس بالضرورة نواقص في التربية وتغيير قيمي واخلاقي لا اكثر.

اضف تعليق