اسم الكتاب: نساء حول الشمس
المؤلف: مجموعة من الكاتبات
الناشر: جمعية المودّة والازدهار للتنمية البشرية
تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2020
عدد الصفحات: 285 قطع متوسط

المرأة عنصر أساس وفاعل في المجتمع، وهي طاقة هائلة من الخطأ تجميدها، أو التغاضي عنها، فالأمم الحية هي التي تستثمر طاقات أفرادها بأقصى درجات الاستثمار، والنساء طاقات كامنة بارعة، لابد من وضعها نصب الأعين، ومنحها الاهتمام الذي يوازي قدراتها الكبيرة.

جمعية المودّة والازدهار للتنمية البشرية، قامت بهذا الدور الكبير، واستطاعت من بين الكثير من مشاريعها الداعمة للمرأة، أن تقدم باقة من الكاتبات المتميزات، في مجموعة من القصص ضمن كتاب عنوانه (نساء حول الشمس)، بلغت (25) نصاً قصصيا، كُتبت بأسلوب سردي يمتلك المهارة ويحوز على ضوابط وأساسيات فن الكتابة القصصية، ومن المدهش حقا أن يوازي هذه الجودة في الفن السردي، مضامين القصص التي عرضت بجدارة وتميّز، لشخصيات نسائية نموذجية متفرّدة في التاريخ الإسلامي.

تناولت هذه الباقة من القصص شخصيات نسائية لها بصمتها الخاصة كلٌ على انفراد، ولكل شخصية دورها الإنساني الداعم لتثبيت دعائم الإسلام ودعم المبادئ الإنسانية، ومن المؤسف حقا أن تتعمّد سجلات التاريخ ومدوّنوها من المؤرخين، غض الطرف عن هذه الشخصيات الكبيرة، مع أنها تعدّ نماذج أصيلة في مواصلة الكفاح والصبر والانتصار لقضايا الإنسان في رحلته الكفاحية المتواصلة ضد الظلم وتدمير القيم الأخلاقية.

وقد جاء في مقدمة الكتاب، أن جمعية المودة والازدهار، تقدّم هذا الكتاب لعلمها بأنه مهم، وهو بمثابة رصيد معرفي للإنسان بشكل عام، ولحياة المرأة بشكل خاص، حيث ركزت القصص على مرحلة مهمة ومواقف مصيرية لم تعشها الشخصيات وحدها، بل قد تتعرض لها كل النساء على مر الدهور، كما أن هذه المجموعة تجمع بين تقنيات كتابة السيرة التاريخية، واليات السرد الأدبي في لغة ذات لحن شعري متناسق وجميل.

في القصة الأولى (هجرة فتاة/ للكاتبة زينب الأسدي)، يتابع القارئ أحداث متلاحقة ترسم قصة كفاح امرأة (هند)، ومواجهتها للمحن القاسية، والخطوب القاهرة، وهي تسعى إلى اللحاق بزوجها المهاجر إلى الحبشة، وتتابع أحداث الرسالة النبوية في نسق سردي بالغ التشويق ومكتمل الحبكة، وفي لغة إيحائية تضج بالدلالات والمعاني التي تمنح الإنسان دفقاً متواصلا من الأمل، بانتصار المرأة (الإنسان) في صراع المواقف، وهو ما حدث بالفعل عندما قدمت هذه الشخصية ومثيلاتها صورة مشرقة، للمرأة المثابرة المؤمنة القوية المتمسكة بمبادئ الإسلام والإنسانية، وما يزيد هذه القصة تميّزا، هو قدرة الكاتبة على إدارة الأحداث، واللجوء إلى جمل سردية ساطعة مشعّة ومكثّفة، ومفردات تدل على غزارة الثروة اللغوية للكاتبة، مما عزّز شخصية القصة (هند)، وأعطاها صفات تطمح كل نساء العالم بلوغها والتحلّي بها.

في قصة (الإكسير للكاتبة رقية تاج)، تطالعنا شخصية أخرى، لها خصوصيتها التي تُفْردها عن غيرها، إنها (فضة) هذه المرأة التي تميّزت بخصالها الكبيرة، لدرجة أنها صارت أقرب الناس إلى قلوب ذريّة الرسول (ص)، ومما يثير الدهشة حقا قدرة الكاتبة على تحويل الأحداث التاريخية، وكأنها حصلت الآن بحرارتها ومواقفها وخطوبها الهائلة، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على براعة الكاتبة، وقدرتها السردية، وثروتها اللغوية التي مكنتها من إعطاء شخصية (فضة) مكانتها العظيمة، والقدرة على تصوير الفجائع والملمّات القاسية التي أحاطت برحلتها، لذا جمعت هذه القصة بين جودة المضمون ومكانته على المستوى التاريخي لتقدّم (فضة) كنموذج للمرأة المخلصة القوية المؤمنة المناصرة لأئمة أهل البيت (ع)، وبين جماليات السرد القصصي حيث اللغة الثرية الموحية وانتمائها لروح العصر على الرغم من أنها تعالج أحداثا تاريخية وليست واقعية أو آنية.

مما يلفت نظر المهتم أو الناقد أو حتى القارئ، أن مجموعة قصص (نساء حول الشمس)، لا تتشابه في أساليب القص أو السرد، فلكل كاتبة أسلوبها، ومعالجتها الفنية المتميزة لأحداث القصة التي تكتبها، (الحاضر الغائب للكاتبة زهراء وحيدي) هي القصة التالية التي صاغتها الكاتبة بأسلوب ضمير (المخاطَب)، وقد لجأت إلى أسلوب لافت وجميل حين وظّفت الزوج (المختار)، كي يخاطب زوجته (عمرة)، ومن خلال هذا التدفّق المتواصل لسرد المختار، يصل إلينا ما تريد أن توضّحه الكاتبة عن حياة (عمرة)، حيث يرسم لنا المختار محطات دقيقة ومواقف عظيمة وخصال فريدة لـ (عمرة)، فجاءت اللغة غنية متماسكة، وهي تقدّم للقارئ حياة امرأة عظيمة ساندت زوجها في حياته بقوة، واستمرت بنصرته حتى بعد استشهاده، حين وقفت أمام أعدائه ورفضت أن تصف زوجها بصفات لا تليق به، رغم أن ثباتها على هذا الموقف هو الذي قادها إلى الموت، هذه المرأة العظيمة هي إحدى شخصيات (نساء حول الشمس)، وهي نموذج لجميع النساء إذا أردن أن يحصلن على الخلود، لقد أبدعت الكاتبة في الأسلوب الفني، لغة وإدارة للأحداث، فجاءت هذه القصة غنية في مضمونها وشكلها.

قصة (السدم للكاتبة مروة حسن الجبوري)، لها نبرتها السردية الخاصة أيضا، فهي تتصدى لامرأة عظيمة خلّدتها مواقفها الداعمة لأبي الأحرار (الحسين ع)، وإذا كان هناك كثيرون يعرفون هذه الشخصية، وتضحياتها الجسام، فإن هذه القصة بأسلوبها السردي الهادئ، أضافت تجسيما آخر لهذه الشخصية، وأعطتها مسحة من الوضوح، وأظهرت صلابتها، والكثير من مزاياها وعصاميّتها، وحين يلتقي الفن بالفكرة أو بالأحداث، ويرتقي أحدهما بالآخر، فإننا حتما سوف نكون أمام نص قصصي يحمل مزايا النجاح والتفرّد، وهو ما حصلت عليه قصة (السدم)، حيث أبدعت في تصوير وتجسيد شخصية امرأة لها حظوتها العظيمة والكبيرة في الذاكرة الشعبية والتاريخية على حد سواء، وقد اجتمع جمال الفن مع فرادة الشخصية التي عولجت في هذه القصة، لنقف أمام نص يعطي للنساء والإنسان درسا بثبات المواقف والاستعداد للتضحيات الكبيرة.

هل يعجز الإنسان عن أن يكون كـ حبات المطر كائنا قادرا على الإحياء، فيكون بذلك فعلا حيا؟!، هل يعجز عن أن يترك أثرا جميلا حوله، يجعله كـ فسيلة تكبر وتخضرّ نخلا شامخا لا يعطي إلّا ثماراً ؟!، هذه التساؤلات وسواها نجدها في قصة (أيها العزيز للكاتبة مروة ناهض)، فما أروع أن يضج السرد بمثل هذه الأسئلة الجوهرية، هكذا برعت الكاتبة بتجميل قصتها، بمثل هذه الأسانيد التي تمنح المرأة والإنسان القدرة على الثبات والتميز، فما بالك إذا كانت هذه الشخصية مقترنة بالإمام الحسين (ع)، هنا نجد ذلك الترابط والتآزر بين المضمون الفكري النافر وبين فن السرد، حيث تسمو روح الإنسان وأخلاقه ومبادئه، أما فنية كتابة القصة فقد اتضحت منذ الاستهلال، حين بدأت الكاتبة بواقعة ولادة تحدث حاضرا، لتربطها بواقعة تغور في أعماق التاريخ، كل هذا يكتمل في لغة جميلة، وأسلوب مختلف، ولعل من أهم سمات هذه الكاتبة، اختلاف أسلوبها وتفرّد الموضوع الذي تناولته عن شخصية (سيدة النساء) التي اقترنت بسيد الشهداء ثائرا عظيما في سفر التاريخ الإسلامي والإنساني على حد سواء.

أما في قصة (حياة الروح للكاتبة ولاء الموسوي)، فإننا نقف أمام نص مختلف من حيث التناول الفني، ويكمن الاختلاف في تلك اللغة الحالمة النقية المعبّرة عن قصة حب نسجتها قوّة إلهية مسبقة، فالمرأة القوية النقية المخلصة (رباب) تم رسمها في لغة تليق بشخصها ومكانتها ونقائها، وتعلّقها الشديد بالرجل الذي بُشِّرت به وصار حلمها في كل لحظة، وكيف لا وهو سلسل الدوحة النبوية، إنه الحسين (ع)، وحين تلتقي رباب بمن أحبَّت وحلمت به، تبدأ رحلة ثائر الطف، لإزاحة الطغيان والفساد، فتكون الزوجة (رباب) خير سند ومعين لزوجها، لقد حلَّقت بنا الكاتبة في سماوات سردية زرقاء حالمة ونقية، وقدمت لنا قصة متميزة لا يمكن أن تغادر الذاكرة.

في قصة (ختامه نحر للكاتبة هدى الحسيني)، تطالعنا شخصية أخرى مجبولة بالصبر، وهي تطل من كوّة صغيرة في جدار السجن الرهيب، وحين تقبع في السجن والظلام الدامس، ليس لها زاد سوى ذكرياتها مع زوجها عمر، حيث تستعيد أدق التفاصيل وتستمد من تلك الذكريات الصبر والقوة والقدرة على مواجهة العتاة، فحين غُيّب عنها زوجها رزحت في السجن الأظلم سنتين، ثم قررت أن تواجه الطغاة بموقفها العظيم المساند جهرا وإيمانا بموقف زوجها الشهيد، هذه الأحداث رغم كونها حصلت في السابق وسوف تحصل كثيرا في قادم الأيام، طالما الصراع بين الشر والخير يبقى قائما، إلا أن اللغة الجميلة، والمشاعر الصادقة المتدفقة، منحت لهذه القصة رونقها الخاص، ومنحتها قدرة المكوث في ذهن القارئ طويلا للاتعاظ والاستفادة.

القصة التالية (رسالة صبر بغياب الأمل للكاتبة إسراء الفتلاوي)، شخصية هذه القصة مارية بنت سعدة، تلك التي فقدت زوجها وأبناءها وهم يلتحقون لنصرة الإمام علي (ع)، ولم تكتف بهذا الموقف الكبير، فقد شمّرت عن عزمها وإرادتها، وراحت تستحث رجال البصرة كي يهبوا لمناصرة سيد الشهداء (ع)، وهذا ما حصل بالفعل حين قدّمت من أموالها الخاصة دعما للرجال كي يقاتلوا إلى جانب الإمام الحسين (ع)، امرأة من هذا الطراز تفقد زوجها وأبناءها وأموالها في قضية الانتصار للحق، لابد أنها نموذج للمرأة التي تُصلح المجتمع وتدعم الإنسانية، على صعيد الجانب الفني جاءت لغة الكاتبة مناسبة للفحوى، وهذا يُسجَّل لصالح الكاتبة التي تعاملت بذكاء مع أسلوب عرض الأحداث.

أما (قصة شوق إلى سدرة المنتهى للكاتبة جنان الهلالي)، فهي تعرض لشخصية زوجة الرسول (ص) ماريا، وتُظهر محاسن هذه المرأة وقدرتها الهائلة على الصبر، وعمق محبتها لزوجها الذي غادرها لتلتحق به بعد خمس سنوات من عذاب الفراق، استخدمت الكاتبة أسلوبا فنيا مختلفا عن الكاتبات الأخريات، فقد أطّرت المنحى السردي لقصتها بفن الحوار الذي دار بين ماريا وأختها سيرين، ثم لجأت إلى أسلوب استرجاع الأحداث (الفلاش باك)، حيث تستذكر ماريا شهور حملها لجنينها إبراهيم، وما رافق ذلك الحمل ومن بعده الولادة من تداعيات وأجواء يسودها التفاؤل بالمولود الجديد، وقد ركّز الكاتبة على معاناة ماريا الكبيرة، ومازجت بين الواقع والخيال ونجحت في ذلك، عبر لغة سردية مناسبة.

الكاتبة ضمياء العوادي تقدم قصتها (في محضر الصبر)، وتتناول فيها حياة امرأة ناصرت بطل الطف بكل ما تمتلك من بأس وإيمان، على الرغم من أنها محاطة بوحوش السلطة الغادرة، إنها طوعة التي آوت سفير الحسين مسلم بن عقيل، هذه المرأة أظهرت الشجاعة المتفردة التي يتحلى بها المؤمنون، ليصبحوا قاب قوسين من الشهادة، وهم أهل لذلك، القصة مكتوبة في لغة تنحو إلى التكثيف والترميز وهو أسلوب فني اعتادت عليه الكاتبة، وهذا يعود إلى مرجعيتها في القراءة والإطلاع، ولتخصصها بالعربية، وقد نجحت في تقديم قصة مؤثرة.

جاءت القصص الأخرى في المنحى نفسه، تتناول كل قصة شخصية امرأة تتميز بصبرها وذكائها وقدرتها على الثبات وتسجيل المواقف العظيمة، من هذه القصص (مشكاة الحب للكاتبة زهراء الوكيل) حيث اللغة المنسابة المعبّرة عن أصدق معاني الحب، في ثراء لغوي مشعّ، وإطار فني سلس، وفي قصة (نفيسة الروح للكاتبة غدير الأعرجي)، تطالعنا شخصية متميزة العنوان بقوة، وتسير في مسار الصبر والمواجهة، لتشكّل النموذج المبدع للمرأة القادرة على إثبات ذاتها بما لا يقبل الشك، وقد تلبّست لغة الكاتبة بأسلوب قريب من الوضوح والمباشرة، وأوصل الهدف المطلوب للقارئ الكريم.

الكاتبة (سارة عبد الرضا) تشارك في هذا الكتاب بقصتها (امرأة بنكهة الجنة)،وقد خصصتها لشخصية (آسية زوجة فرعون) وتناولت فيها بلغة جميلة منسابة ومعبّرة، تلك اللحظات التي التقطت فيها زوجة فرعون الصندوق الخشب الذي يطفو على سطح البحر، ويحمل طفلا غاية في الجمال، وتسترسل الكاتبة في سردها الرائع، لتوضح بأسلوبها الجميل إرادة المرأة المؤمنة القوية، حينما تؤمن بدورها الإنساني حتى لو كان زوجها طاغية أهوج ومجرم كفرعون.

من القصص الأخرى المشاركة في هذا الكتاب المتميز، قصة (درة الدرر للكاتبة سجى حليم)، وقصة (رُزقتُ حبَّها للكاتبة نسيم النجف)، وقصة (شاهد على قبري للكاتبة وصال الاسدي)، وقصة (قلوب ولائية للكاتبة مروة خالد)، وقصة (وهل الانتظار إلا الحب) للكاتبة فهيمة رضا، وقصة ثانية للكاتبة مروة حسن الجبوري عنوانها (مداهمتان)، وقصة (لبابة بين العِبرة والعَبرة)، وفصة (لك ما أملك.. للكاتبة حنين حليم)، وقصة أخرى للكاتبة رقية تاج عنوانها (أرزة لا تموت)، وقصة اخرى للكاتبة ضمياء العوادي عنوانها (محضُ باب)، وقصة (سليلة الملوك للكاتبة زينب علي عمران).

وينتهي هذا الكتاب بملحق يقدم جمعية المودة والازدهار في سطور سريعة تشرح أهداف الجمعية، وتقدم شيئا عن موقعها الإلكتروني الفاعل الذي يسعى لمواكبة تطور المرأة عالميا، ويقدم مقالات وموضوعات مختلفة تصب في تثقيف المرأة وتطويرها، ولابد من الإشارة إلى أن هذه الجمعية نجحت في ترسيخ صوت المرأة، وساهمت في تطوير مهاراتها، من خلال تقديمها لنشاطات ثقافية تنموية خاصة بالمرأة وحريصة على تطورّها وفاعليتها في المجتمع.

أخيرا.. لابد من القول أن كل قصة من قصص (نساء حول الشمس) حملت طابعها الخاص، تبعا لقدرات الكاتبات المختلفة، فالكتابة السردية تلتصق بقوة بشخصية الكاتبة، وثقافتها، وموهبتها، ومع ذلك أرى أن جميع القصص قدمت (شخصياتها النسائية المتميزة) بطرائق متميزة أيضا، واستطاعت هذه الباقة من القصص أن تبني وتطرح على القرّاء (لاسيما النساء)، نماذج غاية في الإيجابية مما يشكل دافعا إيجابيا للمرأة، كي تحذو حذو النساء العظيمات اللواتي طرحتها قصص هذا الكتاب بإيجابية عالية، وفي أساليب سردية غاية في الجودة والإشراق.

اضف تعليق


التعليقات

نرجس نعمه كامل الجابري الموسوي
العراق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل يمكنني المشاركة في طرح قصة معكم في كتاب نساء حول الشمس ؟ ان كان ممكناً ذلك كيف يمكنني أن أشارك؟ وهل المشاركة مجانية ام لا ؟2021-09-14