العالم محكوم بالمشاكل، وقد يرافقك الفشل وتتوالى عليك الصعاب في كل خطوة تخطوها نحو الامام، والفارق بين من يستسلم للفشل ومن يقبل تحدي الصعاب وصولاً الى النجاح في تحقيق غايته، هو كالبعد بين السماء والأرض، ذلك ان المستسلم للواقع لا يمكنه ان يغير ما بنفسه فما بالك بقدرته على نقل حجر من مكانه، اما الذي يرحب بالمشكلات ويستشعر لذة الصعاب وينظر الى المستقبل بأهداف كبيرة وطموحات عالية فهو القادر على صنع المعجزات وتحقيق ما يعجزه عنه غيره او يستصعبه الاخرون، وربما بجهد اقل بكثير من جهد من سبقوه.

فوفق "مبدأ باريتو" او ما يعرف بقاعدة (80/20) قد يكفي (20%) من جهدك لتحقيق (80%) من اهدافك، بينما يبذل غيرك (80%) من الجهد ليحقق (20%) من أهدافه فقط، والفرق بين الأول والثاني واضح في استغلال الوقت وتحقيق الأهداف بطريقة مثالية.

في العام (2020) الذي نعيش اسابيعه الأخيرة، عاشت البشرية تحديات صعبة ومشاكل حقيقية كانت أبرزها تحدي وباء فيروس "كورونا" الذي أصاب بالشلل مختلف القطاعات الحيوية (الاقتصاد، النقل، السياحة، التجارة، التعليم، الاستثمار، الوظائف...الخ) حول العالم، واجبر المليارات من الناس البقاء في منازلهم خوفاً من الإصابة او العدوى، بعد ان عجز الطب والتكنولوجيا المتطورة من إيجاد لقاح يكبح جماح الانتشار للفايروس الذي تحول الى "جائحة" تهدد الوجود البشري بحسب ما حذرت منه منظمة الصحة العالمية، ومع الاقتراب من انهاء هذه الازمة بعد الإعلان عن النجاح في حل مشكلة إيجاد اللقاح المضاد للفيروس وتوزيعه للأفراد في مختلف قارات العالم، الا ان الكثير من الدروس يمكن الاستفادة منها للمستقبل في هذا الامتحان الذي عاشته البشرية، خصوصاً لمن عاش فيه تجربة النجاح رغم صعوبة الظرف، وكذلك تجربة الفشل والانهيار التي اصابت الاعم الاغلب.

يذكر المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله) حقيقة سعي الانسان في هذه الدنيا بعبارة جميلة مفادها: "ان الدنيا كلها مشاكل وصعوبات، والذي يصبر على المشاكل ويتحمل الصعوبات ولا يتذمر فهو الموفق الناجح"، فمفتاح التوفيق والنجاح في دنيا المشاكل والصعوبات هو الصبر والقدرة على التحمل وتحدي الصعاب وحل المشكلات بدلاً من تعقيدها، وهذا الامر لا يتأتى الا من اعتقاد راسخ وهمة عالية وشدة العزيمة: "لو اعتقد الانسان بأمر ثم صمم عليه فانه سيجتازه بنجاح (...)، فلنصمم من الان على ان نجتاز الامتحانات في هذه الدنيا ونتحمل صعوباتها، ليوفقنا الله تعالى ونؤدي وظائفنا بصورة صحيحة، إذا اشتدت العزيمة زاد التحمل بنسبتها".

لا يختلف أحد على ان النجاح او الفشل تحكمه الكثير من العوامل والمقدمات والأسباب التي تلعب دوراً محورياً في سعي الانسان في هذه الدنيا، وقد يستقتل البعض على توفيرها، ولا يدخر جهداً لضمان النجاح في تحقيق ما يصبو اليه من اهداف رسمها خلال حياته، لكنه رغم كل ذلك يفشل في تحقيق الهدف...؟ وقد يبذل البعض جهداً مضاعفاً مقارنة بالأخرين للوصول الى النجاح او النسبة التي حددها لنجاحه، لكنه لا يستطيع تحقيق أكثر من (20%) او اقل من ذلك بحسب "مبدأ باريتو"...؟

قد لا يوجد أي نقص او خطأ في أهدافه او خطته التي رسمها او ادواته التي استخدمها او الطريقة التي ادار بها الأمور لتجاوز العقبات والصعاب التي اعترضت طريقه نحو النجاح، وانما قد يكون العائق الأكبر واهم أسباب الفشل هو الانسان وما يحمله من نفس قادرة على تجاوز المشكلات او الاستسلام امام اول العقبات، فالنفس او الجانب الروحي، هو ما يفيض على الانسان ويعطيه هذه القدرة الهائلة لتحقيق ما يعجز عنه اقرانه إذا استطاع التناغم معها وتحليتها بالأخلاق والفضائل والطاقة الإيجابية، بخلاف الجانب المادي من الانسان كما يشير سماحة المرجع صادق الشيرازي (دام ظله) بقوله ان: "عمر الانسان وكيانه الظاهري، أي بدنه، سائر الى الفناء والزوال، ولكن جنبته المعنوية وروحه، على العكس من ذلك، تسير نحو العروج والتعالي بدل الافول والنقصان".

وتعتمد قوة الإرادة والعزيمة والهمة العالية في تحقيق النجاح وتجاوز الصعاب مهما كبرت وتعاظمت على النفس التي بين جنبيك والتي شبهها المرجع الشيرازي بالوعاء: "منها واسعة، ومنها ضيقة، فالواسعة لا يملؤها شيء قليل، والضيقة تفيض منها مقادير قليلة حتى تبدو على أطرافها، فمثلاً: إذا تعلم بعض العلم، يقوم بإظهاره في كل مجتمع ومنتدى، وإذا رزقه الله قليلاً من المال، اعرض وتكبر، وحسب لنفسه ألف حساب، وإذا تسلم رتبة متواضعة رايته وكأنه يمشي على السماء، يصعر خده للناس، وهكذا يكون صغير النفس، وبالعكس من ذلك من كبرت نفسه واتسعت افاق فكره، فانه كلما رأى من خير رأى بعده افقا، وفوقه متسعا، فتتضاءل لديه نفسه".

لذلك سوف تتحطم كل النجاحات في مجال العلوم والاختراعات، وسينتهي غرور الانسان بنفسه وعلمه امام أصغر الفايروسات حجماً، وستعجز كل تكنولوجيا العالم عن انقاذ شخص واحد من الموت إذا تراجعت قيمة الاخلاق والفضيلة (الجانب الروحي) امام مادية العلم، وستتحول الى سلاح موجه ضد البشرية (الجانب المادي) بدلاً من استخدامها كوسيلة لإسعاد البشرية وانقاذها من العقبات التي تعترضها، خصوصاً في الثقافة الغربية التي تعتمد على المادية فقط، وهو ما أشار اليه سماحته بقوله: "تخلوا الثقافة الغربية من الايمان ومن الاخلاق والفضيلة، والذي على إثره أصبح العلم، الذي هو أفضل وسيلة للرقي والتقدم، والثقافة التي هي اقوى آلة لتحقيق التعارف والتالف والامن والسلام في الامة، بل في العالم كله، وسيلة للانحطاط والتناكر، وآلة لبث الخوف والذعر والفوضى والاضطراب والحرب والدمار في الامة، بل في العالم كله".

ويضرب المرجع صادق الشيرازي (دام ظله) مثال، غاية في الروعة، على قدرة النفس وما تملكه من أدوات تمكنها من النجاح بنسبة عالية امام اقوى الامتحانات والعقبات التي تعترض طريقه بقوله: "لقد استطاع رسول الله (صلى الله عليه واله) بأخلاقه العالية والفضيلة، ومنها العفو وعدم الانتقام، ان يجعل الد الأعداء، بدون اجبار واكراه، بان يأتي طوعاً ورغبةً ويسلموا على يدي رسول الله (صلى الله عليه واله)، سواء حينما كان النبي (صلى الله عليه واله) في مكة المكرمة بعد فتحها، او بعد عودته الى المدينة المنورة، (...)، نتيجة الخلق العظيم له (صلى الله عليه واله) في تعامله مع اشد اعدائه والدّهم، ونتيجة تعامله بالحسنى".

لذلك من أراد النجاح وتجاوز المشكلات التي تواجهه خلال حياته عليه العمل على تقوية هذا الجانب الروحي النفسي وما تحويه من فضائل واخلاق ستمكنه من عبور كل ما يعترض حياته المادية والمعنوية ايضاً.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2020
http://shrsc.com

اضف تعليق