في يوم ذكرى استشهاد مولانا باب الحوائج الإمام الكاظم صلوات الله عليه، (الخميس 25 رجب الأصبّ 1436 للهجرة ـ 14/5/2015م)، زار المرجعَ الدينيَ سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من المؤمنين والمؤمنات من دولة الكويت، في بيت المرجعية الشيرازية أدام الله ظلها الوارف، في مدينة قم المقدّسة.

في هذه الزيارة، ألقى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، كلمة قيّمة، قال فيها:

أرفع التعازي بمناسبة ذكرى استشهاد سيدنا ومولانا الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليهما، إلى المقام الشامخ والرفيع لسيدنا ومولانا بقيّة الله المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله عليه، وإلى المؤمنين والمؤمنات في كل مكان. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجّل في فرج مولانا الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف لينقذ البلاد والعباد من المشكلات، ويعم الأمن والرخاء والراحة والطمأنينة والإيمان وكل خير للجميع وبكل مكان.

وقال سماحته: المعصومون الأربعة عشر صلوات الله عليهم هم أعدال القرآن الكريم. والقرآن الكريم والمعصومون هم الملاك الوحيد في سعادة الجميع في الدينا والآخرة. وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم صلوات الله عليه، أنه قال: (إيّاك أن تمنع في طاعة الله فتنفق مثليه في معصية الله).

وأوضح سماحته: في هذا الحديث الشريف، يذكر الإمام الكاظم صلوات الله عليه حقيقة واقعية، وحقيقة تاريخية أيضاً، وهي ان كل إنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، وغنيّاً أو فقيراً، وعالماً أو جاهلاً، إذا كان عليه حق من مال أو من حقوق أخرى، مثل الحقّ الذي على بدنه، وعينيه، وإذنيه، ولسانه، ومن ذلك، ولم يؤدّ هذا الحقّ، أو منع عنه، فسيبتلى بأن يدفع ضعف ذلك في باطل. فمثلاً: إذا كان يجب على شخص أن يدفع ألف ديناراً في حقّ فمنع ذلك، ولم يعطه، فسيبتلى في يوم من الأيام بأن يعطي ألفي ديناراً في باطل. وإذا أعطى في باطل فلا أجر له أولاً، وثانياً يستحقّ العذاب والعقاب لأنه أنفق في باطل.

وبيّن سماحته: هكذا الإنسان الذي عليه وبذمّته حقّ، أوجب الله عليه أن يستفيد من لسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا منع هذا الحقّ الواجب عليه في لسانه، سيبتلى في يوم من الأيام بأن يصرف هذا اللسان في باطل، أكثر مما يصرفه في حقّ. فإذا كان قد صرف لسانه في حقّ، أي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، سيكون له درجة وأجراً. وأما إذا منع هذا الحقّ سيبتلى بأن يصرف ذلك في باطل، أكثر، ولا يكون له فيه أجر، بل يستحقّ العقاب.

وشدّد سماحته، قائلاً: كل إنسان، خصوصاً الأب والأم، بالنسبة إلى أولادهما، عليهما أن يجسّدوا الدين بأعمالهم، وأن يلتزموا بما يجب عليهما عملاً، فإذا التزما، فهذا هو التبليغ العملي، وسيكون تأثيره أقوى من التبليغ القولي، في الأولاد، وبالنسبة لغير أولادهما أيضاً.

لذا يجب على الجميع أن يستفيدوا من أيام الحياة الدنيا، ويلتفتوا إلى ما جعله الله عليهم من الواجبات في أبدانهم، وفي أموالهم، وفي طاقاتهم، وفي تصرّفاتهم، ولا يمنعوها، حتى لا يذهب أجرهم، ولا يستبدل بمكان ذلك الأجر، استحقاق العقاب، ويصرفوا الأكثر من ذلك في الباطل.

وذكر سماحته، عبرة بهذا الصدد، وقال: قال الإمام الباقر صلوات الله عليه: كان أحد المؤمنين يدعى (سعد) في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله، في بداية الهجرة النبويّة، وكان فقيراً شديد الحاجة من أهل الصفة (الفقراء الذين يسكنون أطراف المسجد)، وكان ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وآله عند مواقيت الصلاة كلّها لا يفقده في شيء منها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرقّ له وينظر إلى حاجته وغربته فيقول: ياسعد لو جاءني شيء لأغنيتك. فابطأ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فاشتدّ غمّ رسول الله صلى الله عليه وآله بسعد، فعلم الله سبحانه وتعالى ما دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله من الغمّ، فأهبط عليه جبرائيل عليه السلام ومعه درهمان، فقال له: يامحمد إنّ الله قد علم ما قد دخلك من الغمّ بسعد، أفتحبّ أن تغنيه؟ فقال: نعم. فقال له: فهاك هذين الدرهمين فأعطهما إيّاه، ومره أن يتجر بهما. فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم خرج إلى صلاة الظهر وسعد قائم على باب حجرات رسول الله صلى الله عليه وآله ينتظره، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ياسعد أتحسن التجارة؟ فقال له سعد: والله ما أصبحت أملك ما اتّجر به. فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله، الدرهمين، وقال له: اتّجر بهما وتصرّف لرزق الله. فأخذهما سعد ومضى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى صلّى معه الظهر والعصر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قم فاطلب الرزق فقد كنت بحالك مغتمّاً ياسعد. فأقبل سعد لا يشتري بالدرهم إلاّ باعه بدرهمين، ولا يشتري شيئاً بدرهمين إلاّ باعه بأربعة دراهم، وأقبلت الدنيا على سعد فكثر متاعه وماله وعظمت تجارته، فاتّخذ على باب المسجد موضعاً جلس فيه وجمع تجارته إليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أقام بلال الصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهّر ولم يتهيّأ كما كان يفعل قبل أن يتشاغل بالدنيا، فكان النبي صلى الله عليه وآله يقول: ياسعد شغلتك الدنيا عن الصلاة؟ فيقول: ما أصنع؟ أضيّع مالي؟ هذا الرجل قد بعته فأريد ان أستوفي منه، وهذا رجل قد اشتريت منه فأريد أن أوفيه. فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله من أمر سعد غمّ أشدّ من غمّه بفقره، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام، فقال: يامحمد إنّ الله علم بغمّك بسعد، فأيّهما أحبّ إليك، حاله الأولى أم حاله هذه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ياجبرائيل بل حاله الأولى قد أذهبت دنياه بآخرته. فقال له جبرائيل عليه السلام: إنّ حبّ الدنيا والأموال فتنة ومشغلة عن الآخرة، قل لسعد يردّ عليك الدرهمين اللذين دفعتهما إليه، فإنّ أمره سيصير إلى الحالة التي كان عليها أولاً. فخرج النبي صلى الله عليه وآله، فمرّ بسعد فقال له: ياسعد أما تريد أن تردّ عليّ الدرهمين الذين أعطيتكهما؟ فقال سعد: بلى ومائتين، فقال له: لست أريد منك ياسعد إلاّ درهمين. فأعطاه سعد درهمين. وأدبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان جمع، وعاد إلى حاله التي كان عليها. (فروع الكافي: ج5، ص312، ح38).

وعقّب سماحته، بقوله: هذه القصّة هي خلاصة التاريخ. فإذا لم يصرف الإنسان طاقاته وعمره وما يتمكّن منه، من نظراته، ولسانه، ويديه، وأمواله، في سبيل الخير والحق، ومنع ذلك، سيبتلى بأن يصرف مثليه في الباطل، فلا أجر له، بل سيكون عليه استحقاق العقاب.

وأكّد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، خاتماً كلمته القيّمة: لنكن جميعاً، في كل وقت، وخاصّة في هذه الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، وشهر رمضان المبارك، بأن نحاول بصرف طاقاتنا وإمكاناتنا، وعلمنا، وفهمنا، وعقلنا في الحقّ والخير، ولا نمنع ذلك، وإلاّ يسلب منّا، ونبتلى بصرف مثليه في الباطل، كما قال الإمام الكاظم صلوات الله عليه، في حديثه الشريف الذي ابتدأنا به القول.

أسأل الله تعالى أن يوفّق الجميع لذلك. وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1