لم يعبر المجتمع المدني المتشكل منذ عام ٢٠٠٣ في العراق عن حاجات المجتمع بقدر تعبيره عن رغبات ملء فراغات احدثتها الديموقراطية الوليدة. وعلى الرغم من خلل الديموقراطية وإدارة مسيرتها من فاعلين غير ديموقراطيين فإنها جعلت الشريحة السياسية امام امتحان مستديم ووضعت الشعارات والخطوات والنتائج ومنها...

ما هو برأيكم مستقبل المجتمع المدني في العراق، بعد ان استطاعت البصرة ان تغير قواعد اللعبة في العملية السياسية؟ وهل سيصمد المجتمع المدني امام موجات القمع والضغوط المختلفة ام سيستسلم؟

الدكتور محمد القريشي:

لم يعبر المجتمع المدني المتشكل منذ عام ٢٠٠٣ في العراق عن حاجات المجتمع بقدر تعبيره عن رغبات ملء فراغات احدثتها الديموقراطية الوليدة.

وعلى الرغم من خلل الديموقراطية وإدارة مسيرتها من فاعلين غير ديموقراطيين فإنها جعلت الشريحة السياسية امام امتحان مستديم ووضعت الشعارات والخطوات والنتائج (ومنها الفساد والفشل) امام أنظار الجمهور، مما ادى الى إنضاج الحالة النقدية ونقل المجتمع المدني من حالة الرتابة الى حالة المساهمة في صناعة الفعل السياسي، وقد ساعد في ذلك توسع وسائل التواصل الاجتماعي اضافة الى تحرر الجيل الجديد من عقد الماضي.

ولان شعارات الاحتجاجات ليست أيديلوجية بل مطلبية خالصة فان ذلك سيساعد المجتمع المدني (الذي تبنى الحراكات) على الصمود والتجدد لسبب أساسي يمكن في قدرة المنع على إكساب الفكر (او النهج) الممنوع حيوية التجدد وشرعية الاندفاع نحو الامام.

الدكتور رؤوف الانصاري:

حكومة السيد عادل عبد المهدي ستحدد ملامح مستقبل العراق امام القمع والضغوط المختلفة، وخاصةً من بعض الفصائل المسلحة التي اوجدتها ايران حتى لا يعيش ابناء هذا البلد بأمان واستقرار، واذا كان موقفه صارماً اتجاهها سيقف الشعب كله معه والا ستكون هناك مظاهرات عارمة يشترك فيها عموم العراقيين.

الدكتور جعفر نجم:

في الأصل ان مؤسسات المجتمع المدني في المجتمع هي غير ناضجة وتمت الهيمنة عليها من قبل الأحزاب وصنعت مؤسسات تابعة لها، فلهذا اعتقد ان ما جرى بالبصرة ليس له صلة مباشرة بتلك المؤسسات، بل هي حركة عفوية أسهم الفيسبوك بأحداث حراكها بنحو تواصلي أوسع فضلا عن تجمعات شبابية مستقلة.

والاصل ان مؤسسات المجتمع المدني في الكثير منها غير مستقلة، وعليه فالشباب المستقل هم المفتاح للتحولات القادمة، ولكن فقدان القيادة يضيع دائما بوصلة الاستمرارية والتدفق، فتضيع الجهود مرة اخرى.

الدكتور حسن السوداني:

احدى اهم سمات احتجاجات البصرة انها كسرت احتكار الاحزاب السياسية في توجيهها للجماهير، فلم تظهر رغم الكثير من المطالبات قيادات لهذه التظاهرات!! وحتى ان ظهرت هنا او هناك فتعود الصورة مجددا في مناطق اخرى خارقة القواعد التقليدية.

واذا كانت احدى عوامل قوة هذه التظاهرات في برائتها وصدق مطالبها فانه هذه النقطة ذاتها كانت اهم مصادر ضعفها!! بسبب بعد مركز السلطة عن اصوات المحتجين الغاضبة وتسويف السياسيين في الاستجابة لمطالب المحتجين. وصلافة القادة الحكوميين اتجاه المطالب بحجج باتت كالكرة التي تتقاذفها الارجل دون ان تستقر في هدف الحقيقة.

المجتمع المدني اليوم شب عن طوق القيادات التقليدية التي ظهرت في عام 2011 واتحدت رغم تنافرها العقائدي، وان حدثت مجددا فلن تجد تلك القوى ذلك الترحيب وستقف وحيدة امام زحف الجماهير المحاصرة بسوء الخدمات.

الدكتور قحطان الحسيني:

لا شك ان المجتمع المدني في العراق يمر في اوقات عصيبة في ظل ضعف القانون وغياب هيبة الدولة وهيمنة الولاءات التقليدية الطبيعية على المجتمع، فتصاعد دور العشيرة والمؤسسة الدينية وغلبة الولاء للقومية والمذهب ترك اثارا سلبية على الحياة المدنية في المجتمع العراقي.

ويبدو ان مسيرة الديمقراطية في العراق قد خلقت ظروفا اجتماعية عكس ما كان متوقعا منها عندما تلاشت بعض الشيء القيم المدنية مقابل رسوخ القيم والعادات المناقضة لها، وهذا ناتج عن طبيعة الثقافة الاجتماعية السائدة في العراق وخصوصا ثقافة القيادات والزعامات التي تعاقبت على حكم العراق والتي كانت في اغلبها ذات توجهات دينية او عشائرية بعيدة عن القيم المدنية.

وما يهدد المجتمع المدني في العراق نظرة هذه القيادات الى التيارات المدنية بانها ذات اجندات تتعارض مع الاعراف الاجتماعية ولديها افكار لا تنسجم مع تقاليد المجتمع المستندة الى الطروحات الدينية، ولذلك فهذه القيادات لم ولن تسمح للتيارات المدنية بالتمدد والانتشار وستعمل على مواجهتها بشتى السبل بسبب التخوف من امكانية وصولها الى السلطة واستخدام ادواتها من أجل تغيير طبيعة القوانين وتحويلها باتجاه يضمن نمو القيم المدنية.

الدكتور غسان السعد:

لعل اهم تحديات المجتمع المدني هو تسيس منظماته، أو تخوينها، أو شراء قادتها.

الدكتور علي فارس حميد:

ان الحراك الذي شهدته البصرة ساهم في تغيير قواعد اللعبة السياسية وغير خياراتها بشكل نقل العملية السياسية الى نمط جديد لم نشهده اعتمد على التوافق بالاختيار والقبول وليس بالشروط والاكراه، وهذا الامر مهم في نجاح العملية الديمقراطية، واعتقد انه سوف يستمر بنشاطه واستقلاليته هذه المرة بسبب ماحققه ومايريد تحقيقه من منجز وطني بعد ان نجح في الضغط على الكتل السياسية والسلطة التشريعية في تنفيذ مطالبه.

وسيزيد من ضغطه في الايام القادمة لتنفيذ بقية المطالب خصوصا بعد ان عمدت المرجعية الدينية الى دعم هذا التيار بشكل مباشر وغير مباشر.

الى جانب ذلك فمن الصعب تجاهل دور المجتمع في الايام القادمة بسبب خروج هذا المجتمع عن سكوته والبدء بحراكه وقد يكون مهددا للحكومة القادمة اذا ما تجاهلته.

مع التقدير لحضرتكم

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

ان المتتبع لسير الحراك الجماهيري المطالب بتصحيح مسار العملية السياسية ومعالجة الملفات الشائكة ومنها ملف الفساد المالي يجد فعلا ان هذا الحراك اصبح عاملا ضاغطا وموثرا في المشهد السياسي العراقي، لكن هذا الحراك الذي يبدو حراكا ذو نزعة مدنية ويحاول ان يبعد بنفسه عن ايديولوجيات الاحزاب الحاكمة لم يتمسس بآليات النقابات والمؤسسات المدنية رغم دور كثير منها في اشاعة ثقافة النقد والاحتجاج ضد الواقع السياسي المتهالك، لاسيما دور المؤسسات التي تهتم بالإعلام المقروءة عبر التكنولوجيا الرقمية كالإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي.

هذا الدور المؤثر الذي تقوم به الجماهير بفعل العوامل المغذية من المؤسسات المدنية بلاشك بات يزعج الأحزاب والقوى المستفيدة فئويا وحزبويا من الواقع الجديد في العراق، فهي بذلك تحاول ترهيبه مرة وترغيبه في اخرى، لكن اتصور ان النموذج المتطور من حركات الاحتجاجات ذات المطالب والوسائل المتباينة يشكل اليوم عاملا مرعبا في ذهنية القوى الفاسدة لا سيما بعد الدعم الذي حظيت به هذه الاحتجاجات والجهات الساندة له من قبل المرجعيات الدينية والشرائح الثفافية، فأتصور ان دور هذه المؤسسات في جانب النقد والاحتجاج سيتزايد في المستقبل خاصة إذا ما فشلت حكومة عادل عبد المهدي في تنفيذ برنامج خدمي وتعميري قصير المدى لكل المحافظات العراقية.

الدكتور سعدي الابراهيم:

المجتمع المدني في العراق أغلبه غير مدني، فالمدنية من ضمن ما تعنيه أن تكون أسمى من الهويات الفرعية (المذهبية والقومية والمناطقية)، المدنية تركز على الإنسان من حيث هو إنسان وحسب. وهي تبحث عن تحقيق مصالحه ونقله إلى حالة الرفاه والعدالة الاجتماعية.

ربما هذه السمة متوفرة في الدول المتقدمة المستقرة، لكنها في الدول غير المتقدمة مثل العراق، تتلون بلون البيئة، فهي وان رفعت شعارات مدنية لكن جوهرها نابع من نصرة الجهات التي سهلت تشكيلها في البلد، سواء أكانت جهات سياسية أو غير ذلك، هذا الارتباط غير الصحي بالجهة المسهلة أو الحامية للمنظمة قد أفقدها جوهرها وجعلها مجرد أداة لتحقيق غايات غير مدنية.

ولكي لا نبخس الناس اشيائهم، نقول هذا ليس على العموم فهناك من المنظمات ماهو صادق في عمله ويسعى لتحقيق شيء للفرد والمجتمع، لكن ظروف البلاد أقوى منه، فتجبره على الصمت أو تقديم الشيء المكرر والشحيح الذي لا يسمن ولا يغني من جوع لكنه ملموس ومحسوس.

بعد أحداث البصرة سينكمش المجتمع المدني وسيبحث عمن يحميه، وسيكتب بيد مرتجفة، ويتكلم بصوت منخفض، وربما أن البعض من عناصره ستترك ساحة المعركة لأن الأسلحة المستخدمة أقوى من أسلحتها التي لا تتعدى القلم والصوت، أما الآخرون فيمتلكون البندقية.

م.م.علي مراد العبادي:

اهمية المجتمع المدني تنطلق من الدور الملقى عليها في ممارسة الرقابة المجتمعية، اضافة الى كونها حلقة وصل ما بين المجتمع والدولة باعتبارها ممثل لهم ومطالب بحقوقهم. وعملها يكون اكثر وضوحا في الدول ذات الاستقرار الديمقراطي، اما الدول في طور التحول كما هو العراق فان الضبابية تخيم على عملها لا سيما موضوع التمويل والتبعية والتأثير والدور.

وفيما يخص جوهر السؤال فان احداث البصرة قد وضعت المجتمع المدني على المحك خصوصا وان النجاح الذي حققه في تنظيم تلك التظاهرات قد سلط الضوء عليها، وهذا الامر لايرضي بعض القوى المتنفذة، لذلك فان حملات الاعتقال او المطاردة قد يكون هدفها تحجيم دورها الا انها لم تتأثر كثيرا مع فقدان المواطن ثقته بالأحزاب والقوى السياسية وحتى الحكومية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق