بقلم ديڤيد. ز.هامبريك

يشير بحث جديد إلى ثلاثة أنواع مختلفة من الأفعال التي تجعل الإنسان يشعر بالندم لشدة غبائها.

نرتكب جميعنا أخطاء حمقاء من آنٍ لآخر، والتاريخ مليء بالعديد من الأمثلة. إذ تقول الأسطورة إن أهل طروادة قبلوا "هدية" اليونانيين، والتي كانت عبارة عن حصان خشبي ضخم، قبل أن يكتشفوا أنه مجوَّف من الداخل وممتلئ بفريق محترف من المحاربين اليونانيين.

برج بيزا هو الآخر أخذ في الميل حتى قبل الانتهاء من بنائه؛ بل إن هناك من المباني ما هو أشد منه ميلًا. كما محت وكالة ناسا التسجيلات الصوتية الأصلية لحدث الهبوط على القمر وسجلت عليها بطريق الخطأ؛ أما موظفو حملة إعادة انتخاب ريتشارد نيكسون فقد تم ضبطهم وهم يقتحمون مكتبًا بفندق ووترجيت، متورطين بذلك في أكبر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة. وحديثًا، أنفقت الحكومة الفرنسية 15 مليار دولار على أسطول من القطارات الجديدة التي اكتشفوا أنها أكبر حجمًا بكثير من حوالي 1300 من أرصفة محطات القطارات.

ومن السهل أن ندرك أن ما سبق أخطاء غبية وشديدة الفداحة. وفي الواقع، نميل نحن البشر إلى أن نستثمر في مشروعات وهمية من أجل الثراء السريع، وأن نقود السيارة بسرعة أكبر من اللازم، ونتشارك منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ثم نندم عليها بعد ذلك.

ولكن ما الذي يدفع إدراكنا لاعتبار تلك الأفعال أخطاء غبية أكثر من كونها نوعًا من سوء الحظ؟ هل لأنها تبدو طائشة؟ أم لِما تتسبب فيه من نتائج خطيرة؟ أم هو حجم المسؤولية التي تقع على مرتكبيها؟ قد يساعدنا العلم في الإجابة عن تلك الأسئلة.

في دراسة نُشرت في مجلة (إنتيليجينس Intelligence)، جمع بالاز أكزيل وزملاؤه قصصًا عن الأخطاء الغبية من مصادر مثل صحيفة هافنجتون بوست وتي إم زي TMZ، مستخدمين مصطلحات بحث مثل "حماقة نرتكبها". تحكي إحدى القصص أن لصًّا اقتحم منزلًا وسرق جهاز تلفاز، ثم عاد مرة أخرى ليأخذ جهاز التحكم عن بعد (الريموت) الذي نسيه. فيما تخبر قصة أخرى عن لصوص أرادوا سرقة هواتف محمولة ولكنهم سرقوا بدلًا منها أجهزة التتبع (جي بي إس GPS) التي كانت على وضع التشغيل، فأرشدت رجال الشرطة إلى موقعهم بدقة. ثم طلب الباحثون من عينة من طلاب الجامعة أن يُقيّموا كل قصة من تلك القصص على أساس المسؤولية التي تقع على مرتكبيها، وحجم التأثير الناتج عن الموقف، ومدى خطورة نتائجه، وبعض العوامل الأخرى.

وكشف تحليل تقييمات المشاركين عن وجود ثلاثة أنواع من الأخطاء الحمقاء. أولها عندما تفُوقُ ثقةُ الأشخاص بأنفسهم مهاراتِهم الحقيقية، كما في حالة لص مدينة بيتسبيرج الذي حاول سرقة مصرفين في وضح النهار دون استخدام أي أداة للتخفي، معتقدًا أن مجرد دهن وجهه بعصير الليمون سوف يجعله غير مرئي لكاميرات المراقبة؛ أو كما كانت الحال في إحدى أشهر الحماقات التي ارتُكبت في تاريخ أوساط مشجعي الفرق الرياضية، عندما تسبب أحد أفراد فريق التشجيع، مرتديًا زي وايلد وينج، تميمة الحظ لفريق أينهايم داكس لهوكي الجليد، في إشعال النار في نفسه عند محاولته القفز من فوق حائط مشتعل، قبل أن تجذبه المشجِّعات داخل المباراة من بين ألسنة اللهب ويعود مجددًا لاستكمال المباراة دون أية إصابات.

وقد سُميت متلازمة انفصال الثقة بالنفس عن القدرات الحقيقية للمرء بـ(تأثير دانينج– كروجر)، وهي دراسة أجراها عالِما السيكولوجيا ديفيد دانينج وجاستن كروجر. طلب هذان العالِمان من طلبة جامعة كورنيل تنفيذ بعض الاختبارات لقياس حس الدعابة والمنطق وقواعد اللغة، ثم طلبوا منهم تقييم أدائهم بالمقارنة بباقي الأفراد المشاركين في هذه الدراسة. وكان أسوأ المؤدين مَن حصلوا على مجموع نقاط تضعهم في المرتبة الـ12 المئوية، بينما كان تقييمهم لأنفسهم هو الحصول على المرتبة الـ62 المئوية. وفي تعليق على خلاصة تلك النتائج، قال دانينج: "إن المؤدِّين غير الجيدين -وكلنا كذلك في بعض الأحيان- يفشلون في إدراك الخلل في تفكيرهم أو إدراك الإجابات التي يفتقدونها". ويضيف: "في بعض الأحيان، نظن أننا في أحسن حالاتنا، بينما نكون في الحقيقة في أسوئِها".

وكما توضح مواقف الفضائح السياسية الكثيرة، فإن النوع الثاني من الأخطاء الغبية يشمل الأفعال العفوية، وهي عندما تكون تصرفاتنا خارج السيطرة. ففي الفضيحة المعروفة باسم واينرجيت، أرسل النائب السابق أنتوني واينر نصوصًا بذيئة وصورًا شخصية له إلى نساء قابلهن على موقع فيسبوك. وبعد استقالته، استمر واينر في عبثه على الإنترنت تحت الاسم المستعار كارلوس دانجر، وقد وقع ضحية تأثير دانينج- كروجر عندما بالغ في تقدير عدد مؤيديه في الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك عام 2013، والذي بلغ نسبة 5% من الأصوات فقط.

وحديثًا، اعترف مرشح حزب الشاي المحافظ تود كورسر في ولاية ميشيجن بإرساله رسالة بريد إليكتروني مجهولة إلى موظفي الحزب الجمهوري والإعلام، مدعيًا كذبًا أنه قد تم ضبطه يمارس علاقة جنسية مع رجل عاهر، وذلك بهدف إظهار الكشف الوشيك عن علاقته الغرامية بزميلته سيندي جامرات على أنه حملة تشويه لسمعته. وفي تسجيل صوتي لمحادثة تم تسجيلها في سرية بواسطة أحد موظفيه، وصف كورسر استراتيجيته في وصم ذاته بأنها "خطة استباقية لإقناع العامة بكذب أية مزاعم قد تصدر ضدي".

إن النوع الأخير من الأخطاء الحمقاء يشمل لحظات فَقْد التركيز الشبيهة بتلك التي تنتاب شخصية الرسوم المتحركة (هومر سيمبسون). ومن أفضل الأمثلة على ذلك في تاريخ الرياضة الأمريكية ما حدث عام 1929 في أثناء مباراة ببطولة روز بول لكرة القدم للجامعات، حيث تمكن روي ريجلز -نجم فريق جامعة كاليفورنيا- من الكرة بعد أن فقدها لاعب الخصم، ولكنه راح يعدو بالكرة مسافة 65 ياردة في الاتجاه الخطأ.

وقد منح هذا الخطأ الفادح الذي ارتكبه ريجلز نقاطًا لفريق معهد جورجيا للتكنولوجيا المنافس، وكان عاملَ الحسم في تلك المباراة. وفي مباراة جرت عام 1964 أمام فريق فورتي ناينرز من سان فرانسيسكو، كان جيم مارشال -قائد فريق فايكنجز من مينيسوتا، والذي اختير مرتين ضمن أفضل لاعبي الموسم- يجري بالكرة في الاتجاه الخطأ لصالح الفريق المنافس، مما دفع مدرب فريق الفايكنجز نورم فان بروكلن إلى التعليق على ما حدث بـ: "جيم، لقد قمت اليوم بأحد أكثر الأفعال إثارة للاهتمام في هذه المباراة". وقد كشف تحليل أكزيل وزملائه أن الأفراد الذين اشتركوا في التجربة قد صنفوا مثل هذه الحادثة ضمنَ أقل الأخطاء غباءً.

ومن غير المعقول أن نعتقد أن بامكاننا القضاء على مثل هذه الأخطاء التي هي من صميم طبيعة الإنسان. ولكن هذا البحث يعطينا فقط صورة عن أخطائنا ونقاط ضعفنا، ويدفعنا للتفكير في حلول ووصفات لتجعلنا نحد من أخطائنا. إننا جميعًا معرضون للمبالغة في تقدير قدراتنا الحقيقية، وعمل أفعال متهورة، وفقدان التركيز. إلا أن هذا الإدراك في حد ذاته يجعل الأخطاء ربما تبدو أقل حماقة وأكثر قربًا من كونها طبيعة بشرية.

اضف تعليق