اتذكر في احدى المناسبات حين دعتني جارتي لحفل عيد ميلاد ابنتها الوحيدة، وكان كل شيء يسير بشكلٍ طبيعي، وكنا مجتمعين في صالة تتوسطها مائدة الطعام التي وضع عليها كيكة عيد الميلاد وباقي الحلويات والاطفال يحومون حولها الى ان اخذت جدتهم قطعة (كليجة)، اثناء هذا انطفئت الكهرباء فصاحت الجدة: (هاي الكليجة صلبة)، جاءت الكهرباء وبينما الجدة تبحث بالأرض متذمرة نظرنا اليها بصمت للوهلة الاولى ثم ابتسمت وهي تقول سقطت اسناني واذا بإسنانها التركيب الاماميات قد سقطن، فضحكنا جميعا الّا واحدة من حفيداتها اصابتها هستيريا الضحك وكانت ساقطة على الارض وغير دارية بنفسها.

هذا المشهد تذكرته حين جذبني موضوع علمي لم اقرأ او اسمع عنه سابقا يحمل عنوان "التأثير البصلي الكاذب"، وهي حالة تتسم بنوبات من الضحك أو البكاء المفاجئ لا يمكن السيطرة عليه وغير ملائم للموقف، وقد يعبر عنها بطريقةٍ مبالغ فيها أو غير مناسبة في بعض الأحيان، كما تسمى عدم الثبات الانفعالي أو التقلقل العاطفي (PBA)، يُعتقد أن السبب في التأثر البصلي الكاذب يتعلق بإصابة الممرات العصبية التي تنظم التعبير الخارجي عن الانفعالات (التأثر).

وتشخيص المرض يحتاج الى خبرة من قبل الطبيب وكما الحال مع الكثير من التشخيصات العيادية، من السهل إغفاله، إلا إذا كان الطبيب ذو خبرة سابقة، ومن المفيد جدا فهم الحالة جيدًا، فيما اذا كان الطبيب دون خبرة بهذا المرض او لا يعرف اي شيء عنه سيكون من الصعب ملاحظته.

كذلك فإنها حالة معقدة، إذ تبدو شديدة العاطفية عند ظهورها على المريض، وكلما عرف الناس ذلك وفهموه كلما كان أفضل، وفي بعض الحالات إذا ما كانت النوبات العاطفية متوسطة بعض الشيء ولا تحدث كثيرًا، فربما سيكون التثقيف حول الحالة ومعرفتها كافيًا للمريض، وإن لم يكن التثقيف كافيًا وكان التقلقل أكثر حدة فعلى الطبيب أن يحكم، هل تؤثر الحالة على جودة حياة المريض وعلاقاته مع عائلته وحياته الاجتماعية أم لا؟، وإذا كانت كذلك فعندها قد يتم تجربة استخدام الأدوية. وإذا اعتبرت التداخلات الدوائية مناسبة، سيكون الهدف من العلاج تقليل حدة وعدد مرات النوبات العاطفية.

وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مؤخرًا على دواء مخصص لعلاج التقلقل العاطفي يدعى نوديكستا (ديكستروميثورفان أو كواينيدين) يمكن أن يقلل تكرارية النوبات، وليس له كثرة من التأثيرات الجانبية كذلك.

ومع ان التفسير الشائع والتقليدي لمن يراها في مجتمعنا بحالة الضحك هذه هو الراحة النفسية والسعاة الكاملة، إلا اني اعرف السيدة جيدا التي اصابتها هستيريا الضحك الغريبة على اسنان جدتها، فهي تعاني من مشاكل عائلية كثيرة وتدهور صحي، واتساءل في حال ان لديها هذا المرض هل لديها المعرفة العلمية للتعامل معه او هل يملك اطباءنا النفسيين المعرفة في حال مراجعتها لهم؟، من الطبيعي الاجابة ترتفع الى نسبة عالية اننا في مجتمع لا يملك المعرفة والاطلاع لمثل هذه الامراض وغيرها التي تكون نادرة وخطيرة.

يفتقر المجتمع الى الثقافة النفسية وتمييز السلوكيات الصحية وكيفية صنعها واكتسابها، كما ليس لديهم ثقافة قراءتها للتعامل الصحيح في لحظات التفاعل الاجتماعي والتأثر بالسلوكيات المحيطة المبالغ فيها، فهناك تقصير كبير في الرعاية الطبية النفسية، ويقتصر الاهتمام على الجانب المرئي من الجسم فقط، بالرغم من ان هناك علل نفسية مضمورة تعمل على هدم الجسد ونخره، والذي (يزيد الطين بلة) هو ان المحيطين يتجاهلون العلة النفسية ولا يولونها أي اهتمام، او انهم يخجلون من الامراض النفسية داخل الاسرة وتكون من اسرار الاسرة التي لا يود احد التكلم بها والاقدام على معالجتها، حتى تسوء الحالة فيتدخل الطبيب الجسدي المتخصص، الذي يوصف علاجات تؤثر سلبا على الجسد دون الالتفات للعلل النفسية، وأحيانا تفاقم الحالة تدفعهم لزيارة الطبيب النفسي ويكونُ الأوانُ قد فات بعد أن تفاقمت الأمور، وربما يستعصي على الطبيب العادي معالجتها، والخاسر الوحيد هو المريض.

اضف تعليق