ملفات - عاشوراء

إشاعة مفهوم التعطيل

توطئة لاستبدال السيرة الحسينية الأصيلة بالفكر الفئوي

مِن عوامل الضعف في عرض السيرة العاشورائية؛ إفشاء الخطباء لمقولة "التعطيل" وبثهم المتكرر للتوقيف في السيرة، فتسمع عن الخطيب حول عاشوراء والأربعين: "أنّ الأمويين شطبوا وطمسوا واخفوا ووضعوا وشوهوا وزوروا الكثير في الصور التاريخية للواقعة وعواملها وظروف نشأتها والنتائج المترتبة على وقوعها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا". كما تجد في هذا اللون من الخطباء حرصا يشد الإنتباه إلى شدّة انحسار الحقائق عن السيرة الحسينية وشحة المعلومات الدقيقة أو القطعية عنها، ما يثير فيك الفضول حتى تقترب من الإيمان بضرورة إعادة تدوين التأريخ!

‏فهل في ترديد مقولة "التعطيل" هذه على المنابر ينبئ عن عجز في البحث التاريخي أم خشية من التزوير والوضع الأموي أم الإحتياط وحذر الإلتقاط عن مقاصد تاريخية مشوهة؟!

يُسجّل "العجز" عن البحث في السيرة والمعرفة بمناهج البحث المناسبة كعامل رئيس في تخلف مادة الخطباء، ومنشأ ذلك إهمال أساطين الشيعة للتاريخ لعدم الحاجة إليه في أبواب الإجتهاد الفقهي، ودخول الفكر المعاصر لشغر الأذهان الموتورة في النوادي الثقافية والفارغة في الحوزات العلمية، وشيوع مقصد "التجديد" لاسترضاء قوى الضغط الإجتماعي والاستسلام للضرورة السياسية. ويدفع مناهضو الشعائر الأصيلة الأجواء المنبرية وحاضريها إلى الاعتقاد بـ "التعطيل" كمفهوم مطلق يستوجب إيجاد البديل المتمثل في سيرة حسينية تاريخية متصالحة مع مبدأ "حسبنا كتاب الله".

‏لا شك في أنّ الباحث في المادة التاريخية المنبرية بمراد إضاءة الرؤية حول واقعة كربلاء وخلفياتها ونتائجها بحاجة إلى منهج سليم لا يتجاوز مضامين ومقاصد روايات أهل البيت صلوات الله عليهم في الواقعة، ومن المؤكد أيضا أنّ تعطيل الأذهان بمقولة التزوير والوضع الأموي وذلك من أجل خلق البديل "الحضاري" التوافقي؛ لا يعد خيارا استسلاميا فحسب، بل هو تزوير فاضح ووضع آخر.

فعلى سبيل المثال: لو عزم الباحث المنبري المنصف على استقراء نتيجة علمية مستخلصة من البحث التاريخي في نظم وطبائع وطبقات المجتمعات المتعلقة بمرحلة خروج الإمام الحسين صلوات الله عليه، ومنها مجتمعات الجزيرة العربية كالمدينة ومكة، ومجتمعات العراق ومنها الكوفة، ومجتمعات الشام ومنها دمشق، فهل سيصل هذا الباحث الى نتيجة تخدم الوعي وتغني مادة المنبر وتضيء الرؤية حول واقعة كربلاء وتكشف معاني المرويات والسِّيَر المتعلقة؟!

‏على المنابر نجد مجتمع الكوفة الأكثر إثارة بين المجتمعات المتعلقة بخروج الإمام الحسين صلوات الله عليه وقد كسب حصة الأسد في العرض، فيعمد الخطيب إلى اجترار ما ذُكر عن أصول مجتمع الكوفة وطبائعه في السيرة الحسينية. والمراد من هذا العرض المثير؛ إعلان براءة العراقيين من دم الحسين صلوات الله عليه!. وما زال الخطيب يشحذ الذاكرة وينشِّطها في براءة العراقيين من مجتمع الكوفة اتكالا على نتيجة لبحث بدوي بسيط لا عمق فيه ولا شمول.

البحث في مجتمع الكوفة بمنهج ساذج بمعزل عن قراءة تاريخية معمقة في بقية المجتمعات المتعلقة بواقعة خروج الإمام الحسين صلوات الله عليه؛ أعطى نتائج محتملة لم تفْ حتى بمقصد براءة العراقيين من ثأر الحسين صلوات الله عليه، إذ لا تميّز لمجتمع الكوفة عن مجتمعات مدن العراق فضلا عن المدينة ومكة ودمشق. وأنّ النتيجة القائلة: "أنّ مجتمع الكوفة عساكر أخلاط لا أصول عراقية لهم، وكانوا وفدوا عن بلاد أخرى، وهُم المسؤول عن سفك دم الحسين صلوات الله عليه وسبي ركبه وترحيلهم إلى الشام، ولا علاقة للعراقيين بذلك" نتيجة غير علمية دقيقة، ومع ذلك يَجْترها الخطباء ويركنون إليها كمادة بحث متكامل ذي نتيجة علمية تامة كاشفة عن خطورة التزوير والوضع الأموي، فيوجب ذلك "التعطيل" في السيرة!

‏وبلا تكلف في البحث، وبرؤية فجّة نعلم أنّ في عام ٦١هـ لم تتميز مدينة كبرى في العراق والجزيرة العربية والشام عن غيرها بأصالة خالصة لمجتمع سائد فيها.. فكلها أخلاط وأجناس متنوعة ولا تتميز الكوفة عن المدن هذه بشيء. كما نعلم أيضا أنّ الوضع والتزوير الأموي في تدوين تاريخ هذه المجتمعات يكاد ينعدم إذ لا علاقة للتدوين التاريخي بولاءات خاصة إلا في حدود ضيقة جدا. فمن السهل قراءة منصفة لمجتمعات المدينة والكوفة ومكة ودمشق في عام ٦١هـ.. فلماذا يلجأ الخطيب الى "التعطيل" مطلقا فيردد القول بوجود دور أموي في تزوير شامل للتاريخ حتى يُضعُف نفسه عن عرض سليم للسيرة، ويبرر عجزه باجترار هذا التوقيف ويعمد إلى التعطيل ليركن به إلى الراحة أو يخوض من الخائضين في الحرب على الشعائر.

‏لو بحثنا في مجتمعات المدينة ومكة والكوفة والشام بين فترة خروج الإمام الحسين صلوات الله عليه من المدينة حتى عودة السبايا إليها؛ لعرفنا الكثير عن خلفية خطابات الامام الحسين صلوات الله عليه ومعاني الروايات الواردة في واقعة كربلاء وماجريات ما بعد الواقعة، ولسقط مبرر الهجمة الشرسة لغول التزوير الأموي الذي يصوره الخطباء كأسطورة إعلامية تعادل أسطورة الإعلام السياسي المعاصر!

‏سترى بنفسك لو دققت النظر في المجالس الحسينية أنٌ المعادين للشعائر الأصيلة يشجعون الخطابة التي تجعل من الوضع والتزوير الأموي توقيفا وتعطيلا عن البحث التاريخي الصحيح، ويأنسون لترديد مقولة التعطيل لأنها تخدم تهمة "الخرافة" التي وجهوها للسيرة بغية الطعن فيها مطلقا واستبدالها بالفكر الفئوي. وحين يعمد الخطيب إلى اجترار القول بأن السيرة الحسينية زورها الأمويون ووضعوا فيها الى الحد الموجب للتعطيل والتوقيف فاعلم أنّ آلة البحث عند هذا الخطيب مُعطِّلة "مزنجرة" أو أنها تخفي ولاءً خاصا يقول بضرورة إعادة تدوين تاريخ السيرة الحسينية لخدمة أهداف فئوية.

‏...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق