إنسانيات - منظمات

هل أنهى عصر سرعة الذكاء الاصطناعي مفهوم الاستراتيجية؟

من التخطيط للمستقبل إلى بناء القدرة على التكيف معه

قد تتخذ المؤسسة قرارًا صحيحًا وفق المعلومات المتاحة اليوم، وتنفذه باحترافية عالية، لكنها تكتشف عند اكتماله أن المشكلة التي صُمم لحلها تغيرت، أو أن التكنولوجيا التي اختيرت أصبحت قديمة، أو أن المنافسة انتقلت إلى مكان آخر. أي أن الخطر لم يعد مقتصرًا على سوء تنفيذ الاستراتيجية، بل أصبح يشمل...

كانت إحدى المسلمات الراسخة في عالم الإدارة أن المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع أن ترى أبعد من منافسيها. ولذلك بُنيت الاستراتيجية، لعقود طويلة، على القدرة على استشراف المستقبل، وتحديد الاتجاهات الكبرى، ثم تحويلها إلى أهداف وخطط تمتد لثلاث سنوات أو خمس أو عشر سنوات. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها: كلما فهمت المؤسسة المستقبل بصورة أفضل، استطاعت أن تستعد له مبكرًا، وتوزع مواردها، وتبني قدراتها، وتحصل على ميزة يصعب على الآخرين اللحاق بها.

لكن ماذا يحدث عندما يصبح المستقبل نفسه أسرع من عملية التخطيط له؟

هذا هو السؤال الذي يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي. ففي مقال نشرته «أكسيوس» في 9 آب/أغسطس 2026، وصف جيم فانديهَي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للمؤسسة، ما يراه انتقالًا إلى عصر أصبحت فيه سرعة التغير أكبر من قدرة الأفراد والشركات والأسواق والحكومات على استيعابه والتفاعل معه في الوقت الحقيقي. والأكثر دلالة أنه يقول إن قدرته على رؤية وضع شركته بثقة إلى الأمام باتت لا تتجاوز نحو ستة أسابيع، بعدما كان من الطبيعي التفكير بآفاق تمتد شهورًا وسنوات.

ليست أهمية هذه الملاحظة في رقم «ستة أسابيع» بحد ذاته، ولا ينبغي تعميمه على جميع المؤسسات والقطاعات، وإنما في التحول الذي يعبر عنه: لقد انتقل العالم من مرحلة كانت المشكلة الأساسية فيها هي سرعة المعلومات إلى مرحلة أصبحت المشكلة فيها سرعة تغير القدرات.

فهل يعني ذلك أننا أمام نهاية عصر الاستراتيجية؟

ربما تكون الإجابة الأدق هي العكس تمامًا: لم يُنهِ الذكاء الاصطناعي الاستراتيجية، لكنه بدأ ينهي النموذج القديم الذي كان يخلط بين الاستراتيجية والخطة الاستراتيجية.

من سرعة المعلومات إلى سرعة القدرة

شهد العالم خلال العقدين الماضيين انفجارًا هائلًا في سرعة المعلومات. الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي والحوسبة السحابية والبث الرقمي جعلت الأخبار والأفكار والمعلومات تنتقل في لحظات. أصبحت المؤسسات تعرف بسرعة أكبر ماذا يفعل منافسوها، وتراقب الأسواق بصورة شبه فورية، وتكتشف تحولات الرأي العام فور حدوثها.

ومع ذلك بقيت هناك درجة من الاستقرار في شيء آخر أكثر أهمية: القدرات.

كان البرنامج الذي تستخدمه المؤسسة اليوم قريبًا نسبيًا من البرنامج الذي ستستخدمه بعد ستة أشهر. وكانت الوظائف التي تحتاج إليها الشركة، والمهارات التي توظف الناس من أجلها، وهيكل المنافسة وقنوات الوصول إلى المستهلك، تتغير عادة بوتيرة تسمح للمؤسسات بالتكيف معها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يغير هذه المعادلة. فما يستطيع نظام ذكاء اصطناعي القيام به اليوم قد يتوسع خلال أسابيع أو أشهر. والمهام التي تحتاج اليوم إلى فريق كامل قد تصبح قابلة للأتمتة جزئيًا غدًا. والأداة التي تعد الأفضل هذا الشهر قد يظهر بديل أكثر كفاءة وأقل تكلفة منها بعد مدة قصيرة. والشركة الصغيرة التي كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة لمنافسة الشركات الكبرى قد تحصل فجأة على قدرات تحليل وبرمجة وتصميم وإنتاج كانت تحتاج سابقًا إلى عشرات الأشخاص.

ولهذا يصف فانديهَي التحول الجديد بأنه انتقال من سرعة المعلومات التي تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب إلى سرعة القدرات التي تتجاوز قدرة التفكير الاستراتيجي التقليدي على اللحاق بها.

المشكلة إذن ليست أن المستقبل أصبح مجهولًا؛ فالمستقبل كان مجهولًا دائمًا. الجديد هو أن العمر الافتراضي للافتراضات التي نبني عليها قراراتنا أصبح أقصر.

عندما يصبح القرار قديمًا قبل تنفيذه

تكمن إحدى أخطر مشكلات عصر الذكاء الاصطناعي في ظهور فجوة متزايدة بين ثلاثة أزمنة: زمن اتخاذ القرار، وزمن تنفيذ القرار، وزمن تغير البيئة المحيطة به.

في النموذج التقليدي تستطيع الإدارة أن تدرس مشروعًا عدة أشهر، ثم تقرر الاستثمار فيه، ثم تبدأ التنفيذ على مراحل تمتد سنوات، لأن الافتراضات الأساسية التي استند إليها القرار لن تتغير غالبًا بصورة جذرية خلال تلك المدة.

لكن ماذا لو أصبحت البيئة تتغير أسرع من تنفيذ القرار؟

هنا تظهر مفارقة جديدة: قد تتخذ المؤسسة قرارًا صحيحًا وفق المعلومات المتاحة اليوم، وتنفذه باحترافية عالية، لكنها تكتشف عند اكتماله أن المشكلة التي صُمم لحلها تغيرت، أو أن التكنولوجيا التي اختيرت أصبحت قديمة، أو أن المنافسة انتقلت إلى مكان آخر.

أي أن الخطر لم يعد مقتصرًا على سوء تنفيذ الاستراتيجية، بل أصبح يشمل شيئًا أكثر إرباكًا:

التنفيذ الممتاز لاستراتيجية فقدت صلاحيتها.

ويظهر هذا بوضوح في ما وصفته «أكسيوس» بـ«المرحلة الوسطى الفوضوية» للذكاء الاصطناعي. فالشركات تواجه نماذج جديدة تظهر باستمرار، وتكاليف تتغير، وقدرات تتحسن، ومشكلات في ربط الأنظمة الجديدة بالبنى التقنية القديمة، الأمر الذي يجعل كثيرًا من قرارات اختيار النماذج والتقنيات والدمج قرارات مؤقتة بطبيعتها.

وهذا يعني أن السؤال التقليدي: «ما التقنية التي سنعتمدها خلال السنوات الخمس المقبلة؟» قد يصبح أقل فائدة من سؤال آخر:

كيف نبني مؤسسة تستطيع تغيير التقنية التي تعتمدها عندما تتغير شروط الاختيار؟

وهنا يبدأ الانتقال الحقيقي من التخطيط للمستقبل إلى بناء القدرة على التكيف معه.

الأزمة ليست في الاستراتيجية بل في التنبؤ

من المهم هنا العودة إلى معنى الاستراتيجية نفسها. فالاستراتيجية ليست خطة زمنية ولا وثيقة من مئة صفحة ولا قائمة بالمشروعات التي ستنفذ خلال خمس سنوات. الاستراتيجية في معناها الأعمق تحدد أين تريد المؤسسة أن تكون، وما القيمة التي تريد إنتاجها، وما الذي ستعطيه الأولوية، وما الذي لن تفعله، وأين ستضع مواردها المحدودة، وما القدرات التي تريد امتلاكها.

المشكلة أن الممارسة الإدارية ربطت الاستراتيجية طويلًا بالتنبؤ. كلما استطاعت المؤسسة بناء توقعات أكثر دقة للنمو والسوق والعملاء والتكنولوجيا والمنافسة، استطاعت وضع خطة أكثر تفصيلًا. ومن هنا نشأت الخطط الاستراتيجية الممتدة لسنوات، ثم تحولت الخطة تدريجيًا في كثير من المؤسسات إلى مرادف للاستراتيجية نفسها. لكن الأدبيات الإدارية كانت تحذر من هذا الخلط قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بوقت طويل.

فدراسة «الاستراتيجية في ظل عدم اليقين» التي نشرها هيو كورتني وجين كيركلاند وباتريك فيغويري، أشارت إلى أن المقاربات التقليدية تفترض إمكانية التنبؤ بالمستقبل بدرجة تكفي لاختيار اتجاه استراتيجي واضح. وحذرت من أن التقليل من حجم عدم اليقين قد ينتج استراتيجيات لا تحمي المؤسسة من المخاطر ولا تمكنها من استثمار الفرص. 

لقد جاء الذكاء الاصطناعي ليضاعف المشكلة التي كانت موجودة أصلًا. ولذلك فإن الذي يتعرض للاهتزاز ليس مفهوم الاستراتيجية بقدر ما هو افتراض القدرة على التنبؤ بالمسار الذي سيصل بنا إلى الهدف.

مثال الإنترنت: عندما يتغير الطريق إلى العميل

يمكن رؤية هذه الأزمة بوضوح في صناعة الإعلام والاقتصاد الرقمي. فلسنوات طويلة بنت المؤسسات الإعلامية والشركات استراتيجياتها الرقمية على محركات البحث. استثمرت في تحسين ظهور صفحاتها في نتائج البحث، وطورت محتوى يناسب خوارزميات غوغل، وجعلت حركة الزوار القادمة من البحث جزءًا أساسيًا من نموذجها الاقتصادي. لكن صعود إجابات الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تشكيل هذا النظام بسرعة.

فقد أشارت «أكسيوس» في 31 تموز/يوليو 2026 إلى تحول متسارع في طريقة وصول المحتوى إلى الجمهور، إذ أصبحت محركات البحث تقدم إجابات مولدة مباشرة بدل إرسال المستخدم بالضرورة إلى المواقع الأصلية، بالتزامن مع تحول محركات الذكاء الاصطناعي من مجرد مصادر محتملة للزيارات إلى طبقة جديدة لتوزيع المعرفة والمحتوى.

المغزى الاستراتيجي هنا أكبر من صناعة الإعلام. فماذا تفعل مؤسسة وضعت خطة تمتد خمس سنوات للوصول إلى عملائها عبر قناة يمكن أن يتغير دورها جذريًا خلال أشهر؟

فهل المشكلة أن المؤسسة لم تكن تمتلك استراتيجية؟ أم أن المشكلة أنها جعلت وسيلة الوصول جزءًا ثابتًا من الاستراتيجية بدل أن تجعلها أداة قابلة للتغيير؟

هذا المثال يكشف الفارق بين الاتجاه الاستراتيجي والمسار التنفيذي. فقد يبقى هدف المؤسسة ثابتًا: الوصول إلى الجمهور وبناء الثقة وتحويل المحتوى إلى قيمة اقتصادية. لكن الطريق الذي يحقق ذلك قد ينتقل من محركات البحث إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم إلى الوكلاء الرقميين، ثم إلى قنوات لم تظهر بعد.

من الاستراتيجية بوصفها «خطة» إلى الاستراتيجية بوصفها «اتجاهًا»

هنا يمكن صياغة أحد أهم التحولات في التفكير الاستراتيجي المعاصر.

في النموذج القديم كانت الاستراتيجية تقول: هذا هو الهدف، وهذه هي الخطة التي ستوصلنا إليه.

أما في بيئة شديدة السرعة، فالأكثر واقعية أن تقول: هذا هو الاتجاه الذي نريد الوصول إليه، وهذه هي المبادئ التي سنحكم بها قراراتنا، أما الطريق فسيتغير كلما تغيرت القدرات والمعلومات والظروف.

بمعنى آخر، نحن نحتاج إلى الفصل بين مستويين.

الأول هو المستوى البطيء: الغاية، والهوية، والقيم، ومجال العمل، وطبيعة القيمة التي تريد المؤسسة إنتاجها، ومصادر تميزها، والمخاطر التي تقبل بها وتلك التي ترفضها.

والثاني هو المستوى السريع: التقنيات، والأدوات، والنماذج، والهياكل، والشراكات، وقنوات التوزيع، وطرق الإنتاج، وتوزيع فرق العمل.

الأول يحتاج إلى قدر من الثبات حتى لا تفقد المؤسسة هويتها واتجاهها.

أما الثاني فيحتاج إلى مرونة كبيرة حتى لا تتحول الوسائل إلى قيود تمنع المؤسسة من مواكبة التغيير.

وهذا ما يلخصه اقتراح «أكسيوس» للقادة بالاعتماد على اتجاهات قوية ومسارات يتم التمسك بها بخفة، مع إعادة فحص الأدوات والأولويات بوتيرة أقصر كثيرًا من دورة التخطيط التقليدية. 

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أساسية للاستراتيجية الجديدة: ثبات في الاتجاه، ومرونة في الطريق.

العودة إلى المبادئ الأولى

إذا لم يعد الماضي دليلًا كافيًا للمستقبل، فمن أين تبدأ المؤسسة تفكيرها؟

هنا تكتسب فكرة «المبادئ الأولى» أهمية كبيرة. يشرح جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، أنه يعود باستمرار إلى المبادئ الأولى ويسأل: بالنظر إلى الظروف والأدوات المتاحة اليوم، لو أردنا بناء هذا الشيء من جديد، فهل كنا سنبنيه بالطريقة نفسها؟

ويطبق هوانغ السؤال ليس على التكنولوجيا وحدها، بل حتى على التنظيم الإداري للشركات. لماذا يكون الهيكل التنظيمي لشركة تعمل في مجال الحوسبة مشابهًا لشركة تقدم خدمات صحية؟ ولماذا نواصل كتابة البرامج أو تنظيم المؤسسة بالطريقة التي ورثناها من الماضي إذا تغيرت البيئة التي صُممت تلك الطرق من أجلها؟ 

هذه الطريقة في التفكير تصبح جوهرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

فالسؤال الضعيف هو: كيف نضيف الذكاء الاصطناعي إلى العملية الموجودة؟

أما السؤال الاستراتيجي الأقوى فهو: لو كنا نصمم هذه العملية اليوم من البداية، في ظل القدرات الجديدة، فهل كنا سنبنيها بالطريقة نفسها أصلًا؟

الفرق كبير. الأول يستخدم التكنولوجيا لتحسين الماضي. أما الثاني فيستخدم تغير التكنولوجيا لإعادة التفكير في المؤسسة نفسها.

«المجهولات غير المعروفة» تصبح أكثر أهمية

يرتبط بذلك مستوى آخر من المشكلة: حدود المعرفة البشرية. فقد اشتهر دونالد رامسفيلد بتقسيم المعرفة إلى ما نعرف أننا نعرفه، وما نعرف أننا لا نعرفه، وما لا نعرف أننا لا نعرفه. وبعيدًا عن السياق السياسي الذي اشتهرت فيه العبارة، فإن القيمة الاستراتيجية لها تكمن في الاعتراف بأن أخطر المفاجآت تأتي أحيانًا من الاحتمالات التي لم نضعها أصلًا داخل نموذجنا الذهني للمستقبل.

ويشير رامسفيلد في شرحه اللاحق للفكرة إلى أن أفضل الاستراتيجيين يحاولون تخيل الممكن، حتى عندما يبدو غير محتمل، حتى يكونوا أكثر استعدادًا لتعديل المسار عندما تظهر معلومات جديدة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضخم أهمية هذه الفكرة. فالمشكلة ليست فقط أننا لا نعرف متى سيصبح نموذج معين أكثر كفاءة، بل إننا قد لا نعرف أصلًا نوع القدرات التي ستظهر بعد جيل أو جيلين من التطوير.

والحديث الراهن عن احتمال أن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من مساعدة الباحثين في تطوير نماذج أكثر تقدمًا منها يوضح حجم عدم اليقين. ولا يعني ذلك أن «انفجار الذكاء» أصبح حقيقة محسومة، وإنما يعني أن نطاق الاحتمالات التي يجب أن يأخذها التفكير الاستراتيجي في الحسبان أصبح أوسع بكثير.

لهذا فإن الاستراتيجية المعاصرة لا ينبغي أن تدعي القدرة على التنبؤ بمستقبل واحد، وإنما أن تبني القدرة على العمل تحت أكثر من مستقبل محتمل.

من التنبؤ بالمستقبل إلى الاستعداد لعدة مستقبلات

وهنا يعود تخطيط السيناريوهات بقوة إلى قلب التفكير الاستراتيجي. فالهدف من السيناريو ليس أن تقول المؤسسة: «هذا ما سيحدث بعد خمس سنوات»، وإنما أن تسأل: ما المستقبلات المعقولة التي يمكن أن تظهر؟ وما الذي سنفعله في كل منها؟ وما القرارات التي ينبغي أن نتخذها الآن لأنها تبقى مفيدة في أكثر من سيناريو؟

ولهذا خصصت «مراجعة كاليفورنيا للإدارة» في ربيع 2026 عددًا حول تخطيط السيناريوهات في بيئة تتسم بالاضطراب التقني والجيوسياسي والاجتماعي. وتؤكد الأدبيات المنشورة فيه أن قيمة السيناريوهات لا تكمن في التنبؤ بالمستقبل، بل في تعزيز التعلم المؤسسي وصنع القرار وإدارة عدم اليقين.

وهذا يقود إلى تحول جوهري: بدل بناء خطة مثالية لمستقبل واحد، يصبح المطلوب بناء مؤسسة قادرة على النجاح في مجموعة من المستقبلات.

وهنا تتغير طبيعة السؤال الذي يطرحه مجلس الإدارة.

فبدلًا من: «ما الذي سيحدث؟»

يصبح: «ماذا سنفعل إذا حدث هذا؟ وماذا لو حدث العكس؟ وما الذي نستطيع فعله الآن بحيث يبقى مفيدًا في الحالتين؟»

استراتيجية القرارات التي لا نندم عليها

كلما ارتفع عدم اليقين، ازدادت أهمية ما يمكن تسميته القرارات قليلة الندم. وهي القرارات التي لا تعتمد قيمتها على تحقق توقع واحد ضيق للمستقبل. فالشركة قد لا تعرف أي نموذج ذكاء اصطناعي سيصبح مهيمنًا بعد عامين، لكن الاستثمار في جودة بياناتها سيبقى مفيدًا في معظم السيناريوهات.

وقد لا تعرف بالضبط الوظائف التي ستتغير، لكن رفع قدرة العاملين على استخدام الذكاء الاصطناعي والتعامل مع أدوات جديدة قرار يصعب أن يصبح عديم القيمة. وقد لا تعرف المورد الذي سيتفوق، ولذلك يكون تجنب الارتهان التقني لمورد واحد خيارًا يوفر مرونة أكبر. وقد لا تعرف أين ستظهر القيمة الجديدة، ولذلك تصبح التجارب الصغيرة والمتعددة أكثر عقلانية من رهان ضخم غير قابل للتراجع.

هذه الفكرة ليست جديدة بالكامل. فقد طورت الأدبيات الاستراتيجية منذ سنوات فكرة «محفظة المبادرات» باعتبارها وسيلة للعمل في البيئات التي يصعب التنبؤ بها؛ أي عدم وضع الموارد كلها وراء تصور واحد للمستقبل، وإنما توزيعها على مجموعة من الخيارات التي يمكن تكبير الناجح منها والتخلي مبكرًا عن الفاشل. لكن الذكاء الاصطناعي يجعل هذا المنطق أكثر إلحاحًا.

السرعة لا تعني التفكير الأقل

قد يقود الحديث عن السرعة إلى استنتاج خاطئ: ما دام كل شيء يتغير بسرعة فعلينا أن نقلل التفكير والتحليل ونتخذ القرارات بصورة فورية. الأبحاث تشير إلى العكس.

في دراستها الشهيرة حول اتخاذ القرارات الاستراتيجية في البيئات شديدة السرعة، وجدت كاثلين آيزنهارت أن الفرق الإدارية التي تتخذ قرارات سريعة وناجحة لم تكن تستخدم معلومات أقل من الفرق البطيئة، وإنما معلومات أكثر، كما أنها طورت بدائل أكثر وربطت القرارات الاستراتيجية بالخطط التنفيذية بصورة أقرب.

وهذا مهم للغاية في عصر الذكاء الاصطناعي. فالسرعة الاستراتيجية لا تعني الارتجال. ولا تعني الاستغناء عن التفكير. وإنما تعني تقصير المسافة بين المعلومة والتعلم والقرار والتنفيذ والمراجعة.

المؤسسة السريعة ليست التي تقرر قبل الجميع فقط، وإنما التي تستطيع تكوين صورة أفضل عن الواقع بسرعة، واختبار خياراتها، ثم تغيير قرارها عندما تثبت المعلومات الجديدة أن افتراضاتها القديمة لم تعد صحيحة.

من التعقيد إلى القواعد البسيطة

لكن كلما ازدادت المعلومات والفرص والأدوات، ظهرت مشكلة أخرى: التعقيد. الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج تقارير وتحليلات ومسودات وخيارات بأحجام غير مسبوقة. ولذلك فإن الخطر قد لا يكون نقص المعلومات بل الغرق فيها.

وهذا يفسر لماذا أصبحت فكرة «التبسيط» جزءًا من النقاش الجديد داخل «أكسيوس» نفسها؛ فالتكنولوجيا التي تعد بزيادة الإنتاجية قد تتحول إلى وسيلة لإنتاج مزيد من العمليات والمهام والمحتوى إن لم يصاحبها حذف واعٍ للتعقيد.

وقد سبقت آيزنهارت ودونالد سول هذا النقاش منذ بداية القرن عندما طرحا مفهوم الاستراتيجية القائمة على القواعد البسيطة. ففي البيئات سريعة التغير، لا تحتاج المؤسسة بالضرورة إلى خطة أكثر تعقيدًا، بل إلى عدد محدود من القواعد التي تساعد المسؤولين على معرفة أي الفرص يجب استثمارها، وأيها يجب رفضها، ومتى ينبغي الدخول، ومتى ينبغي الخروج.

وهذا يعيدنا إلى الوظيفة الجوهرية للاستراتيجية: ليست الاستراتيجية أن تخبر الجميع ماذا يفعلون في كل موقف ممكن. إنما أن تمنحهم القواعد التي يستطيعون بواسطتها اتخاذ القرار عندما يظهر موقف لم يكن متوقعًا.

الميزة الجديدة: أن تتعلم أسرع من تغير البيئة

في النهاية قد يكون أكبر تحول يفرضه الذكاء الاصطناعي على الاستراتيجية هو إعادة تعريف الميزة التنافسية نفسها. ففي البيئة التقليدية كانت المؤسسة تبحث عن أصل يصعب تقليده: علامة تجارية، أو تقنية، أو شبكة توزيع، أو ملكية فكرية، أو موقع في السوق.

هذه العناصر لن تفقد أهميتها، لكن بيئة التغير المتسارع تضيف ميزة أخرى: قدرة المؤسسة على إعادة تشكيل نفسها.

وهذا ما تفسره نظرية «القدرات الديناميكية» التي طورها ديفيد تيس وغاري بيسانو وإيمي شوين، والتي تربط النجاح في البيئات المتغيرة بقدرة المؤسسة على اكتشاف الفرص والتغيرات، وتنظيم نفسها للاستفادة منها، وإعادة تشكيل مواردها وقدراتها مع تغير الظروف. وبذلك تصبح المنافسة مختلفة.

ليس السؤال فقط: من يمتلك التكنولوجيا الأفضل؟ 

بل: من يستطيع اكتشاف التكنولوجيا الأفضل بسرعة؟ ومن يستطيع إدخالها إلى العمل بسرعة؟ ومن يستطيع التخلي عنها عندما يظهر ما هو أفضل منها؟ ومن يستطيع تعديل بنيته التنظيمية دون أن يدخل في أزمة طويلة؟

وتشير تجربة «أكسيوس» في نشر مختصين بالذكاء الاصطناعي داخل فرق التحرير والإيرادات والفعاليات، بدل حصر المهمة في وحدة تقنية مركزية منفصلة، إلى اتجاه نحو فرق أصغر وأكثر اتصالًا بالعمل الفعلي وأكثر قدرة على بناء الحلول وتجربتها وتعديلها. 

لكن هل يجب تغيير الاستراتيجية كل شهر؟

هنا يجب الحذر من الوجه الآخر للمشكلة. فكما أن الجمود خطر، فإن عبادة السرعة خطر أيضًا. إذا غيرت المؤسسة أهدافها واستراتيجيتها مع كل نموذج ذكاء اصطناعي جديد، فإنها لن تصبح مرنة، بل ستفقد الاتجاه. وستتحول من مؤسسة تقودها استراتيجية إلى مؤسسة تطارد الأخبار والتقنيات والاتجاهات.

ومن هنا تظهر المفارقة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي: كلما ازدادت سرعة العالم، ازدادت حاجتنا إلى أشياء قليلة لا تتغير بسرعة.

ويمكن التمييز هنا بين الصبر الاستراتيجي والسرعة التكتيكية.

يمكن للغاية الكبرى أن تمتد عشر سنوات أو أكثر. ويمكن للميزة التي تريد المؤسسة بناءها أن تحتاج سنوات من الاستثمار. ويمكن للقيم والهوية والمعرفة المتراكمة أن تكون طويلة الأجل. لكن الأداة التي تستخدم اليوم لتنفيذ هذه الغاية قد تتغير بعد شهر.

ولهذا فإن الاختبار الصحيح لأي مؤسسة ليس أن تسأل: «كم مرة غيرنا استراتيجيتنا؟»، وإنما:

هل ما نغيره هو الوسائل أم الغايات؟ فالمؤسسة التي تغير وسائلها بسرعة لخدمة غاية ثابتة تمتلك مرونة استراتيجية. أما التي تغير غايتها كلما تغيرت الوسائل فقد فقدت الاستراتيجية أصلًا.

كيف تبدو الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

يمكن بناء نموذج جديد للاستراتيجية يقوم على عدة طبقات مترابطة. ففي القمة توجد الغاية طويلة الأجل: ما القيمة التي نريد إنتاجها؟ ولماذا توجد المؤسسة أصلًا؟ وتحتها توجد المبادئ والحدود: ما الأشياء التي لن نتنازل عنها؟ وما المخاطر التي لن نقبل بها؟ وما نوع المعرفة والميزة التي نريد حمايتها وبناءها؟

ثم تأتي الاتجاهات الاستراتيجية الكبرى: أين نريد الاستثمار؟ وما القدرات التي نريد امتلاكها؟

بعد ذلك يبدأ المستوى الأكثر مرونة: محفظة من الخيارات والتجارب بدل الاعتماد على مشروع واحد ضخم. ثم تأتي دورات قرار قصيرة تعيد خلالها الإدارة فحص التكنولوجيا والتكاليف والنتائج والافتراضات. ويصاحب ذلك تخطيط السيناريوهات بحيث لا تعتمد المؤسسة على تصور وحيد للمستقبل. وأخيرًا تأتي قدرة مؤسسية مستمرة على التعلم وإعادة التشكيل.

وبهذا يمكن اختصار الاستراتيجية الجديدة في معادلة بسيطة:

غاية بعيدة + مبادئ ثابتة + اتجاه واضح + خيارات متعددة + قرارات قصيرة الأجل + تعلم مستمر.

هل ماتت الاستراتيجية إذن؟

الجواب: لا.

الذي يموت تدريجيًا هو الاعتقاد بأن الاستراتيجية تعني رسم طريق مفصل لسنوات مقبلة ثم السير عليه مهما تغير العالم. فالذكاء الاصطناعي لا يجعل الاتجاه أقل أهمية، بل يجعله أكثر أهمية؛ لأن كثرة الطرق تحتاج إلى معيار للاختيار بينها. ولا يجعل المبادئ أقل أهمية، بل يجعلها أكثر أهمية؛ لأن سرعة القرار تحتاج إلى قواعد تمنع المؤسسة من التحرك بلا بوصلة. ولا يجعل القيادة الاستراتيجية أقل أهمية، بل يغير وظيفتها: من إعطاء إجابات تفصيلية عن المستقبل إلى بناء مؤسسة قادرة على التعامل مع مستقبل لا يمكن معرفته بالكامل.

لقد كانت الخطة التقليدية تحاول تقليل عدم اليقين بالتنبؤ. أما الاستراتيجية الجديدة فتحاول التعامل معه ببناء المرونة.

كانت تسأل: ما الذي سيحدث؟ أما الآن فتسأل: كيف ننجح مهما تغير ما سيحدث؟

وكانت الميزة تتمثل في امتلاك أفضل خطة للمستقبل. أما الميزة القادمة فقد تتمثل في امتلاك مؤسسة تتعلم أسرع من تغير البيئة المحيطة بها.

ولذلك فإن سرعة الذكاء الاصطناعي لم تنه مفهوم الاستراتيجية. إنها، على العكس، تجبرنا على العودة إلى معناها الأصلي بعد أن غطته لعقود طبقات من الخطط والجداول والتوقعات.

الاستراتيجية ليست أن تعرف الطريق كاملًا قبل أن تبدأ السير. بل الاستراتيجية هي أن تعرف إلى أين تريد أن تذهب، ولماذا تريد الوصول إليه، وما الذي لن تتخلى عنه أثناء الطريق، وأن تمتلك في الوقت نفسه القدرة على تغيير الطريق كلما تغيرت الأرض تحت قدميك.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق لعصر الذكاء الاصطناعي:

كلما قَصُر عمر الخطة، ازدادت أهمية الاستراتيجية.

* المصادر: أكسيوس، كلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد، مراجعة هارفارد للأعمال، أكاديمية الإدارة، مراجعة كاليفورنيا للإدارة – جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ماكنزي، مجلة الإدارة الاستراتيجية، أوراق دونالد رامسفيلد.

اضف تعليق