نفذت نقابة المعلمين إحدى أبرز النقابات في العراق من حيث الأعضاء والانتشار، إضراباً عاماً لمدة يومين، شمل أغلب المدارس الحكومية على مستوى التعليم الأساسي في أغلب المحافظات العراقية لأسباب تتعلق ما تعده هذه الشريحة من عدم اهتمام الجانب الحكومي بالمتطلبات الحياتية لشريحة المعلمين والمدرسين بالمقارنة مع أقرانهم في الوزارات الحكومية الأخرى، وهناك مطالب عامة تتعلق بإناطة وزارة التربية بشخصية علمية من داخل الأطر التربوية، وهناك قائمة مطالب رفعتها الكوادر الصحية تشبه في بعض الجوانب المطالب التي نادت بها نقابة المعلمين، وهددت بالإضراب أيضا إذا لم تنفذ المطالب، وهو حق مشروع بالتأكيد لأي مواطن يعيش في بلد غني مثل العراق سواء كان منتمي لنقابة أو لا في المطالبة بالعيش الكريم.

وبهذه المناسبة نذكر بدور النقابات في العالم المتقدم لإيجاد مقاربات من حيث الأدوار، وتحمل المهام الوطنية المحتملة التي تقوم بها الكوادر المرتبطة بالنقابات في العراق، إذ أدت النقابات أدواراً أساسية في صناعة التغيير السياسي، والفكري، والثقافي، وساهمت في إيجاد واقع مختلف للبلدان التي كانت تعاني من التخلف والاستبداد في سياق الحضارة الغربية، وكانت النقابات هناك بما تتضمن من كوادر تربوية، وثقافية، ومهنية، تقود مجالات كبيرة في المجتمع من: التربية، والتعليم، والصحة، والقانون، والحرف والمهن، والفن، وغيرهم.

هذه الكوادر النقابية كانت بمثابة اللبنة الأولى في أي تغيير سياسي واجتماعي أو الاعتراض على قرار أو عمل سياسي أو عسكري، بل أن النقابات ساهمت في خلق فكراً جديداً في عدد من البلدان لا سيما عندما تنجح الحركة وتصبح فيما بعد الثورة شعبية لتكون في نهاية المطاف نهضة حضارية عقلانية بالإعتماد على المنظومة القيمية التي يضعها المفكرون والفلاسفة أو حتى رجال الدولة، فما الفارق والتمايز بين أدوار النقابات في العالم المتقدم وأدوار النقابات في العالم الثالث ومنه العراق؟، الذي شهد تنامي بعدد النقابات بعد سقوط نظام صدام، فهناك عدد من النقابات بعدد عناوين المهن والوظائف الحكومية، إضافةً إلى الاتحادات والتجمعات الطلابية الجامعية.

هذا التنامي بعدد النقابات في إطاره العام يعد عاملا إيجابيا لكن هناك عقبات كثيرة تواجه عمل هذه النقابات كمؤسسات أهلية وغير حكومية تمتلك رصيداً بشرياً يرتكز على التعليم الجيد، والإنتماء إلى الطبقات الوسطى والفقيرة، ولأعضائها تأثير على البنية الشعبية القاعدية بحكم انتشار كوادرها على المدن والأقضية والنواحي والأحياء والقرى والقصبات كافة.

ومن ضمن التحديات التي تواجه عمل النقابات هو هيمنة بعض الأحزاب السياسية النافذة على القيادات الإدارية في النقابات المذكورة، مما جعل النقابات بعيدة طوال السنوات الماضية التي شهدت احتجاجات شعبية تطالب بالتغيير والإصلاح المنظمة منها والعفوية كحالة قد تودي إلى ما يعرف باللحظة التأريخية.

فقد بدى للمراقب أن التظاهرات التي قامت بها النقابات في العراق سواء شريحة المعلمين أو الكوادر الصحية والزراعيين وقبلهم الأكاديميين والعاملين في مجال التعليم العالي هي مطالب خاصة، في حين لم تجد مشاكل البلد المتراكمة والتي أثرت على كل محطات التقدم ومنها التربية والتعليم والصحة والاقتصاد صدى احتجاجي شعبي، وبقت هذه الشرائح تراقب وتكتب ناقدة للوضع دون أن يكون لها دور ميداني مؤثر في المطالبة بالتغيير السلمي، وإيجاد الحلول للملفات المتفاقمة من أجل استكمال خطوات بناء مؤسسات الدولة العراقية، وتهذيب نظامها السياسي والاجتماعي، وإذا كان هناك من دور فيصنف على أنه مساهمة فردية تدخل في إطار المشاركة كمدنيين ومثقفين.

وربما أن ضعف المشاركة الاحتجاجية الميدانية من قبل النقابات المشار إليها في المطالبة بالتغيير التصحيحي قد يعود لهيمنة الجانب التنفيذي على هذه النقابات ولارتباط قسم كبير من هذه النقابات بوزارات الدولة كموظفين، وهنا قد تحد الأعراف والقوانين النافذة في بلدان العالم الثالث التي تمنع الموظف المنتمي إلى النقابات من قيادة أو مشاركة في حركات الاحتجاجات المطالبة بالتغيير السلمي التصحيحي، بينما شهدت ولا تزال تشهد بلدان العالم المتقدم تطوراً في عمل النقابات بالرغم من التقدم في مجالات التنمية والتربية والتعليم والصحة والصناعة والاستثمار والخدمات العامة التي تعود بالرفاهية والخدمة للمواطن هناك، وقد يعود السبب في ذلك إلى الموظف.

وهناك من ينتمي وظيفياً إلى القطاع الخاص، فهو غير مقيد بأيديولوجيات الحزب الحاكم الذي يقود النظام السياسي، وأن المواطنة والإنتماء للدولة هي ثقافة تقيد المرتبط بالسلطة أو القطاع العام وظيفيا أو العامل في القطاع الخاص، بينما غياب القطاع الخاص في العراق، جعل نقابات عديدة في الأعم الأغلب مرتبطة وظيفياً بالقطاع العام المتمثل بالوزارات، وحتى النقابات غير المرتبطة وظيفيا بالوزارات الحكومية كنقابة العمال والحرفيين التي يشارك أعضاء منها في مناسبات عديدة خاصة في عيد العمال أو في حركات الاحتجاج ولكن تبدو هامشية للسبب ذاته هو ضعف القطاع الخاص، وهيمنة القطاع الحكومي وظيفياً وسلوكياً على الكوادر المنضوية في النقابات.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0