أدرك الجميع في الأوساط الأكاديمية صعوبة إقناع طلاب الجامعات بإنجاز واجبات القراءة، فثقافة قراءة الكتب الطويلة تبدو وكأنها تتلاشى تدريجياً. ولكن المثير للقلق هو أن "أزمة تشتت الانتباه" لم تعد تقتصر على الكلمة المكتوبة فحسب، بل زحفت بقوة إلى الوسائط البصرية. يكتشف الأساتذة الجامعيون الآن حقيقة صادمة إنهم عاجزون...
في هذا المقال المنشور في مجلة "ذي أتلانتيك" (The Atlantic)، تقرع الكاتبة روز هورويتز ناقوس الخطر حول ظاهرة مقلقة تجتاح قاعات المحاضرات الجامعية؛ وهي زحف "أزمة تشتت الانتباه" لتطال حتى الطلاب المتخصصين في دراسة السينما. يسلط المقال الضوء على كيف أدى إدمان الهواتف الذكية وثقافة المقاطع القصيرة السريعة إلى سلب جيل كامل قدرته على التركيز لمشاهدة فيلم روائي طويل حتى النهاية.
أزمة تشتت الانتباه
لطالما أدرك الجميع في الأوساط الأكاديمية صعوبة إقناع طلاب الجامعات بإنجاز واجبات القراءة، فثقافة قراءة الكتب الطويلة تبدو وكأنها تتلاشى تدريجياً. ولكن المثير للقلق اليوم هو أن "أزمة تشتت الانتباه" لم تعد تقتصر على الكلمة المكتوبة فحسب، بل زحفت بقوة إلى الوسائط البصرية. يكتشف الأساتذة الجامعيون الآن حقيقة صادمة: إنهم عاجزون حتى عن إقناع طلاب السينما – نعم، المتخصصين في دراسة السينما – بالجلوس لمشاهدة فيلم روائي كامل من بدايته إلى نهايته.
يقول كريغ إربيلدينغ، أستاذ السينما في جامعة ويسكونسن-ماديسون، بلهجة يملؤها التعجب: "كنت أعتقد دائماً أنه إذا كان واجبك المنزلي هو مشاهدة فيلم، فهذا هو أفضل وأسهل واجب على الإطلاق. ولكن المفارقة اليوم أن الطلاب ببساطة يرفضون القيام بذلك".
أزمة الانتباه المتصاعدة: من العزلة الرقمية إلى متلازمة "الانسحاب"
تتردد أصداء هذه الملاحظات بشكل واسع. فقد أكد لي عشرون أستاذًا متخصصًا في الدراسات السينمائية من مختلف أنحاء البلاد ظاهرة مشابهة. وأشاروا إلى أنه خلال العقد الماضي، وبشكل أكثر حدة منذ جائحة كورونا التي فاقمت من التعلق بالشاشات الصغيرة، أصبح الطلاب يواجهون صعوبة بالغة، بل ومرهقة، في الحفاظ على تركيزهم أثناء مشاهدة الأفلام الطويلة.
لمواجهة ذلك، اتخذ مالكولم تيرفي، المدير المؤسس لبرنامج دراسات السينما والإعلام في جامعة تافتس، قراراً رسمياً بحظر استخدام الأجهزة الإلكترونية أثناء عروض الأفلام. لكن تطبيق هذا الحظر على أرض الواقع أثبت أنه تحدٍ من نوع آخر؛ فما يقرب من نصف الطلاب في القاعة ينتهي بهم الأمر إلى اختلاس النظر خلسة إلى هواتفهم الذكية.
ورغم أن قلة من الأساتذة أشاروا إلى أنهم لم يلاحظوا تغييراً جذرياً -مثل لين سبيجل من جامعة نورث وسترن التي ترى أن بعض الطلاب استثقلوا دائماً إيقاع الأفلام القديمة، وأن الشغوفين حقاً بالسينما لا يزالون على عهدهم- إلا أن الأغلبية الساحقة تشعر بتحول عميق.
المشكلة لم تعد محصورة في المقررات التمهيدية الكبيرة التي تضم طلاباً غير متخصصين. يصف أكيرا ميزوتا ليبيت، أستاذ دراسات السينما والإعلام في جامعة جنوب كاليفورنيا (التي تضم ربما أفضل برنامج سينمائي في البلاد)، سلوك طلابه في قاعات العرض بأنه يشبه "مدمني النيكوتين الذين يعانون من أعراض الانسحاب". كلما طالت فترة ابتعادهم عن تفقد هواتفهم، زاد تململهم وتوترهم، حتى يستسلموا في النهاية للشاشة الصغيرة.
في تجربة حديثة، عرض ليبيت فيلم الإثارة الكلاسيكي "المحادثة" (The Conversation) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، إنتاج عام 1974. قبل العرض، طلب من الطلاب طلباً بسيطاً: حتى لو فقدتم تركيزكم في أجزاء من الفيلم، عليكم الانتباه بشدة للمشهد الختامي العبقري والمحوري. ومع ذلك، عندما حانت لحظة هذا المشهد، لاحظ ليبيت أن العديد من الطلاب كانوا غارقين في التحديق بهواتفهم. يعلق ليبيت بأسى: "كان يتوجب عليهم فقط الانتباه في النهاية، ورغم ذلك، لم أستطع جعل الجميع يفعلون ذلك".
انهيار ثقافة العرض الجماعي ووهم "تعدد المهام"
يقاوم العديد من الطلاب اليوم فكرة العروض السينمائية الحضورية برمتها. فمع سهولة الوصول إلى منصات البث (Streaming) من غرف السكن الجامعي المريحة، أصبحوا ينظرون إلى التجمع في قاعة سينما الجامعة في أوقات محددة كعبء ثقيل ومفروض. وتؤكد ميريديث وارد، مديرة برنامج دراسات السينما والإعلام في جامعة جونز هوبكنز، أن الأساتذة الذين يصرون على العروض الحضورية خارج أوقات المحاضرات قد يواجهون انخفاضاً حاداً في أعداد المسجلين في مقرراتهم. ونتيجة لذلك، رضخ العديد من الأساتذة وباتوا يسمحون للطلاب بمشاهدة الأفلام في أوقاتهم الخاصة عبر الإنترنت.
النتيجة كانت كارثية ويمكن التنبؤ بها بسهولة. في جامعة إنديانا، حيث عمل إربيلدينغ حتى عام 2024، كان بإمكان الأساتذة تتبع بيانات مشاهدة الطلاب عبر منصة البث الداخلية للجامعة. أظهرت البيانات أن أقل من 50% من الطلاب يبدأون فعلياً في تشغيل الأفلام المطلوبة، والمفزع أن حوالي 20% فقط يصلون إلى نهايتها. (تذكر هنا أننا نتحدث عن طلاب اختاروا طواعية دراسة السينما).
وحتى عندما يقوم الطلاب ببث الفيلم بأكمله، فمن غير الواضح مدى تركيزهم الحقيقي معه. من المؤكد أن العديد منهم يقومون بطي الملابس، أو التمرير اللانهائي عبر إنستغرام وتيك توك، أو ممارسة كلتا المهمتين معاً، بينما يلعب الفيلم في الخلفية كمجرد ضوضاء بصرية.
اعترافات الطلاب وتداعيات التشتت الأكاديمي
الطلاب الذين تحدثت إليهم لم ينكروا هذا التشتت، بل اعترفوا به وأبدوا شعوراً بالذنب حياله، لكن هذا الشعور لم يكن كافياً لدفعهم للجلوس بصبر ومشاهدة الأفلام المخصصة لهم. تقول مريدولا ناتاراجان، طالبة في سنتها الأولى بجامعة تكساس في أوستن، والتي التحقت بدورة في السينما العالمية: "كانت هناك أفلام بطيئة الإيقاع للغاية، والمفارقة أن هذا البطء كان هو جوهر ورسالة الفيلم. لكنني أعتقد أن نفاد الصبر دفعني لتخطي بعض المشاهد (Skip) أو تسريع العرض إلى ضعف السرعة (2x speed)".
هذا الاستهلاك المشتت والسطحي يؤدي حتمًا إلى نتائج أكاديمية مخيبة للآمال؛ إذ يعجز الطلاب عن الإجابة على أسئلة أساسية حول أحداث الفيلم. في امتحان نهائي حديث، سأل جيف سميث، أستاذ السينما في جامعة ويسكونسن-ماديسون، في سؤال متعدد الخيارات عما يحدث في نهاية فيلم تروفو الشهير "جول وجيم" (Jules and Jim). اختار أكثر من نصف الفصل خيارات خاطئة تماماً، مدعين أن الشخصيات اختبأت من النازيين (رغم أن أحداث الفيلم تدور خلال الحرب العالمية الأولى!) أو أنهم سكروا مع إرنست همنغواي (الذي لا يظهر في الفيلم أصلاً). يضع سميث امتحانات مشابهة منذ حوالي عقدين من الزمن، ولأول مرة يضطر مؤخراً إلى تعديل درجات التقييم (Grading on a curve) لرفع العلامات وإبقائها ضمن النطاق الطبيعي المقبول.
تأثير الشاشات وتغير العادات
الأساتذة الذين قابلتهم لا يلقون باللوم الكامل على الطلاب لقصورهم، بل يوجهون أصابع الاتهام إلى كيفية تغير عادات الاستهلاك الإعلامي.
* تضاعف وقت الشاشة: بين عامي 1997 و2014، تضاعف وقت الشاشة للأطفال دون سن الثانية. والشاشة التي كانت تقتصر سابقاً على التلفزيون، أصبحت اليوم حاسوباً لوحياً أو هاتفاً ذكياً ملتصقاً بأيديهم.
* غياب عالم ما قبل الإنترنت: الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات اليوم لا يملكون أي ذاكرة لعالم ما قبل "التمرير اللانهائي" (Infinite scroll). كمراهقين، قضوا ما يقرب من خمس ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم استهلاك المحتوى عبر التنقل السريع والمستمر بين مقاطع الفيديو القصيرة.
* تقلص فترات التركيز: وجد تحليل لمدى انتباه الأشخاص أثناء العمل على الكمبيوتر أنهم أصبحوا يبدلون بين علامات التبويب (Tabs) أو التطبيقات كل 47 ثانية، بانخفاض حاد عن معدل مرة واحدة كل دقيقتين ونصف في عام 2004.
يقول ليبيت من جامعة جنوب كاليفورنيا: "إذا لم تكن أجسادهم ونفسياتهم مدربة ومبرمجة على تحمل المدة الزمنية لفيلم روائي طويل، فمن الطبيعي أن يبدو لهم الأمر مملاً وشاقاً بشكل لا يُطاق". (كما افترض ليبيت أن توفر كل فيلم حسب الطلب يجعل الطلاب يشعرون أنه بإمكانهم دائماً إعادة المشاهدة إذا فاتهم شيء ما – وهو خيار نادرًا ما يلجؤون إليه فعلياً).
يبدأ كايل ستاين، أستاذ دراسات السينما والإعلام في جامعة جونز هوبكنز، مقرره عادةً بسؤال لكسر الجليد: *ما هو الفيلم الذي شاهدته مؤخراً؟* في السنوات القليلة الماضية، أصبح بعض الطلاب يواجهون صعوبة في تذكر أو تسمية أي فيلم. ولاحظت كريستين وارنر، أستاذة الفنون المسرحية والإعلامية في جامعة كورنيل، اتجاهاً مشابهاً، حيث يصل بعض طلابها للجامعة ولم يشاهدوا في حياتهم سوى أفلام ديزني.
يحاول إربيلدينغ العثور على فيلم شاهده الجميع في فصله ليكون بمثابة مرجعية مشتركة يمكن البناء عليها، لكنه وجد أن هذا الأمر بات شبه مستحيل. المثير للصدمة أن حتى الطلاب الذين يطمحون للعمل في صناعة السينما لم يعودوا بالضرورة من عشاق مشاهدة الأفلام. يوضح إربيلدينغ: "الانفصال الحقيقي يكمن هنا: قبل عشر سنوات، كان الأشخاص الذين يرغبون في دراسة السينما وصناعة الإعلام هم من عتاة عشاق السينما (Cinephiles). أما اليوم، فهم يستهلكون نفس المحتوى الذي يستهلكه الجميع، وهو وسائل التواصل الاجتماعي".
خضوع صناعة السينما لـ "خوارزميات التشتت"
بالطبع، لم يتخلَّ الشباب تماماً عن مشاهدة الأفلام. ولكن الأفلام الروائية التي يفضلونها اليوم أصبحت مصممة هندسياً وصناعياً لتلبية "عجز الانتباه" لديهم. في ظهور حديث له في برنامج *The Joe Rogan Experience*، أشار الممثل مات ديمون (الذي ربما لم يشاهد طلاب الجامعات الحاليين العديد من أفلامه) إلى أن منصة نتفليكس (Netflix) بدأت تشجع صناع الأفلام على حشر مشاهد حركة صاخبة في الدقائق الخمس الأولى من الفيلم لضمان جذب المشاهدين بسرعة.
علاوة على ذلك، فإن مجرد قيام الشباب ببث فيلم لا يعني أنهم منتبهون. عندما يجلسون للمشاهدة، فإن الغالبية تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي على "شاشة ثانية". ونتيجة لذلك، طلبت نتفليكس من المخرجين أن تقوم الشخصيات بتكرار الحبكة الدرامية والمعلومات الأساسية ثلاث أو أربع مرات خلال الفيلم، حتى يتمكن الجمهور المشتت والمتعدد المهام من مواكبة ما يحدث دون أن يفقدوا الخيط الدرامي.
مواجهة الأزمة أكاديمياً: بين المقاومة والتكيف
انقسم الأساتذة في كيفية التعامل مع ذبول فترات الانتباه؛ فبعضهم يعامله كمشكلة يجب حلها، والبعض الآخر يراه واقعاً يجب قبوله والتكيف معه.
مسار المقاومة وإعادة التأهيل:
يقوم ستاين في جامعة جونز هوبكنز بتجربة تدريس مقرر حول "السينما البطيئة" (Slow Cinema) - وهي أفلام ذات أسلوب تقليلي (Minimalist) تكاد تخلو من الزخم السردي أو الأحداث المتسارعة - بهدف مساعدة الطلاب على إعادة تطوير قدراتهم على الانتباه طويل الأمد.
بالمثل، يتعمد ريك وارنر، مدير دراسات السينما في جامعة نورث كارولينا، اختيار أفلام ذات إيقاع بطيء وتفاصيل دقيقة، مثل رائعة شانتال أكرمان "جين ديلمان، 23 رصيف التجارة، 1080 بروكسل" (Jeanne Dielman)، وهو فيلم مدته ثلاث ساعات يتتبع في معظمه امرأة تؤدي أعمالاً منزلية روتينية في شقتها. يقول وارنر: "أحاول تدريس الأفلام التي تضع عادات المشاهدة لديهم تحت الضغط والاختبار. أحاول إقناعهم بأن مشاهدة الفيلم بطريقة صحيحة وعميقة يمكن أن تساعدهم فعلياً على إعادة تدريب إدراكهم وتعليمهم كيفية التركيز من جديد". ويشير إلى أنه بمجرد أن يعتاد الطلاب على هذا النمط، فإنهم يبدأون في الاستمتاع بهذا التحدي.
مسار الاستسلام والتكيف:
على الجانب الآخر، يبدو أن بعض الأساتذة استنتجوا أن المقاومة لا جدوى منها، فبدأوا في تكييف مناهجهم مع نوعية الوسائط التي نشأ عليها طلابهم. يعرض البعض أفلاماً أقصر، أو يطلبون من الطلاب مشاهدة الأفلام على عدة جلسات مقطعة.
إربيلدينغ، الذي يُدرّس في المقام الأول دورات صناعة الأفلام، انتقل من تدريس أساليب الإنتاج السينمائي التقليدية البطيئة إلى شرح كيفية "تعظيم تفاعل الجمهور" في الثواني الأولى. إنه يطلب الآن من طلابه إنتاج أفلام قصيرة تتراوح مدتها بين ثلاث وأربع دقائق، تشبه إلى حد كبير المقاطع المحررة التي يراقبونها يومياً على منصات التواصل الاجتماعي. في نهاية المطاف، يبدو أن هذا هو النوع الوحيد من الفيديو الذي يرغب العديد من الشباب في مشاهدته وصناعته.
ملاحظة ختامية: في انتظار المشهد الأخير
بالمناسبة، بالعودة إلى المشهد الأخير من فيلم "المحادثة" (The Conversation)، يظهر الممثل جين هاكمان المصاب بجنون الارتياب (البارانويا) وهو يقوم بتمزيق وتدمير شقته بالكامل في بحث يائس وعبثي عن أجهزة تنصت مزروعة، قبل أن يستسلم في النهاية لواقعه، ويجلس ليعزف لحناً حزيناً على الساكسفون وسط حطام غرفته. إنه مشهد عبقري وعميق، ويستحق حقاً عناء الانتظار والانتباه.. شأنه شأن الفن السينمائي الحقيقي الذي يتطلب الصبر لتذوق جماله الكامن.



اضف تعليق