قصر مدى الانتباه يُعد علامة على ضعف شخصي، بل ربما على انحطاط فكري. بعض أكثر الشركات ربحية على وجه الأرض هي تلك التي تحصد الانتباه. ولعل كثيرين يشعرون بالسوء تجاه مدى انتباههم لا لأنه قصير جدًا، بل لأنهم يستشعرون أنهم ينهكون أنفسهم بإهدار سلعة ثمينة مقابل أقل بكثير من...

في مقال نشرته صحيفة (ذا اتلانتيك) يناقش الكاتب فرانكلين شنايدر كيف لم يعد قصر مدى الانتباه مشكلة فردية أو علامة ضعف شخصية فحسب، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد رقمي قائم على استخراج انتباه البشر وتحويله إلى سلعة مربحة. ويوضح أن التكنولوجيا ووسائل التواصل لا تشتت الإنسان فقط، بل تستنزف طاقته الذهنية وتدفعه إلى الشعور بالقلق والذنب، بينما تستفيد الشركات الكبرى من هذا الاستنزاف.

ويُقصد بالانتباه قدرة الإنسان على توجيه وعيه وتركيزه نحو فكرة أو مهمة أو مؤثر معيّن، مع تجاهل ما يحيط به من مشتتات. ولا يقتصر الانتباه على التركيز الطويل فقط، بل يشمل أيضًا القدرة على متابعة أكثر من مؤثر، أو الانتقال بين مهام مختلفة. وفي العصر الرقمي، أصبح الانتباه موردًا ثمينًا تتنافس عليه المنصات والتطبيقات، الأمر الذي جعل قضية تراجعه مصدر قلق متزايد لدى كثير من الناس.

الأمر لا يتعلق فقط بمدى انتباه يبدو أقصر مما ينبغي

في العام الماضي، اتخذتُ خطوة جذرية لحماية انتباهي: قطعت خدمة الإنترنت المنزلي. فأنا أصلًا أرفض اقتناء هاتف ذكي، ومنذ زمن أدفع ثمن تطبيق يحجب الوصول إلى الإنترنت على حاسوبي المحمول عندما أحتاج إلى أن أكون منتجًا. ومع ذلك، كنت لا أزال أهدر ساعات كثيرة في وقت متأخر من الليل وأنا أتصفح منصة X، أو أشاهد إعادة تمثيل حاسوبية لحوادث تحطم الطائرات، أو نسخًا من أشرطة VHS لحلقات قديمة من برنامج ليترمان. حتى مقاومة ذلك كانت تتطلب جهدًا كنت أستاء منه؛ وقد صرت مقتنعًا بأن الإنترنت يجعلني غبيًا، ولم يكن لديّ من ألومه سوى نفسي.

يبدو أن الانتباه، في هذه الأيام، شيء ينظر إليه كثير من الأميركيين بوصفه فضيلة فطرية يمكنهم أن يحاولوا صون نقائها أو يسمحوا بتدنيسه. فقصر مدى الانتباه يُعد علامة على ضعف شخصي، بل ربما على انحطاط فكري. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث الناس عن امتلاكهم “مدى انتباه كلب الراعي الألماني”، ويشبّهون حالتهم بـ“تلف في الدماغ”. وبحسب هذا المنطق، فإن تقليص مدى انتباه المرء يعني تقليص إنسانيته.

لكن هذه قد تكون طريقة قديمة في التفكير بالانتباه، وهي طريقة تلوم الفرد على التفريط بشيء، بينما الأدق أنه يُنتزع منه. ففي نهاية المطاف، بعض أكثر الشركات ربحية على وجه الأرض هي تلك التي تحصد الانتباه. ولعل كثيرين يشعرون بالسوء تجاه مدى انتباههم لا لأنه قصير جدًا، بل لأنهم يستشعرون أنهم ينهكون أنفسهم بإهدار سلعة ثمينة مقابل أقل بكثير من قيمتها الحقيقية.

وفقًا لأطباء الأعصاب، يمتلك البشر أنواعًا عديدة من الانتباه. فـ“الانتباه المتسلسل”، على سبيل المثال، قد يُستخدم لمراقبة الأدوات وهي تمر على خط تجميع في مصنع، في حين أن القدرة على التركيز على وجهٍ ما مع تجاهل الضجيج المحيط به تُسمى “الانتباه المكاني”. غير أن شكاوى اليوم من تدهور التركيز تشير عمومًا إلى “الانتباه المستدام”، أي حين يركز المرء على عنصر واحد لمدة طويلة. ومع كثرة المشتتات التي يواجهها الناس، يبدو فعلًا أن قدرتهم على التركيز الأحادي تمر بتحول جوهري، كما أخبرني توني رو، أستاذ علم الأعصاب في جامعة مدينة نيويورك.

في عام 2007، وهو العام نفسه الذي صدر فيه أول هاتف آيفون، وصفت الباحثة إن. كاثرين هايلز، وكانت حينها أستاذة للأدب الإنجليزي في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وهي الآن أستاذة باحثة فيها، هذا التحول بأنه انتقال من “الانتباه العميق”، أي التركيز الممتد على شيء مثل رواية، إلى “الانتباه الفائق”، وهو نمط يتسم بـ“تبديل التركيز بسرعة بين مهام وتدفقات معلومات مختلفة”. ومع هذا التحول جاء الحكم القيمي؛ فقد كتبت هايلز أن الانتباه الفائق “يُعد سلوكًا معيبًا لا يكاد يستحق أن يُصنَّف نمطًا إدراكيًا أصلًا”.

ومن المفارقات الكبيرة في هذا القلق المعاصر بشأن الانتباه أن مدى انتباه الإنسان، مقارنة ببقية مملكة الحيوان، ليس مبهرًا حقًا. فعلى الرغم من امتلاكنا قدرات معرفية استثنائية كثيرة، مثل التفكير المجرّد مثلًا، أخبرني ريموند كلاين، عالم النفس التجريبي في جامعة دالهوزي، أن قطة منزلية تحدق في جحر فأر تستطيع أن تحشد موارد انتباه أكثر إثارة للإعجاب بكثير من الإنسان العادي.

بل إن المدى المتواضع نسبيًا للانتباه المستدام لدى الإنسان الحديث هو ابتكار حديث. فقد كان الصيادون وجامعو الثمار البدائيون يحتاجون إلى شكل مرن من الانتباه قادر على مراقبة التهديدات باستمرار. ولم يصبح التركيز الطويل على مهمة واحدة، مثل رعاية المحاصيل أو العمل على الأنوال أو بناء الأسوار، ذا فائدة حقيقية إلا بعد أن استقر البشر وتركوا حياة التنقل.

لكن الانتباه الفائق، ولا سيما النوع المطلوب من البشر المعاصرين، يأتي بتكاليف هائلة. فالتركيز يستهلك الغلوكوز المؤكسج في الدماغ، وسواء كان المرء يركز بثبات على شيء واحد أو ينقل تركيزه بسرعة بين نقاط متعددة، فإن كلا الشكلين من الانتباه يستنزفان من خزان الوقود المجازي نفسه، وهو خزان تجدر الإشارة إلى أنه قد يختلف من شخص إلى آخر تبعًا لعوامل وراثية أو بيئية. وعندما ينفد ذلك الوقود، تنفد معه قدرة المرء على الانغماس والتركيز.

وكما أن سيارة تتوقف وتنطلق كل بضعة مبانٍ تستهلك طاقة أكثر من سيارة تسير بثبات على طريق سريع، فإن نقل انتباهنا بين أشياء مختلفة يستهلك طاقة أكبر بكثير من التركيز المستقر على شيء واحد. فالناس لا يتعرضون فقط لقصف مستمر من تحديثات الأخبار، ورسائل “سلاك” عن الإنجازات المطلوبة، والميمات الطريفة، بل إن أدمغتهم باتت تعمل افتراضيًا وفق أكثر الأوضاع عدمًا للكفاءة.

ومحاولة الدفع والاستمرار رغم ذلك لا تؤدي إلا إلى الانهيار. ففي الأيام الأولى للعمل في المصانع، كان الموظفون يقفون على خطوط التجميع لساعات متواصلة، مركزين على مهام متكررة ومتحركين بوتيرة لا ترحم. وبقدر ما كان العمل مرهقًا جسديًا، كان أشد قسوة ذهنيًا. في كتاب *Behemoth*، وهو تاريخ جوشوا بي. فريمان للمصنع، يكتب أن العمال كانوا يسمون حالة الانتباه المنهك والمثقل فوق طاقته “فوردايتس”. وكانت زوجات عمال شركة فورد يشتكين من أن أزواجهن يعودون إلى المنزل في مزاج سيئ ويتجهون مباشرة إلى الفراش، بل إن “فوردايتس” جعلت أزواجهن عاجزين جنسيًا.

استبدل خط التجميع بالشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، وسيبدو “فوردايتس” تشبيهًا جيدًا إلى حد بعيد لعلّة اليوم: أدمغة مستنزفة، غير قادرة على إفساح المجال لأي شيء آخر تقريبًا.

ومع ذلك، فإن الإرهاق وحده لا يفسر تمامًا حالة الذعر بشأن الانتباه. فعندما يشتكي الناس من “السلوك الساعي إلى جذب الانتباه” لدى الآخرين، فذلك لأنهم يشعرون بأن شيئًا ثمينًا يُنتزع منهم. وعلى الرغم من أن أحدًا لا يُجبر على مشاهدة تيك توك، يبدو أن كثيرين يشعرون بأن انتباههم يُسرق منهم. وبطريقة ما، هذا صحيح. فقد حوّلت شركات التكنولوجيا الانتباه إلى سلعة تدر المال، ومع ذلك فإن معظم جموع المتصفحين غير قادرين على جني ولو جزء ضئيل من القيمة التي تولّدها مقل عيونهم ذاتها.

في الاقتصاد العادي، يضع الأميركيون عملهم أو سلعهم في السوق الحرة، ويحصلون في المقابل على مال ينفقونه على الإيجار والطعام والببتيدات المتداولة في السوق الرمادية والجينز ذي الفراشات المطرزة بالترتر على الجيوب الخلفية، وما إلى ذلك. أما في اقتصاد الانتباه، فالناس لا يبيعون سلعتهم حقًا، أي انتباههم؛ بل يهبونها ببساطة، أو يقايضونها مقابل… ماذا؟ صور فطور زميل في العمل؟ مقاطع قطط؟ وفقًا لدراسة سلوكية صدرت العام الماضي، يقضي الشخص البالغ الأميركي الوسيط أكثر قليلًا من ست ساعات يوميًا ناظرًا إلى هاتف ذكي، وكثيرون يقضون خمس ساعات على تطبيقات التواصل الاجتماعي وحدها، وهو ما يعادل أساسًا الالتحاق بوظيفة بدوام جزئي، مع أن عددًا كبيرًا من الناس لا يتقاضون أجرهم إلا على هيئة تسلية، أو حسد، أو غضب مُستثار، أو نوع من الذهول المُخدَّر الذي لا هو ملل تمامًا ولا هو غير الملل تمامًا.

وحين يكون الجميع متعبين ومفتتين بفعل النظر إلى هواتفهم إلى درجة لا تسمح لهم بتقييم موقعهم في اقتصاد الانتباه، يصبح من الأسهل اللجوء إلى جلد الذات، واتخاذ قرار باستعادة التركيز، وتنمية اليقظة الذهنية الخاصة بهم. أو، في حالتي، اكتناز الانتباه كما يفعل منقّب عجوز غاضب في كوخ جبلي. لقد فتحت الرغبة في الهروب من اقتصاد الانتباه ببساطة مزيدًا من المسارات لاصطياد الانتباه. ففي حين يضبط تيك توك خوارزميته لتحقيق أقصى قدر من الإدمان، تبيع الشركات الناشئة تطبيقات التأمل ومكمّلات الدماغ. ولعل أفضل استعارة لمدى الانتباه المعاصر هي بقرة الحليب في المزارع الصناعية: تُحقن بالهرمونات من جهة، وتُحلب بلا رحمة من جهة أخرى.

لقد حدث ابتلاع اقتصاد الانتباه للاقتصاد التقليدي بسرعة كبيرة إلى درجة أن كثيرين ربما لا يدركون إلا الآن أنهم يُستزرعون. ففي عام 2013، كانت أكبر شركة في العالم هي عملاق الوقود الأحفوري إكسون موبيل؛ وبعد بضع سنوات فقط، صارت ألفابت. وغالبًا ما تُكتسب الثروات العظيمة عبر مثل هذه الخدع. فالمزرعة التي احتوت أول بئر نفط في الولايات المتحدة اشتُريت بمبلغ 5,000 دولار فقط، وجزيرة مانهاتن، بحسب الأسطورة، تمت مقايضتها مقابل خرز زجاجي وحُليّ تافهة.

لكن مثل هذه السرقات المقنّعة تترك عادة طعمًا سيئًا في الفم. فهل من العجب أن يشعر كثيرون اليوم بهذا القدر من القلق والتململ والإحباط تجاه الانتباه؟ إن الغثيان الذي يشعر به المرء بعد ساعة عابرة من التصفح قد يكون ناجمًا عن إحساس بفضيلة ملوثة، أو عن إنهاك ذهني، أو عن حيرة ذات طابع أميركي أكثر: الوعي، ولو في اللاشعور، بأن المرء باع نفسه بثمن بخس.

اضف تعليق