إذا قضينا جزءًا كبيرًا جدًا من اليوم أمام الشاشة، فإن الخبرة تضيق حتى تنحصر في العينين والأذنين. ويمكن للقاءات الحسية الأكثر ثراءً أن تساعد على إعادة بقية الجسد إلى ساحة الفعل، فتجعلنا نشعر بمزيد والحضور والحيوية. كل واحد من هذه التمارين هو دعوة إلى الابتعاد عن الشاشة والعودة إلى حواسك...
يتناول هذا المقال الذي نشرته مجلة Psyche للفنانة والباحثة تيريزا فيوليت شتهليكوفا، مؤلفة كتاب (منفيون من أجسادنا: كيف نعود إلى حواسنا)، أثر الحياة الرقمية والشاشات في إضعاف علاقتنا بأجسادنا وحواسنا والعالم المحيط بنا. تنطلق الكاتبة من تجربة العزلة الرقمية خلال جائحة كوفيد-19 لتؤكد أن الإنسان لا يعيش بالبصر والسمع وحدهما، بل يحتاج إلى اللمس والشم والتذوق والحركة والمكان كي يشعر بالحضور والواقعية والاتصال بالآخرين. وتقترح مجموعة تمارين بسيطة، مثل صندوق الأدوات الحسية، والانتباه اللمسي، والمشي المركّز، بوصفها طرقًا عملية لاستعادة الحيوية الحسية والخروج من خدر الحياة الافتراضية نحو حضور أعمق في الحياة اليومية.
منفيون من أجسادنا
هل راودك يومًا ذلك الشعور، بعد قضاء ساعات طويلة أمام الحاسوب، منخرطًا في اجتماعات، أو تردّ على رسائل بريد إلكتروني لا تنتهي، أو تشاهد مقطعًا بعد آخر، بأنك غائب على نحو غريب عن جسدك؟ ربما تشعر بانفصال عن محيطك المباشر، كما لو أنك ابتُلعت داخل بُعد افتراضي طوال فترة ما بعد الظهر. وربما نسيت أن تشرب الماء، فإذا بك الآن شديد العطش، وقد بدأت تصاب بصداع. أو تدرك فجأة كم أصبح جسدك متصلبًا، فتشعر بكل التوترات التي تسري فيك. لقد مضى الوقت، وأنجزت مهامًا أو تلقيت كمًّا من المعلومات، ومع ذلك يبقى هناك إحساس عالق بأنك لم تكن حاضرًا حقًا.
يقضي معظمنا اليوم جزءًا كبيرًا من حياته داخل البيئات الرقمية. وما كان يتطلب في السابق تنوعًا في الإيماءات والأدوات، مثل طلب رقم هاتف، أو كتابة رسالة، أو التقاط صورة، أو البحث في كتاب، أصبح مضغوطًا في نقرات على جهاز واحد. نعم، هذا فعّال. لكن لهذا التبسيط كلفة: إنه يقلل من ثراء حياتنا الحسية اليومية. فالمزيد والمزيد من أفعالنا يحدث في نوع من «اللامكان»؛ في مكان آخر بلا موضع حقيقي، ونادرًا ما نكون حاضرين تمامًا في هنا والآن.
خلال فترات الإغلاق في جائحة كوفيد-19، أصبح هذا الانزياح خارج الجسد واضحًا ومؤلمًا بالنسبة إليّ. ها أنا أدرّس عبر حاسوبي المحمول، وأتحدث لساعات كل أسبوع إلى مربعات سوداء على الشاشة، آملة أن يكون هناك من لا يزال يستمع. لقد اختفت اللقاءات الحضورية المغذية التي كانت تثبّت أيامي. وفي هذا الجو، بدأت أتأمل كيف ستكون الحياة لو مضت نحو مزيد من الانفصال الجسدي. تخيلت امرأة تعيش تقريبًا بالكامل عبر شاشاتها، تؤدي كل أعمالها وتتواصل اجتماعيًا عبر الإنترنت. لم تلمس شخصًا آخر منذ زمن طويل. وبدأت أسأل: كيف تشعر داخل جسدها؟ ماذا يحدث لإحساسها بالواقع حين تصبح كل تجاربها تقريبًا وسيطة عبر شاشة؟
ولكي أستكشف ما يمكن أن يفعله الحرمان الحسي الطويل الأمد بالإنسان، تحدثت مع باحثين وفنانين زملاء حول هذا الأمر. ومرة بعد أخرى، ظهر موضوع متكرر: الناس يستخفون بمدى عمق اشتراك جميع حواسنا، لا البصر والسمع فقط، بل اللمس والتذوق والشم والتوازن والحركة، في جعلنا نشعر بأننا حقيقيون ومتصلون بالآخرين، وبمدى مساعدة الأماكن المختلفة التي نتحرك فيها يوميًا على أن نعرف أنفسنا بصورة أفضل.
ومما يبعث على ارتياحي أنني وجدت أننا لسنا مضطرين إلى البقاء منفيين عن أجسادنا. فمن الممكن، حتى داخل حياة مشبعة بالشاشات، أن نجد طريق العودة إلى البيت.
في هذا الدليل، سأشارك مجموعة من التمارين البسيطة التي طورتها على مدى سنوات طويلة من استكشاف الإدراك الحسي في ممارستي الفنية والتربوية. وقد لجأت إلى هذه التمارين بنفسي خلال فترات الإغلاق في جائحة كوفيد-19، بوصفها طريقة للشعور بمزيد من الثبات والحيوية في عالم يزداد افتراضية. ومنذ ذلك الوقت استخدمتها أيضًا في تدريسي، حيث أثارت ردود فعل إيجابية جدًا. وقد صُممت هذه التمارين لمساعدتك على استعادة بعض المسرات الصغيرة للحيوية متعددة الحواس، ولتشعر بأنك أكثر واقعية وحضورًا في حياتك الخاصة.
نقاط أساسية
1. العالم الرقمي يقلل من ثراء الحياة الحسية. إن العمل والتواصل الاجتماعي عبر الشاشات يمكن أن يتركا لدينا شعورًا مزمنًا بالانفصال عن أجسادنا وعن اللحظة الحاضرة. وتمرين الحواس هو وسيلة للشعور بمزيد من التجذّر والثبات.
2. افتح صندوق أدوات حسيًّا. اجمع عدة مواد، مثل الحبوب، والماء، والحمضيات، واستخدمها لإيقاظ حواسك من جديد: تحسسها، أو شمّها، أو تذوقها بعناية، واحدة تلو الأخرى.
3. مارس الانتباه اللمسي. استكشف شيئًا من خلال اللمس فقط، مكتشفًا تفاصيل لم تكن لتجدها عبر النظر وحده.
4. أجرِ محادثة لمسية. مع شريك، شكّل قطعة من الصلصال أو الطين بالطريقة التي تريدها، ثم تبادلا القطع ذهابًا وإيابًا، مع الاستمرار في التشكيل بصورة تعاونية.
5. استكشف المساحة من حولك. اتخذ أوضاعًا أو هيئات جسدية مختلفة داخل غرفة، ولاحظ كيف تؤثر هذه الأوضاع في حالتك الداخلية.
6. اخرج في جولات مشي مركّزة. قم بنزهة تركّز فيها تحديدًا على حاسة واحدة، أو على الأجزاء «التحت-عادية» من الواقع التي لا تلاحظها عادة. أو اطلب من شريك أن يقودك في نزهة وأنت معصوب العينين، لكي تختبر العالم من جديد.
افتح صندوق أدوات حسيًّا
يمكن القيام بهذا التمرين في أي وقت، لكنه قد يكون مفيدًا بشكل خاص قبل يوم تقضيه على الحاسوب، أو في أثنائه، أو بعده. والهدف منه مساعدتك على إعادة الاتصال بجسدك الحاسّ. أما مدته فمتروكة لك، لكنني أوصي بألا تتعجل، حتى تمنح نفسك فائدة التركيز.
قبل أن تبدأ، حضّر صندوق أدواتك الحسي الخاص. والمكوّنات المذكورة هنا ليست سوى اقتراحات، ويمكنك تعديلها بحسب حاجاتك وما هو متاح لديك:
* وعاء صغير من الأرز غير المطبوخ، ويمكن أن يكون أيضًا عدسًا جافًا، أو ما شابه.
* وعاء من الماء.
* عشب أو أعشاب عطرية، طازجة أو جافة، مثل الكزبرة أو الخزامى وغيرهما.
* شريحة من الليمون الأصفر أو الليمون الأخضر.
* كوب من شاي النعناع، أو أي شاي عشبي آخر تحبه، دافئًا كان أم باردًا.
بعد أن تجمع صندوق أدواتك، اسمح لنفسك بأن تختبر أحاسيس كل مكوّن، واحدًا بعد الآخر:
* اغمس يدك في وعاء الأرز، واشعر بملمسه، وقوامه، وحرارته. التقط حفنة واتركها تسقط ببطء بين أصابعك. خذ وقتك في الاستمتاع بهذه الخبرة اللمسية.
* اغمر أطراف أصابعك ببطء في الماء. لاحظ كيف يبدو الإحساس، بما في ذلك التباين بين الجزء المغمور من أصابعك والجزء الموجود خارجه.
* التقط العشب وخذ نفسًا عميقًا. انتبه إلى الرائحة. بماذا تذكّرك؟ قد تكون لديك أعشاب مختلفة، وبذلك يمكنك مقارنة هذه الأحاسيس الشمية المتعددة.
* ارفع شريحة الليمون إلى أنفك. انتبه إلى الرائحة: كيف تشعر بها؟ حادة؟ مستديرة؟ منعشة؟ والآن المس الليمون بلسانك وفكّر في الطعم. إنه حامض، لكن ماذا أيضًا؟ هل يجعل فمك ينقبض؟ كيف يشعر لسانك؟
* أخيرًا، خذ رشفة بطيئة من الشاي. هل تستطيع أن تشعر بها وهي تمر عبر جسدك؟
ملاحظة: إن إغلاق عينيك أثناء هذا التمرين يمكن أن يساعدك على التركيز أكثر على كل خبرة حسية.
هذا الطقس الصغير يوقظ حواسك برفق، ويذكّرك بأنك لست مجرد زوج من العينين أمام شاشة، أو حركة إصبع على زجاج.
مارس الانتباه اللمسي
من السهل أن تخدع نفسك فتظن أنك تستطيع معرفة شيء ما لمجرد أنك تنظر إليه. لكن النظر لا يعني دائمًا الرؤية. وقد صُمم هذا التمرين لكي يجعلك تقدّر ما تدركه الأصابع، وما يمكن أن يفوتنا عندما لا نمنح أنفسنا وقتًا للانتباه.
ابحث عن غرض لاستكشافك اللمسي. يمكن أن يكون أي شيء. تستطيع القيام بهذا التمرين باستخدام غرض تختاره بنفسك، لكن إذا أردت أن تجعله أكثر إثارة للاهتمام، فاطلب من صديق أو فرد من العائلة أن يختار الغرض لك دون أن يريك إياه مسبقًا. فهذا يعزز التمرين، لأن الغرض كلما كان أكثر غموضًا بالنسبة إليك، أصبحت التجربة أكثر إثارة. وقد وجدت نجاحًا كبيرًا في استخدام ألعاب أطفال شبه مكسورة، حيث لا يمكن تخمين هوية الغرض بسهولة. وخيار آخر هو أن تطلب من شخص ما أن يجمع عدة أشياء معًا، في نوع من العمل الجاهز المركّب، بحيث تكون هناك خامات وعناصر مختلفة.
أغمض عينيك، أو استخدم وشاحًا كعصابة للعينين، واستكشف الغرض من خلال اللمس فقط. وأثناء قيامك بذلك، تأمل تبادلية اللمس: فكما تلمس أنت، يلمسك الغرض بدوره. ماذا تتعلم عن الغرض بهذه الطريقة؟ احرص على أن تمنح نفسك وقتًا كافيًا لهذا؛ أقترح ثلاث دقائق على الأقل. يمكنك ضبط مؤقت على هاتفك.
وإذا رغبت، يمكنك حتى أن تحاول رسم الغرض من الذاكرة قبل أن تراه. ستُفاجأ، وربما تسعد أيضًا، بالطريقة التي «يرى» بها لمسك.
إن اللمس من دون نظر يحوّل الغرض إلى مشهد غير مألوف. إنه يدرّب انتباهك اللمسي على ملاحظة الفروق الدقيقة في الملمس والشكل والحرارة، وفي الوقت نفسه يكشف جوانب خفية من الواقع اليومي.
أجرِ محادثة لمسية
إذا أردت أن تمضي باستكشافك اللمسي إلى مدى أبعد، فإليك تمرينًا آخر يمكنك تجربته. يتطلب هذا التمرين مشاركة صديق أو فرد من العائلة. وستحتاج أيضًا إلى بعض الصلصال أو الطين، ومن الأفضل أن يكون لدى كل واحد منكما وشاح لتعصيب العينين.
اجلسا متقابلين، بحيث يكون كل منكما في متناول الآخر. يأخذ كل شخص كتلة من الطين، ثم يضع العصابة على عينيه. ابدآ باستكشاف المادة. شكّلاها مسترشدين برغبتكما. إنها عملية مبهجة بعمق. ومن الأفضل ألا تتحدثا أثناء القيام بذلك.
بعد نحو خمس دقائق، يمكنكما تبادل القطع. الآن صار لديك غرض شخص آخر، ويمكنك أن تشعر بالآثار اللمسية المطبوعة في المادة. استجب لهذا الشكل بتغييره وفق رغبتك الخاصة. ثم تبادلا القطع مرة أخرى.
وبعد عدة تبادلات أخرى، يمكنكما أن تجمعا المادتين معًا، وتتعاونا من خلال اللمس في خلق مشترك. لا توجد غاية محددة في الذهن، بل هناك فقط العملية نفسها، والحوار اللمسي. وفي النهاية، يمكنكما وضع الغرض على الأرض، ونزع العصابتين عن أعينكما، ورؤية إبداعكما المشترك.
إن الانغماس في هذا النوع من النشاط يعيدك إلى الحضور المحسوس، ويبرز كيف يحدث التواصل على مستويات كثيرة تتجاوز الكلمات.
استكشف المساحة من حولك
يمكن للتغييرات الصغيرة في الطريقة التي يشغل بها جسدك المكان، في وضعيتك، أو قامتك، أو زاوية نظرك، أن تكشف التأثير الذي يملكه ذلك في أفكارك ومشاعرك.
إليك بعض المهام السهلة لتبدأ الاستكشاف:
* وأنت تقرأ هذا، لاحظ وضعيتك الآن.
* انهض وقف في منتصف غرفة. كيف يبدو الإحساس؟ هل تشعر بأنك مكشوف؟ أو محرَّر بطريقة ما؟
* اذهب وقف بجانب جدار، واجعل ظهرك إليه. كيف يبدو ذلك؟ هل تشعر ربما بمزيد من الأمان؟
* تمدد في منتصف الأرض. كيف يغيّر هذا زاوية نظرك؟ من المؤكد أنك ستشعر بقدر أقل من الرسمية، وقد تخطر لك أنواع مختلفة من الأفكار مقارنةً بما يحدث حين تكون واقفًا. كما يمكن للوضعيات الجسدية المختلفة أن تفتح حالات عاطفية مختلفة.
* والآن جرّب فعلًا صغيرًا من أفعال الخروج على المألوف: اذهب إلى مكتبك أو إلى طاولة، وادخل تحتها، واجلس هناك لبعض الوقت. كيف يجعلك ذلك تشعر؟ آمنًا؟ غريبًا؟ كأنك طفل؟
يساعد هذا التمرين، والتمارين التي تليه، على إعادة ضبط انتباهك، ويُظهر كيف يمكن حتى للبيئات العادية أن تصبح مغامرات مثيرة حين تتحرك داخلها بطريقة مختلفة.
اخرج في جولات مشي مركّزة
أحيانًا، حين تشعر بأنك عالق داخل رأسك، يكون أفضل حل هو أن تنهض وتذهب في نزهة مشيًا. إن الحركة عبر أماكن مختلفة تبعث الحيوية، لأن كل بيئة تؤثر فيك بطريقة مختلفة، وفي المقابل قد تتعلم شيئًا عن نفسك؛ على سبيل المثال، هل يجعلك ممر ضيق تشعر بالاختناق أم بالاحتواء؟ وهل يجعلك منظر مفتوح تشعر بأنك أصغر أم أكثر حرية؟ على مدى سنوات، استكشفت كيف يمكن إعادة تأطير نزهة بسيطة بحيث يشارك فيها الجسد كله، بكل حواسه، بصورة أكثر وعيًا. وفيما يلي بعض التنويعات على هذا النوع من التمرين.
نزهة حسية
خطط لنزهة بسيطة تولي فيها الانتباه إلى حاسة واحدة تحديدًا، ملاحظًا بعناية ما تلمسه، أو تشمه، أو تسمعه، أو تراه.
يمكنك أن تبدأ باللمس. لكن تذكّر أن اللمس لا يشمل فقط اللمس النشط ليديك أو قدميك على الأسطح، بل يشمل أيضًا اللمس السلبي: الإحساس بالريح، والشعور بدرجة الحرارة، والرطوبة. ويتضمن كذلك الحس العميق أو إدراك موضع الجسد، أي إحساسك بمكان الأجزاء المختلفة من جسدك في الفضاء، مثل معرفتك أين تهبط قدماك من دون أن تنظر، والحس الحركي، أي إحساسك بالحركة، مثل ملاحظة إيقاع خطواتك، أو انتقال الوزن أثناء صعودك مرتفعًا.
في المرة التالية، قد تركز على الشم. وإذا كان الجو جافًا في الخارج، يمكنك أن تأخذ معك زجاجة ماء أو بخاخًا، لأن البلل أو الرطوبة يمكن أن يعززا إدراك الروائح. وقد تحتاج إلى الانحناء أو الاقتراب من الأسطح كي تمنح أنفك فرصة. وإذا ظننت أنك لا تستطيع شم أي شيء، فلا تستسلم. فبالممارسة، يمكنك أن تدرّب نفسك على ملاحظة روائح كان يمكن أن تفوتك بخلاف ذلك.
ملاحظة: إذا كنت تمشي مع صديق، فيمكن لكل واحد منكما أن يركز على حاسة مختلفة، وأن يدوّن ملاحظاته، ثم تناقشان ما توصلتما إليه لاحقًا. وإذا أردت أن تكون أكثر طموحًا، يمكنك أن تصنع خريطة ترسم فيها انطباعاتك.
نزهة «التحت-عادي»
تستعير هذه المقاربة شيئًا من الجغرافيا النفسية، التي تصف أثر البيئات في العواطف والسلوك، كما تستعير أيضًا من فكرة الكاتب جورج بيريك عن «التحت-عادي». ويشير هذا المصطلح إلى الجوانب المألوفة وغير الملحوظة من الحياة اليومية، أي الأشياء التي تصبح مألوفة إلى حد أنها تغدو غير مرئية.
تتكون نزهة «التحت-عادي» من قرار بسيط بالخروج عن الطريق المألوف والأكثر كفاءة. حيث كنت ستنعطف عادةً إلى اليسار عند أول منعطف، خذ المنعطف التالي. كيف يكون الشعور حين تصل إلى مكتبك أو بيتك من اتجاه مختلف، أو بعد تجوال قصير؟ أحيانًا يمكن لأصغر انزياح عن الروتين أن يلهم طرقًا جديدة للإحساس، ويفتح في الوقت نفسه شعورًا بالدهشة تجاه اليومي.
وللمساعدة، يمكنك أيضًا إدخال تقنية لتأطير الانتباه: استخدم شيئًا مثل أنبوب من الورق المقوى، أو يدك، لتأطير جزء من المشهد، أو قطعة من الأسيتات الملوّن لتضيف مرشحًا إلى واقعك؛ على نحو يشبه قليلًا مرشح إنستغرام، لكن في الزمن الحقيقي. إن استخدام هذه التقنية أثناء المشي يمكن أن يساعدك على التركيز على التفاصيل المهملة، وعلى جمال «التحت-عادي».
نزهة معصوب العينين
لهذا التمرين، ستحتاج مرة أخرى إلى أن تكون مع شريك موثوق. اطلب من شريكك أن يختار لك الطريق هذه المرة، ليضمن أن تفاجأ بما تختبره. ينبغي له أن يراعي السلامة بالطبع، ولا سيما حركة المرور وما شابه، لكن عليه أيضًا أن يراعي الفروق الدقيقة: فأنا أحب النزهات التي تتضمن مناظر صوتية مختلفة، أو خامات متباينة تحت القدمين، أو حتى درجات حرارة مختلفة للهواء، كما في الانتقال بين المساحات الداخلية والخارجية.
اربط وشاحًا على عينيك لمنع النظر خلسة. اطلب من شريكك أن يقودك، ومن الأفضل أن يبقي ذراعًا على ظهرك. وينبغي له أن يسمح بإيقاع بطيء، مع إدخال بعض الوقفات الاستكشافية، ليتيح لك الاستكشاف من دون توجيه مباشر، مع مراقبتك والإشراف عليك.
قد ينتج هذا التمرين إحساسًا بإحياء الواقع اليومي من جديد، وكذلك تعميقًا للرابطة العاطفية مع الشخص الذي يرشدك. واستنادًا إلى تجربتي في القيام بهذا التمرين في سياقات متنوعة، فإن كثيرين يعتزون باللحظات التي يستطيعون فيها التخلي عن كونهم «المسؤولين»، والثقة بدلًا من ذلك بمرشدهم.
ملاحظات ختامية
كما أن الطعام الذي نأكله وندخله في أجسادنا له أثر مباشر في عافيتنا، كذلك الحال مع كل إدراك. لذلك ينبغي أن نكون حذرين جدًا في كيفية تنسيق خبرتنا: ما الذي نسمح له بالدخول في «نظامنا الغذائي» الحسي؟ وما الذي نعدّه مغذيًا؟ وما الذي نحاول الحد منه؟ وكما هي الحال مع أي نظام غذائي، من الضروري أن ننوع تفاعلاتنا مع العالم. فإذا قضينا جزءًا كبيرًا جدًا من اليوم أمام الشاشة، فإن الخبرة تضيق حتى تنحصر في العينين والأذنين. ويمكن للقاءات الحسية الأكثر ثراءً أن تساعد على إعادة بقية الجسد إلى ساحة الفعل، فتجعلنا نشعر بمزيد من الثبات، والحضور، والحيوية.
كل واحد من هذه التمارين هو دعوة إلى الابتعاد عن الشاشة والعودة إلى حواسك. وربما ببساطة يصبح هناك وقت أقل في اليوم للأنشطة الرقمية المنزوعة الجسد والمخدِّرة، إذا وجدنا مزيدًا من الفرح والمغامرة في الحياة اليومية متعددة الحواس.



اضف تعليق