القوة الحقيقية في الصورة الذهنية للأديب العراقي تكمن في تلاقي المصداقية بالتفاعل المستمر؛ حيث كشفت الدراسة أن الانتقال من مجرد إدارة الأنشطة إلى إدارة السمعة عبر التقنيات التفاعلية والواقع المعزز هو الكفيل ببناء ولاء مستدام لدى الأجيال الشابة وربطهم بالمنتج الإبداعي في زمن الرقمنة...
تصدر العلاقات العامة الحديثة واجهة العمل المؤسسي كأداة استراتيجية لبناء الصورة الذهنية وصناعة الانطباع وتعزيز السمعة المؤسسية لدى الجمهور. ومن هذا المنطلق، قدمت الباحثة سرى عبد الله جاسم علي، عبر جامعة بغداد - كلية الإعلام، دراسة مسحية معمقة حول فاعلية العلاقات العامة في بناء الصورة الذهنية للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
تكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على قدرة المؤسسات الثقافية غير الحكومية على التكيف مع التحولات الرقمية عن طريق تبني ممارسات اتصالية تفاعلية، وتوظيف نظرية الحوار كمنهجية تفاعلية تتجاوز الأطر التقليدية. لقد نجحت الباحثة في رصد العلاقة الطردية بين وعي الجمهور النخبوي وطبيعة الخطاب الاتصالي، مؤكدةً على دور الاتصال الشخصي والبث المباشر في ترسيخ قيم المصداقية والثقة.
في هذا الحوار، نستعرض ملامح خارطة الطريق التي وضعتها الباحثة لمعرفة الصورة الذهنية التي تُسهم في إدارة السمعة المؤسسية، ونكشف عن مقترحاتها لتوظيف تقنيات الواقع المعزز في جذب الأجيال الشابة إلى المنتج الأدبي، مع قراءة واقعية للنتائج الميدانية التي تعكس قوة ومكانة الأديب العراقي في زمن الرقمنة.
بداية، كيف استطعتِ تفكيك شيفرة العلاقة بين الجمود المؤسسي التقليدي للمنظمات الثقافية وبين الديناميكية الرقمية التي تفرضها العلاقات العامة الحديثة في دراستكِ؟
استطعتُ تفكيك العلاقة عبر منهجية تكاملية جمعت بين التحليل النظري والتطبيق الميداني، عن طريق تشخيص مظاهر الجمود المؤسسي في المنظمات الثقافية، ومقارنتها بمتطلبات الديناميكية الرقمية التي تفرضها العلاقات العامة الحديثة.
أذ أتاح تحليل مضمون المنصات الرقمية ودراسة اتجاهات الجمهور الكشف عن الفجوة بين الأداء التقليدي والتواصل التفاعلي المعاصر، وتظهر نتائج الدراسة إن التحول الرقمي في الاتحاد لم يكن مجرد تحديث تقني فحسب، بل انعكس بشكل واضح على طبيعة التواصل مع الجمهور، كما وأسهم في تعزيز الحضور المؤسسي وبناء صورة ذهنية أكثر فاعلية.
إلى أي مدى يمثل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حالة استثنائية في بناء الصورة الذهنية مقارنة بالمؤسسات الحكومية، كونه يمثل النخبة الفكرية لا الجمهور العام؟
يمثل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حالة شبه استثنائية في بناء الصورة الذهنية، ليس بوصفه مؤسسة تقليدية بل لكونه يتعامل مع جمهور نوعي نخبوي يمتلك مستوى عالي من الوعي الناقد، بخلاف المؤسسات الحكومية التي تخاطب جمهور عام واسع ومتباين.
وقد أظهرت نتائج الدراسة إن هذا الطابع النخبوي انعكس على طبيعة الاستراتيجيات الاتصالية التي يعتمدها الاتحاد، إذ أتجه الى بناء تواصل قائم على الحوار الثقافي والتفاعل المعرفي بدلاً من اعتماد خطاب ترويجي مباشر.
كما بينت نتائج تحليل المحتوى إن المضامين المنشورة عبر منصاته الرقمية تميل الى تعزيز القيم الثقافية والرمزية، إذ أسهم في ترسيخ صورة ذهنية قائمة على المصداقية ومَنح الاتحاد خصوصية واضحة في أدائه الاتصالي مقارنة بالمؤسسات الحكومية.
كما ولاحظت وجود علاقة طردية بين مستوى وعي الجمهور النخبوي وطبيعة الخطاب الاتصالي، أذ كلما أرتفع وعي الجمهور أتجه الاتحاد الى تبني خطاب أكثر عمقاً وتفاعلية.
لماذا وقع اختياركِ على نظرية الحوار كبوصلة موجهة للبحث، وما الذي أضافته هذه النظرية لفهمكِ لنتائج المسح الميداني؟
وقع اختياري على نظرية الحوار لكونها الإطار الأكثر ملائمة لتحليل طبيعة العلاقة بين الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وجمهورها، ولا سيما في البيئة الرقمية التي شهدت التحول من النماذج الاعلامية والترويجية الى النماذج الاتصالية التفاعلية التي تقوم على الحوار والتبادلية.
إذ أظهرت نتائج المسح الميداني ارتفاع مستوى التفاعل والتواصل مع الجمهور، الأمر الذي يعكس تبني الاتحاد لمرتكزات الاتصال الحواري القائمة على التبادلية والانفتاح.
كما ساعدتني نظرية الحوار في تأطير الدراسة عن طريق تفسير كيفية مساهمة الاتصال الحواري التشاركي عبر الوسائل التقليدية والرقمية في تعزيز الثقة وبناء صورة ذهنية ايجابية عنه لدى جمهوره، وتلاحظ الباحثة إن ارتفاع مستوى التواصل جاء نتيجة تبًني أساليب تفاعلية عززت حضور الجمهور في العملية الاتصالية.
ما هي الفجوة المعرفية التي اكتشفتِها في المكتبة العربية بخصوص المؤسسات الثقافية غير الحكومية والتي جعلت من رسالتكِ ضرورة ملحة لا مجرد استكمال أكاديمي؟
تمثلت الفجوة المعرفية في ندرة الدراسات العربية التي تناولت فاعلية العلاقات العامة في المؤسسات الثقافية غير الحكومية من منظور استراتيجي وتطبيقي معاصر، ولا سيما في ظل التحول الرقمي، فضلاً عن إن المؤسسات الثقافية في الدراسات العربية تمثلت بأمكنة مختلفة (كالمكتبات والسهول والمواقع الاثرية والسياحية التي تندرج تحت مسمى المؤسسات الثقافية والتي بطبيعتها تابعة للمؤسسات الحكومية) كما وانصرفت أغلب البحوث إلى المؤسسات الحكومية أو الإعلامية، مع إغفال خصوصية المؤسسات الثقافية النخبوية، إذ جعل هذا القصور من الرسالة ضرورة علمية لتأسيس فهم أعمق لدور الاتصال الحواري في بناء الصورة الذهنية وتعزيز الحضور المؤسسي.
بأي عين تقرئين تصدر الاتصال الشخصي والزملاء كأهم مصدر لتشكيل الصورة الذهنية في عصر يسوده المحتوى الرقمي الموجه؟
أقرأ هذا التصدر بوصفه مؤشرًا على استمرار قوة الاتصال الإنساني المباشر في ترسيخ المصداقية وبناء الثقة، ولا سيما داخل الأوساط النخبوية والثقافية، فعلى الرغم من تصدر المحتوى الرقمي الموجه، يبقى التفاعل الشخصي وتبادل الخبرات بين الزملاء أكثر تأثيرًا في تشكيل القناعات العميقة، ويدل هذا على إن الصورة الذهنية لا تُبنى بالمحتوى فقط، بل بجودة العلاقات والتجربة التفاعلية الحية، التي تمنح الخطاب الاتصالي بعده الإنساني والوجداني.
ما التفسير السيكولوجي لكون البث المباشر هو النشاط الأكثر تأثيراً في جمهور الأدباء، وهل يعكس ذلك رغبة في المشاركة اللحظية أم هو بحث عن المصداقية التي يوفرها النقل الحي؟
ان التفسير السيكولوجي للبث المباشر يرتبط بتأثيره العالي على الجمهور من حيث المصداقية والفورية والتواجد اللحظي داخل الحدث، مما يعزز الثقة ويقلل من الشك في المحتوى المقدم، كما ويعكس رغبة واضحة لدى الأدباء في المشاركة الوجدانية والتفاعل الآني مع الفعل الثقافي، فالنقل الحي لا يكتفي بعرض الحدث، بل يمنح المتلقي شعور بالشراكة والتبادلية، وهذا ما يفسر قوته في تشكيل الصورة الذهنية مقارنة بالمحتوى المؤجل أو المنتج، وهذا ما أكدته نتائج الدراسة.
كيف تفسرين التباين إن وجد بين الصورة التي يحاول الاتحاد رسمها عبر فيسبوك، وبين الانطباع الحقيقي المستقر في أذهان الأعضاء (الجمهور الداخلي)؟
لم تُظهر نتائج الدراسة وجود تباين جوهري بين الصورة التي يسعى الاتحاد إلى بنائها عبر فيسبوك والانطباع الحقيقي المستقر لدى أعضائه، إذ أكدت النتائج وجود مؤشرات عالية من التوافق والانسجام بين الخطاب الرقمي والتجربة الواقعية، إذ جاءت نتائج المسح الميداني بمجملها ايجابية ولجميع المحاور، وهذا يتطابق مع تحليل المحتوى لصفحة الفيسبوك إذ اظهر حصول مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك على المرتبة الاولى في متابعة جمهور الاتحاد لنشاطاته ويعكس هذا فاعلية الأداء الاتصالي للاتحاد ومصداقيته في نقل أنشطته وتمثيل هويته الثقافية.
من وجهة نظركِ، كيف نجح الاتحاد في تجاوز عتبة الوسط الفرضي وتحقيق نقاط مرتفعة في رضا الجمهور رغم التحديات اللوجستية والمادية التي تواجه المؤسسات غير الحكومية؟
نجح الاتحاد في تجاوز عتبة الوسط الفرضي بفضل اعتماده على الدعم الرمزي والثقافي، وتفعيل العلاقات الإنسانية المباشرة، وتوظيف المنصات الرقمية بمرونة وكفاءة عالية، كما أسهم الولاء المؤسسي وروح التطوع والعمل التشاركي (مشاركات الادباء والكتاب بنتاجاتهم الثقافية والادبية في دعم الاتحاد بالمنتج الثقافي) في تعويض محدودية الإمكانات المادية، وقد عزز هذا الأداء الشعور بالانتماء والثقة لدى الجمهور، ما انعكس إيجابًا على مستويات الرضا وتكوين صورة ذهنية مرتفعة رغم التحديات اللوجستية، وهذا ما أكدته نتائج المقياس اذ جاء الوسط الفرضي للفقرات الايجابية بنسبة (2،78) فيما جاء الوسط الفرضي للفقرات السلبية بنسبة (1،55) وهذا يدل على رضا جمهور الاتحاد.
متى شعرتِ أن ندرة المراجع العلمية حول المؤسسات الثقافية غير الحكومية تحولت من عائق بحثي إلى فرصة للريادة في وضع لبنات نظرية جديدة؟
تجلى ذلك واضحاً في المرحلة التي انتقلتُ فيها من البحث عن "إجابات جاهزة” إلى بناء " تفسيرات نابعة من الواقع الميداني" فمع التقدم في العمل، ولا سيما بعد الاطلاع على الدراسات القريبة من البحث وإن كانت غير مباشرة، ومن ثم الشروع في جمع البيانات الميدانية وتحليلها، بدأت تتضح لي أن هذه الندرة تتيح مساحة أوسع للاجتهاد العلمي، بدل أن تقيّدني بأطر نظرية جاهزة قد لا تنطبق تمامًا على طبيعة المؤسسات الثقافية غير الحكومية في العراق.
كما تعزز هذا الشعور عندما لاحظتُ أن نتائج الدراسة كشفت أنماطًا واتجاهات لم تُتناول بشكل كافٍ في الأدبيات السابقة، الأمر الذي منحني ثقة بأن ما أقدمه لا يكرر ما كُتب، بل يسهم في سد فجوة معرفية، عندها تحديدًا تحولت الندرة من تحدٍ إلى دافع، ومن عائق إلى فرصة للريادة في تقديم إضافة علمية يمكن أن تُبنى عليها دراسات لاحقة.
ما هو الدور الذي لعبه عملكِ المهني في وزارة الثقافة في تلوين قراءتكِ للنتائج، وكيف فصلتِ بين الباحثة الأكاديمية والموظفة المختصة؟
لعب عملي المهني في وزارة الثقافة دورًا مهمًا في زيادة فهمي لسياق النتائج، إذ أتاح لي الاطلاع المباشر على طبيعة عمل المؤسسات الثقافية وتحدياتها الواقعية، الأمر الذي ساعدني في تفسير بعض المعطيات بصورة أكثر واقعية وارتباطًا بالميدان، لا سيما فيما يتعلق بالإمكانات المحدودة وآليات التواصل مع الجمهور.
ومع ذلك، كنتُ واعية لاحتمالية تأثير هذا القرب المهني على موضوعية التحليل، لذا حرصتُ على الفصل بين دوري كموظفة ودوري كباحثة عبر الالتزام بالإجراءات المنهجية الصارمة، والاعتماد على البيانات الميدانية بوصفها المرجع الأساس في تفسير النتائج، فضلًا عن استخدام أدوات قياس مقننة وتحليل إحصائي محايد، فضلاً عن التزامي بعرض النتائج كما هي، سواء اتفقت أو اختلفت مع تصوري المسبق أو خبرتي المهنية، لضمان الحفاظ على الحياد العلمي والمصداقية الأكاديمية.
وبذلك، يمكن القول إن الخبرة المهنية أسهمت في إثراء الفهم التفسيري دون أن تُخل بموضوعية البحث، بل جرى توظيفها بشكل واعٍ يخدم التحليل العلمي ضمن حدود المنهجية المعتمدة.
كيف يمكن للاتحاد استثمار توصيتكِ بشأن الواقع المعزز لتحويل النشاط الثقافي من مجرد نص مقروء إلى تجربة بصرية تبني ولاء الأجيال الشابة؟
يمكن للاتحاد استثمار تقنية الواقع المعزز عبر تحويل المحتوى الثقافي من صيغة تقليدية جامدة إلى تجربة تفاعلية حية تستجيب لاهتمامات الأجيال الشابة، وذلك عن طريق دمج العناصر البصرية والسمعية مع النصوص الأدبية، فعلى سبيل المثال، يمكن ربط القصائد أو النصوص المنشورة برموز (QR) تتيح للمستخدم عبر هاتفه الذكي، مشاهدة محتوى معزز يتضمن إلقاءات صوتية، أو مشاهد تمثيلية، أو شروحات بصرية تُثري فهم النص.
كما ويمكن توظيف الواقع المعزز في المعارض والفعاليات الثقافية، بحيث يتحول حضور الفعالية من مجرد مشاهدة تقليدية إلى تجربة حقيقية، كأن يرى الزائر شخصيات أدبية "تتجسد" أمامه أو يتفاعل مع مراحل تطور نص أدبي بشكل بصري متدرج، وهذا النوع من التفاعل يعزز الانتماء العاطفي والمعرفي مع المحتوى.
أما على مستوى بناء الولاء، فإن هذا التحول يُسهم في جعل المؤسسة أكثر قربًا من اهتمامات واحتياجات الشباب الذي يميل بطبيعته إلى الوسائط الرقمية التفاعلية، مما يعزز ارتباطه بالمحتوى الثقافي وبالجهة المقدِّمة له، كما يمكن دعم ذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي عن طريق نشر نماذج تفاعلية قصيرة تحفّز المتابعين على خوض التجربة بأنفسهم.
إذ لا يقتصر دور الواقع المعزز على تحسين شكل العرض، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة استراتيجية لإعادة تقديم الثقافة بصيغة معاصرة تُسهم في بناء علاقة مستدامة وولاء حقيقي لدى الأجيال الجديدة.
ما هي الملامح الرئيسية لـخارطة الطريق التي تضعينها أمام أمانة العلاقات العامة في الاتحاد للانتقال من إدارة الأنشطة إلى إدارة السمعة؟
تتمثل الملامح الرئيسية لخارطة الطريق في الانتقال التدريجي من التركيز على تنفيذ الأنشطة بوصفها غاية بحد ذاتها، إلى إدارتها كوسيلة لبناء سمعة مؤسسية مستدامة، وذلك عبر مجموعة من المرتكزات الأساسية تتمثل بالآتي:
أولًا: بناء رؤية اتصالية واضحة: تعمل على تحديد الصورة الذهنية المرغوبة للاتحاد لدى جمهوره الداخلي والخارجي، وربط جميع الأنشطة والرسائل بهذه الرؤية بدل الاكتفاء بالتغطية الخبرية.
ثانيًا: التحول الى التخطيط الاستراتيجي للأنشطة: يتم ذلك عبر تُصمم الفعاليات والبرامج وفق أهداف اتصالية محددة (تعزيز الثقة، إبراز الدور الثقافي، توسيع قاعدة الجمهور)، مع وضع مؤشرات قياس لمعرفة مدى تأثيرها، وليس عددها فقط.
ثالثًا: تعزيز الاتصال ثنائي الاتجاه: عبر فتح قنوات تفاعل حقيقية مع الجمهور، والاستماع إلى آرائهم وتوقعاتهم، وتحويل التغذية الراجعة إلى مدخلات لتحسين الأداء، بما يعزز الثقة والانتماء.
رابعاً: تنظيم استراتيجيات لرصد السمعة وقياسها عن طريق متابعة الانطباعات والتصورات عبر وسائل التواصل، وتحليل التعليقات، وقياس مستوى رضا الجمهور، بما يمكّن من التدخل المبكر لمعالجة أي فجوة بين الصورة المقدَّمة والانطباع الفعلي.
وبذلك، تتحول أمانة العلاقات العامة من جهة تنفذ أنشطة متفرقة، إلى جهة تقود إدارة الانطباع العام للاتحاد بشكل واعٍ ومخطط، بما يحقق تراكمًا إيجابيًا في سمعته على المدى البعيد.
أين تكمن القوة الحقيقية في الصورة الذهنية للأديب العراقي اليوم من خلال نتائج دراستكِ؟
تكمن القوة الحقيقية في الصورة الذهنية للأديب العراقي في تلاقي ثلاثة أبعاد رئيسة: تمثلت بالمصداقية والتفاعل المستمر والرضا عن الاداء الاتصالي، إذ أظهرت نتائج البحث ارتفاع مستوى الثقة بمصداقية المعلومات التي يقدمها الاتحاد و معدلات التفاعل عبر المنصات الرقمية، ولاسيما المتابعة المستمرة للأنشطة قد أسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية ومستقرة، كما واوضحت النتائج إن ارتفاع مستوى رضا الجمهور عن محتوى الانشطة الاتصالية يعكس وجود بيئة اتصالية قائمة على القبول والثقة وهذا يعزز مكانة الاديب العراقي بوصفه فاعلاً ثقافيًا موثوقًا ومؤثرًا.
كما وتلاحظ الباحثة ان هذه القوة لا تستند الى كثافة النشر فقط وانما الى طبيعة المحتوى الثقافي التفاعلي الذي أتاح للجمهور المشاركة والمتابعة الآنية إذ يعزز الاحساس بالقرب والاندماج مع الاتحاد والاديب على حدٍ سواء، كما وأظهرت نتائج الدراسة أن الأديب العراقي ما يزال يُنظر إليه بوصفه حاملًا لقيمة ثقافية وأخلاقية، وصوتًا معبّرًا عن قضايا المجتمع، وهو ما يعزز مكانته في الوعي الجمعي حتى في ظل التحديات.
بأي صيغة يمكن تعميم تجربة الاتحاد العام للأدباء والكتاب على بقية النقابات والاتحادات النوعية في العراق لتحسين أدائها الاتصالي؟
يمكن تعميم تجربة الاتحاد عبر تحويلها من ممارسة محلية خاصة إلى نموذج اتصالي قابل للتكيّف مع خصوصية كل نقابة أو اتحاد، وذلك عن طريق صياغتها في إطار إجرائي واضح يقوم على مجموعة من المرتكزات:
أولًا: توثيق التجربة في دليل عملي يتضمن آليات التخطيط للأنشطة: وإدارة المحتوى، وأساليب التفاعل مع الجمهور، مع بيان نقاط القوة والتحديات، بحيث يصبح مرجعًا إرشاديًا يمكن لبقية المؤسسات الاستفادة منه.
ثانيًا: بناء نموذج مرن لإدارة الاتصال لا يقدّم حلولًا جامدة، بل يضع مبادئ عامة قابلة للتطبيق بحسب طبيعة كل اتحاد (مهني، ثقافي، خدمي)، مثل: وضوح الرسالة، توحيد الخطاب (يعكس هوية المؤسسة وقيمها)، والتكامل بين الأنشطة والوسائل الرقمية.
ثالثًا: اعتماد مبدأ القياس والتقويم: عن طريق تحديد مؤشرات أداء اتصالية (مثل مستوى التفاعل، رضا الجمهور، اتساع الانتشار)، بما يمكّن كل مؤسسة من تقييم أدائها وتطويره وفق معايير واضحة.
رابعًا: تشجيع الشراكات المؤسسية: إذ يتم التعاون بين الاتحادات والنقابات في تنفيذ حملات أو فعاليات مشتركة، الأمر الذي يعزز تبادل الخبرات ويوسّع نطاق التأثير الاتصالي.
وبذلك، لا يتم نقل التجربة بشكل حرفي، بل تُعاد صياغتها كنموذج مرن قابل للتطبيق، يسهم في رفع كفاءة الأداء الاتصالي لمختلف النقابات والاتحادات في العراق، مع الحفاظ على خصوصية كل مؤسسة.
ما هي الإضافة التي تود سرى عبد الله أن يذكرها الباحثون مستقبلاً عند الاستشهاد بهذه الرسالة كمرجع أصيل في علاقات المؤسسات الثقافية؟
أتمنى أن يذكر الباحثون مستقبلاً عند الاستشهاد بهذه الرسالة أنها لم تكتفِ بوصف واقع العلاقات العامة في المؤسسات الثقافية غير الحكومية، بل سعت إلى تأصيل مقاربة اتصالية تجمع بين البعد النظري والتطبيقي، عن طريق ربط مفهوم الصورة الذهنية بالممارسة الفعلية داخل الاتحاد.
كما آمل أن يُشار إلى أن هذه الدراسة أسهمت في سد فجوة بحثية تتعلق بندرة الدراسات المتخصصة في هذا النوع من المؤسسات، وقدمت نموذجًا إجرائيًا يمكن الإفادة منه في تطوير الأداء الاتصالي، وليس مجرد نتائج وصفية.
ومن الجوانب التي أود التأكيد على حضورها أيضًا، أن الرسالة أبرزت أهمية الانتقال من إدارة الأنشطة إلى إدارة السمعة، بوصفه تحولًا جوهريًا في عمل العلاقات العامة، خاصة في البيئة الثقافية، مع التأكيد على دور الاتصال التفاعلي والتقنيات الحديثة في بناء علاقة مستدامة مع الجمهور.
وبذلك، تكون الإضافة الأساسية للرسالة أنها تمثل مرجعًا تطبيقيًا قابلًا للتعميم والتطوير في حقل العلاقات العامة الثقافية، وتسهم في فتح مسار بحثي يمكن البناء عليه في الدراسات اللاحقة.
نختتم حوارنا مع الباحثة سرى عبد الله جاسم علي، معربين عن عمق شكرنا وتقديرنا لهذا الطرح العلمي الرصين الذي يجسد التكامل بين الرؤية الأكاديمية والخبرة الميدانية. لقد منحتنا هذه الإضاءات فهماً أعمق لكيفية صناعة السمعة في المؤسسات النخبوية، ووضعت أمامنا نموذجاً يحتذى به في تطوير الأداء الاتصالي الثقافي داخل العراق. كل الأمنيات لها بدوام التألق والريادة في مسيرتها المهنية والبحثية، وللمكتبة الإعلامية بمزيد من هذه العطاءات النوعية.



اضف تعليق