(لا تنسون التعليق على موضوع الحلقة)، (وننتظر آرائكم مشاهدينا)، هذه المفردات اعتدنا على سماعها من مقدمي البرنامج التلفزيونية في اكثر المحطات الفضائية العالمية، فالتفاعلية سمة ملازمة للمواد الإعلامية المقدمة عبر الشاشات.

التفاعلية أصبحت البوابة الرئيسية لبعض البرامج التلفزيونية المثيرة للجدل والمحركة للرأي العام، اذ يسمح للافراد التعليق وإبداء الرأي على القضايا السياسية والاجتماعية وغيرها من الموضوعات الطارءة على المشهد.

ففي السابق يصعب على وسائل الاتصال وبالخصوص الإذاعة والتلفزيون معرفة مدى مقبولية البرامج التي تقدمها لجمهور واسع أماكن متعددة، وتبقى هذه المعرفة محجوبة عنها لحين القيام بدراسة مسحية للجمهور لمعرفة مدى ملائمتها للذوق العام.

تصور مدى الصعوبة التي تواجه القنوات الفضائية عندما تحاول التعرف على مديات نجاح البرامج التي تخاطب بها شريحة واسعة من الجمهور، لكن سرعان ما تبددت هذه الصعوبات، واصبح الامر اكثر سهولة وسلاسة مما سبق، اذ اختصرت مواقع التواصل الاجتماعي هذه العملية ووفرت الكثير من الوقت على أصحاب الشأن في المؤسسات الإعلامية.

فلا يحتاجون سوى دقائق معدودات لمعرفة تفاعل الجمهور مع ما تم طرحه ومدى تقبله الموضوع الذي سيدور او دائر النقاش حوله، وبعد ذلك سيعمدون الى تصحيح الخطأ الذي وقعوا به خلال تناولهم الموضوع، وربما نرى تعديل على مضمون الحلقة او بعض المحاور التي لا تنسجم وطبيعة المجتمع او المرحلة التي تم عرض البرنامج فيها.

لم يخف المتصدين للحقل الإعلامي مخاوفهم من قيام الكائن الجديد (الشبكات الاجتماعية) الغاء الوجود المكثف والمهيمن على الوسط من قبل وسائل الاعلام التقليدية، واخذ دورها الذي تقوم به منذ عقود، ومن اجل معرفة الحيز الذي ستشغله هذه الشبكات أجريت الكثير من الدراسات للوقوف على حدود المساحة التي تعمل بها شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف تطبيقاتها.

من الأشياء التي تم استحداثها او إدخالها على المنظومة الإعلامية، هو التجديد في المضامين المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، اذ تمكنت الأخيرة من فرض لون جديد وصيغ أخرى غير التي اعتادت عليها القنوات الفضائية، خلال التغطيات المستمرة للاحداث والموضوعات القائمة.

ونظرا لأهمية المشاركة التكاملية لمواقع التواصل الاجتماعي عمدت وسائل اعلام محلية ودولية الى اشراك الشبكات بالمضمون الإعلامي المقدم، اذ أصبح هذا النوع من البرامج يتكرر على شاشات التلفاز الإخبارية والمنوعة بذات الفكرة مع وجود اختلاف بسيط يكاد لا يعرفه غير المختص.

تكرار تلك البرامج يمكن ان نعده اعتراف صريح بحق المشاهد بالخروج من الدور السلبي الذي فرضه عليه التلفزيون لعقود مضت، وعلى الرغم من تزايد أعداد الفضائيات في العقد الأخير، فإنها ظلت محدودة في نطاق المضمون الذي تختاره الجهات القائمة على تلك الفضائيات.

وترى دراسة لمركز الجزيرة للبحوث والدراسات أن "للمستخدم أن يكون حاضرا وبشكل مباشر في البرنامج دون أن يكون حاضرا جسديا وهو ما يبرز قيمة الآنية والفورية في عملية البث والتلقي، أي أن تكون عملية التواصل متطابقة بين المرسل والرسالة والمتلقي وهو ما يبشر بضرورة مراجعة مقولة الاتصال الجماهيري التي يكون فيها المتلقي سلبيا والباث مُهيمنا من خلال بثه لرسالة واحدة لجمهور غير متجانس في الميول وزمن المشاهدة والمستوى الثقافي والاجتماعي".

صفة الانتشار وعدم الاعتراف بالحجب التي تفرض على الوسائل التقليدية هو ما أدى الى اذعان القنوات الفضائية وقبولها بالمنافس الذي حجز لنفسه مكانا في المقدمة، اذ باتت الاستجابة للقوالب الجديدة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي أمرا حتميا لا مفر منه.

ومع ذلك لم يستسلم التليفزيون لارادة مواقع الشبكات الاجتماعية، فلا زالت محاولاته قائمة في التأثير على توجهات ومضامين وسائل التواصل الاجتماعي وذلك من خلال ما يملكه بشكل عام من أدوات وخبرات متراكمة سابقة.

مؤخرا اصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تمثل العدو والصديق في نفس الوقت الذي يقف بوجه ومع الإعلام التقليدي الذي كثيرا ما يتجاهل قضايا حيوية في المجتمع، نظرا لبعض الأسباب التي يعود بعضها لسياسة الوسيلة الإعلامية، بينما تمكنت المواقع الاجتماعية من تناولها بكل جرأة، مما أدى الى انتشارها بشكل غير مسبوق.

لا تزال المعايير المتبعة في التلفزيون تعتبر الجدران التي تحجب التفاعل مع المادة الإعلامية المقدمة، في حين تحضى وسائل التواصل الاجتماعي بإندماج عال داخل الاسر بصورة عامة، فالجميع يتشاركون المقاطع الرائجة، ويتبادلون التعليقات وفي أحيان كثيرة تكون الاهتمامات مشتركة فيما بين الافراد ما يخلق حالة من الرضى الفردي على المحيط الاسري الذي يعيشون فيه.

العلاقة بين وسائل الاعلام التقليدية والإعلام الجديد الذي مثلته وبقوة مواقع التواصل الاجتماعي في الغالب بدت غير مستقرة وكأن الصراع الدائر بينهما يتعلق بحيز الوجود، لكنها ومع مرور الأيام ذهب الى منطقة اكثر اريحية، والدلائل على ذلك هي البرامج التفاعلية التي انبثقت من هذه العلاقة التكاملية بين الاثنين، فما لا يستطيع تحقيقه التلفزيون من مميزات للجمهور، تمكنت منه الشبكات الاجتماعية التي اعتمدت بنسبة كبيرة على خبرات ومنهجية الوسائل القديمة العائدة من جديد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0