قد يلاحظ المتابع للمتن الروائي العراقي الصادر بعد 2003 ذلك الطابع الإشكالي للمكان المُتِمثِّل في أغلب تلك النصوص , ويمكن أن نوعز ذلك إلى عاملين اثنين : الأول عامل الألفة والحب والتعلق الشديد , والآخر عامل البغض وحب الانعتاق من المكان .

وفي كلتا الحالتين يعود النجاح في تصوير المكان بشكليه الأليف والمعادي إلى براعة الكاتب وقدرته على تطويع اللغة والأسلوب في موضوعه , ومن ثم توظيف قدراته التخيلية في إعادة صياغة المكان المعني , فالأمكنة بحد ذاتها بدون البراعة الأسلوبية والخيال ميتة لا تساوي شيئا ؛؛ إنها أشياء قارة وجامدة ما لم تعاد صياغتها.

وفي رواية ( خان الشابندر ) للروائي العراقي المغترب محمد حياوي يصادفنا المكان بكل ثقله , وبنوعيه أيضا , لكن اللافت إن المكان في هذه الرواية مكان إشكالي , إنه أليف ومعاد , مكروه ومرغوب , جيد وقبيح , في الوقت ذاته .

بدءاً من العنوان الذي اتخذ من المكان معلما ودالا نجد إن خان الشابندر مكان يشكل ملاذا للمتعة والاكتشاف عند البطل , وهو في الوقت نفسه مكان مرفوض لما يشكله من مخالفة للسائد الاخلاقي .

أما العراق بلد البطل فهو مكان أليف ومحبوب إذ أنه مكان الولادة وهو اللصيق بالذاكرة والخيال إلى درجة أن الكاتب يعترف أنه لم يستطع أن يكتب شيئا خارج بلده وكأن قلمه لا يطاوعه في أمكنة الغربة , وفي الوقت ذاته نجد المكان نفسه مكانا معاديا , فقد لفظ أبناءه خارج حدوده ومنهم حياوي كاتب الرواية نفسه وبطل الرواية أيضا , وإذا نظرنا الى شخصيات الرواية وعلاقتها بالمكان نجد أن تلك الشخصيات قد رُسمت بصورة دقيقة ومعبرة عن الأمكنة التي ترتبط بها , فالراوي علي موحان يتحدث بلغة المغترب مكانيا ؛ إنه يعاني المفارقة داخل ذاته لاختلاف طبيعة الأمكنة التي اعتاد عليها لذلك نجد اللغة موتورة قلقة لا تشي بالثبات ؛ إنها إنعكاس لصورة المكان الاشكالي .

أما هند فإن صورتها وثقافتها مسألة إشكالية هي الأخرى , فهي لم تلجأ الى بيت الدعارة الا مضطرة بعد أن لم يتبق من عائلتها أحد , فهي تعي ما تمارسه لكنها ترفضه في الوقت ذاته , لذلك فإن ارتباطها بالمكان ارتباط إشكالي يعبر عن البغض والحاجة في الوقت ذاته بدليل ثقافتها العالية التي تتعارض مع ما تمارسه من ابتدال .

وحينما تُعلي الرواية من شأن المكان فإننا نجد ضعفا في تركيب الحدث , ليس بمعنى السلب بل أن الكاتب يبدو أنه كان على وعي بأنه غير معني بصياغة القصص والحكايات بقدر عنايته بإبراز الطابع الإشكالي لمجتمعه , بناسه وثقافته في الوقت الراهن .

لذلك كان عمله أقرب الى الصيغة البنيوية التي تعنى بوصف العلاقات التي تربط بنى الشيء الداخلية وتواشجاتها المحايثة , والرواية هنا تصف الأشياء لاسيما الأمكنة بتناقضاتها العلاقاتية دون أن يجعل الكاتب شخوصه أوصياء على المجتمع , وهذا ما يجعله قريبا من توجه البنيويين في منتجه هذا .

وفي الرواية ضربة موفقة تدل على ثقافة الكاتب حياوي تتمثل في ذلك الخيار الفلسفي بين أن يكون أو لا يكون , بين أن يظل إنسانا مثقفا يحاول قراءة الواقع بنبل ــ إن صح التعبير ــ وبين أن ينغمس في واقع الدعارة والعلاقات الجنسية لا سيما حين خيرته هند ــ عشيقته ــ بين مفاتن جسدها والانغماس في ملذاته أو العودة الى الحياة العصامية التي عرفها , وكأن هندا هنا تمثل النفس الأمارة بالسوء ــ بحسب تعبير الأخلاقيين ــ وفي هذه الحالة يفترض أن يكون مقابل هذه النفس عقل زاهد أو ناه , لكن الكاتب لم يول له اهتماما بل جعل الكفة الراجحة لهند التي سرعان ما ارتمى بأحضانها وكأنه لم يستعمل عقله تماشيا مع واقع جديد لم يعد للعقل فيه مكان , واقع يحتفي بالقتل والنهب والسرقة والفوضى التي عمت البلاد بعد التغيير , وهذه الرؤية الجديدة التي فرضها الواقع ترتبط بالمكان وتتمثله فلسفيا بوضوح فهند تُعد من جهة أخرى رمزا لبيوت الدعارة ورمزا للتعبير عن المكان الذي يرفض نفسه بنفسه ؛ إن تلك الأمكنة أمكنة متصعلكة ثائرة لم تستطع ان تكون شريرة فاختارت الدعارة هوية لها .

أما علاقة اللغة بالمكان فيمكننا القول بأن حياوي في روايته هذه عمل بوصفه مصورا لواقع مترد وذلك بتوظيف لغة ناوشت مقتربات المحكية الشعرية كثيرا , وتلبست أردية الخيال والرمز في أغلب مفاصل الرواية , ومن جانب آخر يمكن أن نعد هذه الرواية محاولةَ ترميمٍ للأمكنة التي ضربتها عوادي الزمن فالبيوت المتهالكة في الحيدرخانة وفي أغلب أحياء بغداد والأزقة الرثة والشوارع المتعبة , قد أعيدت صياغتها بما يجعلها مقبولة بفعل عامل الخيال الذي أعاد تشكيلها من جديد ومن خلال اللغة هذا المرة .

وككل الروايات العراقية التي صدرت بعد (2003) تتسم الرواية بطابع الفجائعية والرفض , فبعد أن عاد الراوي الى بغداد وجد مدينته عبارة عن أنقاض وخرائب , ومنها خان الشابندر الذي يحتفظ له الكاتب بصورة جميلة في مخيلته , ووجد ـ أيضا ــ العشب ينمو في ارجائه والقطط والفئران تتلاعب في ساحاته , فخان الشابندر الذي يعود له الفضل في اكتشاف ذكورة الراوي ورجولته أول مرة وهو يدشن مراهقته آنذاك فقد وجده عبارة عن بيت مهجور مما جعل الراوي يرفض كل ذلك بإعادة تصنيع عوالم بديلة تعوضه عن كل ذلك .

ويمتد الرفض ليشمل رفض الأفعال الذاتية التي يؤديها شخوص الرواية , فالعاهرات هناك رغم ممارستهن لهذه المهنة فأنهن يعبرن أحيانا عن الرفض الساخط للوضع الذي أجبرهن على مزاولة هذه المهنة فـ ( ضوية ) التي يقول عنها الراوي بأن كلماتها مثل سكاكين حقد تتلذذ بغرسها في خياله , أما هند فيقول عنها : إنها عندما تنام مع هؤلاء الحثالات فإنها تنتقم من جسدها , أما زينب فإنها تتحدث دون أي مبالاة أو اهتمام .

إن ضوية وهند وزينب المراهقة رموز رافضة للتردي والنفاق والزيف الذي يكتسح أرجاء البلاد كلها , فكل واحدة منهن تحكي قصة جيل بكامله من خلال معاناتها التي لم تنفرد بها وحدها , لكن ذلك لم يتحقق بصورته التي تلقيناها لولا وجود الأمكنة المصنوعة سرديا التي أتاحت لهم تلك الرؤى والممارسات , كذلك الحال مع مجر وأم صبيح وأم غائب وأبو حسنين المصري ؛ إنها شخصيات اتسمت بطابعها الإشكالي من خلال ارتباطها بما حولها من الأمكنة , فمجر الفيلسوف البسيط الفطري الذي توحي تصرفاته بأنه اقرب الى الشخص المندائي يعد في غاية الحكمة لكن حكمته كانت موجهة للغانيات وأم صبيح القوادة التي كانت في غاية الطيبة والكرم حصرا.

ويبرز وعي الكاتب بإشكالية المكان أيضا من خلال الصور المقدمة للأمكنة بطريقة تنم عن جدليات متعارضة , فمثلا يرسم الراوي غرفة هند الغانية كأنها مكتب إنسان مثقف جدا , فالكتب والآثاث واسطوانات الأغاني التي تتعارض تماما ــ بحسب أعراف المجتمع طبعا ــ مع ما تمتهنه هند بذاتها في الواقع , وغرفة ضوية المليئة بصور الممثلات والممثلين تعبر عن الحرية التي تنشدها او تمارسها بخوف في الوقت التي تفتقر هي ذاتها الى الحرية .

وكتعبير عن الطابع الفجائعي تصور الرواية بصورة عامة وفي أغلب مفاصلها دهشة الراوي لما وصل إليه حال بلده من دمار وخراب وقد بدا ذلك في حوادث وتفصيلات كثيرة , وانشغال بالتساؤل عن المحبة والأمل في السلام , يقول الراوي على لسان (سالم) أحد أبطال الرواية ــ وهو يتذكر صاحبته (غدير) : (( أغلب النساء من جيلنا يبقين حزينات بوجوه شاحبة يلففن الفوط السود حول رؤوسهن بعد ان نسين شبابهن وأيام الجامعة .. إنهن الآن أمهات يندبن ابنائهن الذين يموتون باستمرار في انفجارات الشوارع )) .

لكن الراوي حتى في صوره الفجائعية يحاول أن يتشبث بالحياة فحينما يصرح بقوله : (( أنا ميت من زمان )) فإنه في مكان آخر يصور العشب ينمو في خرائب الخان , ويرمق السماء بنظرة أمل متفائلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1