أي إنسان نريد أن يخدمه الذكاء الاصطناعي؟ ينقل النقاش من الانبهار بالقدرات التقنية إلى التفكير بالغايات الإنسانية للتقدم. فالتكنولوجيا لا تكتفي بتقديم الأدوات، بل تؤثر عميقاً في تكوين الإنسان المعرفي والنفسي والسلوكي. ومن هنا تنشأ المعضلة الكبرى: هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور إنسان أكثر وعياً وفاعلية وإبداعاً، أم أنه سيساهم في تكوين كائن أكثر اعتماداً على الآلة وأضعف استقلالاً في التفكير واتخاذ القرار؟

أثار الصديق تحسين الشيخلي ، في مقاله الأول من مشروعه الجديد «الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية»، سؤالاً بالغ الأهمية: «أي إنسان نريد أن يخدمه الذكاء الاصطناعي؟». وهو سؤال ينقل النقاش من الانبهار بالقدرات التقنية إلى التفكير بالغايات الإنسانية للتقدم العلمي، ومن الاهتمام بما تستطيع الآلة إنجازه إلى الاهتمام بما ينبغي أن يتحقق للإنسان بفضل هذه الإنجازات.

وأجد في هذا السؤال مدخلاً مناسباً لإثارة قضية أخرى تتصل به اتصالاً وثيقاً، وهي طبيعة الإنسان الذي يمكن أن يتشكل في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا لا تكتفي بتقديم الأدوات والخدمات للإنسان، وإنما تؤثر، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في تكوينه المعرفي والنفسي والسلوكي، وفي علاقته بالعمل والمجتمع والعالم. وكل تحول كبير في وسائل الإنتاج والمعرفة والاتصال يترك آثاره في طريقة تفكير الإنسان، وفي قدراته وعاداته وتوقعاته، وفي طبيعة الأدوار التي يؤديها داخل المجتمع.

ومن هنا تنشأ القضية التي أريد مناقشتها: هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور إنسان أكثر وعياً ومعرفة وإبداعاً وفاعلية، أم أنه قد يساهم في تكوين إنسان أكثر اعتماداً على الآلة، وأقل ممارسة لقدراته العقلية، وأضعف استقلالاً في التفكير واتخاذ القرار؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الانتقال من النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية إلى النظر إليه بوصفه ظاهرة حضارية واسعة التأثير.

الذكاء الاصطناعي والمركب الحضاري

تنظر الفلسفة الحضارية إلى الحضارة بوصفها حصيلة التفاعل بين عناصر المركب الحضاري الخمسة: الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل، في إطار منظومة من القيم المحفزة التي توجه حركة هذه العناصر وتحدد طبيعة العلاقات بينها.

وفي هذا الإطار، يمثل الذكاء الاصطناعي تطوراً نوعياً في العلاقة بين العلم والعمل، لأنه يتيح تحويل المعرفة المتراكمة إلى قدرات عملية تستطيع معالجة المعلومات وإنتاج النصوص وتحليل البيانات والمساعدة في حل المشكلات وتنفيذ مهام معرفية كانت تتطلب جهداً بشرياً مباشراً.

وهذا التطور يفتح إمكانات هائلة أمام الإنسان، لأنه يوسع قدرته على التعامل مع المعرفة، ويختصر الزمن اللازم لإنجاز كثير من الأعمال، ويساعد على تقليل الهدر في الموارد والجهود، ويرفع الإمكانات الإنتاجية للمؤسسات والمجتمعات.

غير أن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائياً إلى تقدم حضاري. فالتحول الحضاري يتوقف على الكيفية التي يوظف بها الإنسان هذه القدرات، وعلى طبيعة المؤسسات التي تديرها، والقيم التي تحكم استخدامها، والنتائج التي تتركها في تكوين الإنسان والمجتمع.

وقد تمتلك أمة أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكنها تعجز عن تحويلها إلى قوة حضارية إذا بقيت مؤسساتها ضعيفة، ونظامها التعليمي عاجزاً عن بناء العقل النقدي، وعلاقاتها الاجتماعية والسياسية معيقة للإبداع والمبادرة والمسؤولية. وهنا يظهر الفرق بين امتلاك التكنولوجيا وامتلاك القدرة الحضارية على توظيفها.

من الإنسان المستهلك إلى الإنسان الفاعل

تحتل فكرة «الذات الفاعلة» موقعاً محورياً في الفلسفة الحضارية، لأنها تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً قادراً على الوعي والاختيار والمبادرة والإنتاج والتغيير، وعلى تحويل معرفته وإرادته إلى فعل مؤثر في الواقع. ومن هذا المنظور، ينبغي أن تكون إحدى الغايات الأساسية للذكاء الاصطناعي توسيع فاعلية الإنسان، من خلال زيادة قدرته على الفهم والتحليل والإبداع والعمل، وتمكينه من أداء أدوار لم يكن قادراً على أدائها بالوسائل السابقة. ولكن الذكاء الاصطناعي يحمل في داخله احتمالاً معاكساً، يتمثل في انتقال الإنسان تدريجياً من ممارسة التفكير إلى استهلاك نتائج التفكير الذي تنتجه الأنظمة الذكية.

فالطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم مسألة علمية، ومناقشة حلولها، واختبار أفكاره، يمكن أن يصبح أكثر قدرة على التعلم المستقل. أما الطالب الذي يكتفي بنقل الإجابات الجاهزة، فقد ينجز واجباته بسرعة أكبر، لكنه يخسر جزءاً من الفرصة التي يوفرها التعليم لتكوين قدراته العقلية.

والكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في توسيع اطلاعه، واختبار فرضياته، ومراجعة حججه، يمكن أن يعزز قدرته على الإنتاج الفكري. أما الذي يسلم إليه مهمة التفكير والتأليف بصورة كاملة، فقد يتحول تدريجياً إلى مستهلك لنصوص لا يمتلك بالضرورة القدرة على نقدها أو الدفاع عن مضمونها.

وهذا الاحتمال لا يقتصر على التعليم والكتابة، بل يمتد إلى الإدارة والطب والاقتصاد والسياسة وسائر المجالات التي يمكن أن تنتقل فيها بعض الوظائف المعرفية من الإنسان إلى الأنظمة الذكية.

إن الخطر الحضاري الأعمق هنا هو أن تتسع قدرة الإنسان على الحصول على الإجابات، بينما تتراجع قدرته على إنتاج الأسئلة وفهم المشكلات وتكوين الأحكام المستقلة.

الذكاء الاصطناعي وتعظيم القيمة وتقليل الهدر

تقدم الفلسفة الحضارية، من خلال قانون تعظيم القيمة وتقليل الهدر، معياراً إضافياً لتقييم الذكاء الاصطناعي وآثاره. فالقيمة الحضارية لأي تقنية تتحدد بما تضيفه إلى حياة الإنسان والمجتمع، وبما توفره من إمكانات لتقليل هدر الزمن والموارد والطاقات، وبمدى إسهامها في تحسين نوعية الحياة وتوسيع فرص المشاركة والإنتاج والإبداع.

لكن حساب القيمة والهدر ينبغي أن يكون حساباً حضارياً شاملاً، يتجاوز المقاييس الاقتصادية المباشرة. فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي اختصار ساعات العمل، فإن القيمة الحضارية لهذا الإنجاز تتوقف أيضاً على مصير الزمن المتحرر من العمل. فقد يتحول إلى فرصة للتعلم والإبداع والمشاركة الاجتماعية، وقد يتحول إلى بطالة وقلق وتهميش إذا عجزت المؤسسات عن إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والعمل. وإذا استطاعت الأنظمة الذكية زيادة الإنتاجية، فإن السؤال الحضاري يتعلق أيضاً بكيفية توزيع ثمار هذه الزيادة، ومدى انعكاسها على حياة العاملين ومستويات معيشتهم وفرصهم في التطور.

وإذا وفرت هذه الأنظمة معرفة واسعة وسريعة، فإن القيمة الحقيقية لهذه المعرفة تتوقف على قدرتها على بناء وعي الإنسان، وليس مجرد زيادة كمية المعلومات المتاحة أمامه. وهكذا يصبح تعظيم القيمة وتقليل الهدر مرتبطين بتنمية الإنسان نفسه، باعتباره العنصر المحوري في المركب الحضاري.

العراق أمام فرصة حضارية جديدة

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في العراق، حيث تتزامن الثورة الجديدة في الذكاء الاصطناعي مع تحديات عميقة في التعليم والإدارة والاقتصاد وبناء المؤسسات.

وقد يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً مهمة لمعالجة بعض مظاهر التعثر، من خلال تطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتوسيع فرص البحث العلمي، ومساعدة المؤسسات الإنتاجية على تحسين أدائها. ولكن الاستفادة الحضارية من هذه الفرص تتطلب مشروعاً وطنياً واعياً، يجعل بناء الإنسان العراقي وتطوير قدراته في مقدمة الأولويات.

إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس والجامعات، مثلاً، ينبغي أن يقترن بإعادة النظر في المناهج وطرائق التعليم والتقويم، بحيث يصبح المتعلم أكثر قدرة على الفهم والنقد والبحث والإبداع، بدلاً من أن تتحول هذه الأنظمة إلى وسيلة جديدة للحصول على الإجابات الجاهزة.

كما أن استخدامه في مؤسسات الدولة ينبغي أن يقترن بتطوير الإدارة والمساءلة والشفافية، وحماية البيانات وحقوق المواطنين، حتى تسهم التقنية في إصلاح المؤسسات وتعزيز قدرتها على خدمة المجتمع.

وفي المجال الاقتصادي، ينبغي أن يرتبط استخدام الذكاء الاصطناعي بتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتنمية المهارات الوطنية، وخلق فرص جديدة للعمل، بدلاً من الاكتفاء باستهلاك التطبيقات المستوردة.

وهنا تتضح الصلة بين الذكاء الاصطناعي ومشروع الدولة الحضارية الحديثة، التي تجعل العلم والعمل والإنسان المنتج والمؤسسات الكفوءة عناصر متكاملة في عملية التنمية.

من الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسانية إلى الذكاء الاصطناعي من أجل الإنسان الحضاري

إن مشروع تحسين الشيخلي يفتح باباً مهماً للنقاش حول الغاية الإنسانية من الذكاء الاصطناعي، ويضع العدالة والكرامة وإتاحة الفرص وحماية الإنسان في مركز الاهتمام.

ويمكن للفلسفة الحضارية أن تسهم في توسيع هذا الأفق بإضافة بعد يتعلق بتكوين الإنسان نفسه، لأن خدمة الإنسان تكتسب معناها الأعمق عندما تقترن بتنمية قدرته على أن يكون فاعلاً في حياته ومجتمعه، وصانعاً واعياً لمستقبله.

فالذكاء الاصطناعي الذي يساعد الإنسان على التفكير أفضل من الذكاء الاصطناعي الذي يعفيه من التفكير، والذي يعزز قدرته على الإبداع أكثر قيمة حضارية من الذي يحوله إلى مستهلك دائم للمنتجات المعرفية، والذي يوسع استقلاله وقدرته على الاختيار أكثر انسجاماً مع الغاية الإنسانية من الذي يرسخ تبعيته للأنظمة التي يعتمد عليها.

ومن هنا يمكن صياغة المبدأ الحضاري الذي ينبغي أن يحكم علاقتنا بهذه الثورة التقنية:

كل تقدم في الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يقابله تقدم في وعي الإنسان وقدرته على الفعل المستقل، حتى تتحول الزيادة في قدرة الآلة إلى زيادة في القدرة الحضارية للإنسان والمجتمع.

إن التحدي الذي يواجه الإنسانية اليوم يتجاوز صناعة آلات أكثر ذكاءً إلى بناء مجتمعات أكثر قدرة على توظيف هذا الذكاء في إنتاج المعرفة والعدالة والكرامة والرفاه، وتكوين إنسان يمتلك من الوعي والإرادة والمسؤولية ما يجعله قادراً على توجيه التكنولوجيا نحو الغايات التي يختارها. وبهذا المعنى، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتحدد بما تستطيع الآلات أن تفعله وحدها، وإنما يتحدد أيضاً، وربما بصورة أكثر حسماً، بنوع الإنسان الذي نريد أن نصبح عليه ونحن نستخدم هذه الآلات.


اضف تعليق