تلفت الانتخابات الأمريكية الانتباه إلى مسألة تتجاوز المنافسة، وتتصل بطريقة بناء المؤسسات وضمان استمرارها أثناء تجدد التمثيل. وفي العراق، يجري انتخاب أعضاء مجلس النواب جماعياً وتنتهي عضويتهم بانتهاء الدورة، مما يفتح احتمال وجود فترة تخلو فيها البلاد من مجلس نواب يمارس صلاحياته التشريعية والرقابية...

تلفت الانتخابات الأمريكية الانتباه إلى مسألة تتجاوز المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، وتتصل بطريقة بناء المؤسسات وضمان استمرارها أثناء تجدد التمثيل الشعبي. وهذه مسألة تستحق النقاش في العراق، حيث يجري انتخاب أعضاء مجلس النواب جميعاً في وقت واحد، وتنتهي عضويتهم بانتهاء الدورة النيابية، مما يفتح احتمال وجود فترة تخلو فيها البلاد من مجلس نواب يمارس صلاحياته الدستورية، إذا انتهت ولاية المجلس القائم قبل مباشرة المجلس الجديد أعماله.

ولفهم الدرس الذي يمكن استخلاصه من التجربة الأمريكية، ينبغي أولاً توضيح معنى «الانتخابات النصفية». فهذه التسمية تشير إلى الانتخابات التي تجري في منتصف الولاية الرئاسية البالغة أربع سنوات، ولا تعني انتخاب نصف أعضاء مجلس الشيوخ. ففي الولايات المتحدة يُنتخب جميع أعضاء مجلس النواب كل سنتين، بينما يُنتخب نحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ كل سنتين، وتبلغ مدة عضوية السيناتور ست سنوات. ولهذا تتزامن انتخابات الكونغرس تارة مع الانتخابات الرئاسية، وتقع تارة أخرى في منتصف الولاية الرئاسية، فتسمى انتخابات نصفية. 

أما الفكرة المؤسسية الجديرة بالاهتمام فهي التجديد الجزئي لمجلس الشيوخ. فأعضاؤه موزعون على ثلاث فئات انتخابية، تنتهي ولاية فئة منها كل سنتين، بينما يستمر أعضاء الفئتين الأخريين في أداء عملهم. وبذلك يتجدد المجلس تدريجياً، وتستمر المؤسسة عبر تعاقب الانتخابات، فلا تنتهي ولاية أعضائها جميعاً في لحظة واحدة. وهذا ما يجعل مجلس الشيوخ، في وصفه المؤسسي، هيئة مستمرة تحتفظ بوجودها وخبرتها أثناء تجدد جزء من عضويتها. 

تقوم هذه الصيغة على الجمع بين مطلبين تحتاج إليهما الدولة الديمقراطية: حق الناخبين في تغيير ممثليهم، وحاجة المؤسسات إلى الاستمرار. فالانتخابات تتيح دخول أعضاء جدد، وتغيير موازين القوى السياسية، ومحاسبة من انتهت ولايتهم، بينما يضمن استمرار بقية الأعضاء بقاء المؤسسة وذاكرتها وخبرتها. ومن هنا تأتي قيمة التجديد المتدرج، الذي يجعل التغيير جزءاً من حياة المؤسسة المستمرة.

في العراق، تعتمد بنية مجلس النواب على دورة انتخابية جماعية؛ إذ تنص المادة ٥٦ من الدستور على أن مدة الدورة أربع سنوات تقويمية، تبدأ بأول جلسة وتنتهي بنهاية السنة الرابعة، كما تقضي بإجراء انتخاب المجلس الجديد قبل خمسة وأربعين يوماً من انتهاء الدورة السابقة. وقد أوجد الدستور بذلك فاصلاً زمنياً يتيح إجراء الانتخابات قبل انتهاء ولاية المجلس، لكن استمرارية التمثيل النيابي تظل مرتبطة بإنجاز إجراءات الانتقال في مواعيدها. فإذا انتهت الولاية قبل مباشرة المجلس الجديد، تنشأ فجوة في ممارسة السلطة النيابية. 

وهذه الفجوة ذات أثر بالغ في نظام برلماني، لأن مجلس النواب يتولى التشريع والرقابة، وتتشكل الحكومة على أساس الثقة التي يمنحها لها. وحين تغيب المؤسسة النيابية القائمة بكامل صلاحياتها، يتعطل أحد أهم مسارات التعبير عن الإرادة الشعبية ومراقبة السلطة التنفيذية. وتزداد المشكلة إذا طال انتظار حسم النتائج والطعون والمصادقة عليها وانعقاد المجلس الجديد، فتحولت الفترة الانتقالية إلى زمن سياسي مفتوح.

لهذا اقترحتُ في عام ٢٠١٠، ضمن أفكار الإصلاح السياسي، اعتماد الانتخابات النصفية لمجلس النواب العراقي، بمعنى تجديد نصف أعضائه دورياً، استلهاماً لمبدأ التجديد الجزئي الذي يعمل به مجلس الشيوخ الأمريكي. وكان جوهر المقترح أن يبقى العراق محتفظاً بمجلس نواب قائم، وأن تتجدد العضوية من دون أن تنتهي ولاية جميع النواب في وقت واحد.

ويمكن ترجمة هذه الفكرة إلى نظام تكون فيه مدة عضوية النائب أربع سنوات، ويجري انتخاب نصف أعضاء المجلس كل سنتين. فعندما تنتهي ولاية النصف الأول، يبقى النصف الآخر في عضويته الدستورية، ثم يلتحق به الأعضاء المنتخبون الجدد، وبعد سنتين يحين موعد تجديد النصف الثاني. وبهذه الطريقة يصبح للمجلس وجود مؤسسي مستمر، ولعضوية أفراده آجال محددة ومتداخلة.

ويقتضي تأسيس هذا النظام مرحلة انتقالية واضحة، يُقسَّم فيها الأعضاء، وفق قاعدة عادلة ومعلنة، إلى فئتين؛ تكون مدة الفئة الأولى سنتين في الدورة التأسيسية وحدها، ومدة الثانية أربع سنوات، ثم تصبح مدة العضوية أربع سنوات للجميع بعد انتظام التجديد. كما ينبغي توزيع المقاعد الخاضعة للتجديد بما يحفظ عدالة التمثيل السكاني والجغرافي وتمثيل النساء والمكونات، حتى تتجدد مختلف أجزاء المجتمع داخل المجلس بصورة متوازنة.

ولأن الدستور الحالي يحدد مدة دورة المجلس بأكمله، فإن اعتماد هذا المقترح يحتاج إلى تعديل دستوري يؤسس لاستمرارية المؤسسة وتفاوت مواعيد انتهاء العضوية، وإلى قانون انتخابي ينظم التفاصيل

ويشمل ذلك تحديد مواعيد ثابتة لتسلم الأعضاء الجدد مهماتهم، وضمان حسم النتائج قبلها، وتنظيم النصاب وعمل اللجان ورئاسة المجلس أثناء الانتقال، بما يجعل بقاء جزء من الأعضاء ضمانة لاستمرار مجلس قادر على ممارسة صلاحياته.

وتتجاوز فوائد التجديد النصفي منع الفجوة النيابية إلى تطوير العلاقة بين المواطن وممثليه. فالناخب تتاح له فرصة التأثير في تركيب المجلس كل سنتين، فتتقارب مواعيد المحاسبة الشعبية، وتصبح التحولات في الرأي العام قابلة للانعكاس على التمثيل النيابي بوتيرة أسرع. وفي الوقت نفسه، يحتفظ المجلس بجزء من خبرته التشريعية والرقابية، ويتفاعل الأعضاء الجدد مع أعضاء اكتسبوا معرفة بملفات الدولة وإجراءات العمل البرلماني.

ومن شأن ذلك أيضاً أن يساعد على استمرار متابعة القوانين والتحقيقات والملفات الرقابية التي تحتاج إلى زمن يتجاوز الموسم الانتخابي. فالمؤسسة التي تتجدد تدريجياً أقدر على مراكمة المعرفة، وحفظ مسار العمل، ونقل الخبرة بين أجيال متعاقبة من النواب. وهذه المراكمة عنصر أساسي في بناء الدولة، لأن الزمن الذي يُستهلك في استئناف الأعمال وإعادة التعرف إلى الملفات هو جزء من الزمن العام للمجتمع.

إن السؤال الذي طرحته عام ٢٠١٠ ما زال يستحق أن يكون في صلب الإصلاح السياسي: كيف نصمم انتخابات تجدد التمثيل الشعبي، وتضمن في الوقت نفسه استمرار المؤسسة التي تمارسه؟ فالدولة تحتاج إلى قواعد تجعل الانتقال الانتخابي عملية منتظمة داخل مؤسسات قائمة، وتحمي التشريع والرقابة من الانقطاع.

ومن هنا أجدد الدعوة إلى مناقشة التجديد النصفي لمجلس النواب العراقي بوصفه مقترحاً عملياً لبناء مؤسسة نيابية مستمرة؛ مؤسسة يتغير أعضاؤها بإرادة الناخبين، وتتجدد اتجاهاتها السياسية، وتظل قادرة على أداء وظيفتها الدستورية. فحق الشعب في اختيار ممثليه يكتمل بضمان بقاء المؤسسة التي تحمل تمثيله، لكي لا يخلو العراق من مجلس نواب قائم.

اضف تعليق