إن الإنسان الحضاري يستطيع تحويل احتجاجه إلى فعل اجتماعي هادف من دون أن يتخيل عن حقوقه أو ينتهك حقوق الآخرين. وحضارية الاحتجاج لا تُقاس بمدى هدوئه أو شدته، بل بمدى مشروعية غاياته، وسلمية وسائله، واحترامه لكرامة الإنسان، وقدرته على تحويل الاعتراض إلى إصلاح وتغيير...
في منظور الفلسفة الحضارية، لا يُقاس المستوى الحضاري للمجتمع بمجرد تمتّع أفراده بحرية التعبير عن الرأي والتظاهر، وإنما يُقاس أيضاً بالطريقة التي يمارسون بها هذه الحرية، وبقدرتهم على تحويل الاختلاف والاعتراض والغضب الاجتماعي إلى فعل واعٍ ومنظم يسهم في تصحيح الأخطاء، ومعالجة الاختلالات، وتطوير الدولة والمجتمع.
فالإنسان الحضاري ليس الإنسان الذي لا يغضب أو لا يعترض أو لا يحتج، وإنما هو الإنسان الذي يستطيع تحويل غضبه إلى موقف عقلاني، واعتراضه إلى نقد مسؤول، واحتجاجه إلى فعل اجتماعي هادف، من دون أن يتخلى عن حقوقه أو ينتهك حقوق الآخرين.
ومن هنا يمكن تعريف الأسلوب الحضاري في التعبير عن الرأي والتظاهر بأنه:
ممارسة الإنسان حقه في التعبير والاعتراض والاحتجاج، استناداً إلى الوعي والمعرفة والقيم الإنسانية، وبوسائل سلمية ومسؤولة تحترم كرامة الإنسان وحقوق الآخرين والمصلحة العامة، وتسعى إلى معالجة الاختلالات وتعظيم القيمة الاجتماعية وتقليل الهدر البشري والمادي والزمني.
ويقوم هذا التعريف على مجموعة من المبادئ المترابطة:
أولاً: الوعي قبل الانفعال. لا يعني الأسلوب الحضاري إلغاء المشاعر أو الغضب، فالغضب من الظلم والفساد وانتهاك الحقوق قد يكون دافعاً مشروعاً للاحتجاج، ولكن الوعي يحول دون أن يصبح الغضب قوة عمياء تتسبب بأضرار أكبر من المشكلة التي يراد علاجها. ولهذا ينبغي أن يستند التعبير عن الرأي إلى معرفة الوقائع، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات، وبين النقد الموضوعي والاتهامات غير المثبتة.
ثانياً: احترام كرامة الإنسان. الاختلاف في الرأي لا يبرر إهانة الآخرين أو تحقيرهم أو تهديدهم أو الاعتداء عليهم، سواء كانوا مسؤولين في السلطة أم مواطنين يحملون آراء مخالفة. والنقد الحضاري يستطيع أن يكون شديداً وحاسماً وجذرياً من دون أن يتحول إلى إساءة شخصية أو خطاب كراهية. كما أن احترام الكرامة الإنسانية يشمل المتظاهرين أنفسهم، الذين لا يجوز تعريضهم للعنف أو المعاملة المهينة بسبب ممارستهم حقوقهم.
ثالثاً: السلمية بوصفها اختياراً واعياً. التظاهر الحضاري ممارسة جماعية منظمة تسعى إلى إيصال المطالب والتأثير في القرار العام من دون الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات. ولا تعني السلمية الضعف أو الاستسلام، بل تعني القدرة على ممارسة الضغط الاجتماعي والسياسي بوسائل لا تحول الاحتجاج إلى مصدر جديد للعنف. ومن الضروري هنا التمييز بين الاحتجاج السلمي الذي قد يسبب اضطراباً مؤقتاً في الحياة العامة، وبين أعمال العنف والتخريب؛ فليس كل إزعاج أو تعطيل محدود للنشاط الاعتيادي عملاً غير حضاري.
رابعاً: وضوح المطالب والأهداف. يكتسب الاحتجاج قدرة أكبر على تحقيق التغيير عندما ينتقل من التعبير العام عن السخط إلى تحديد المشكلات والمطالب والبدائل الممكنة. فالتظاهر ليس مجرد تجمع بشري أو إطلاق شعارات، وإنما يمكن أن يكون وسيلة لتكوين إرادة اجتماعية واعية، قادرة على تشخيص الخلل والمطالبة بإصلاحه ومتابعة النتائج.
خامساً: احترام الممتلكات العامة والخاصة. الممتلكات العامة ليست ملكاً للحكومة أو الحزب الحاكم، وإنما هي جزء من الثروة الاجتماعية التي ساهم المجتمع في إنتاجها وتمويلها. ولهذا فإن تخريب المدارس والمستشفيات والطرق والمرافق العامة يوقع ضرراً بالمجتمع نفسه. وينطبق الأمر على الممتلكات الخاصة، مع ضرورة التمييز بين الإضرار المتعمد بها وبين الآثار العرضية المحدودة التي قد ترافق التجمعات السلمية.
سادساً: عدم تحويل الاختلاف إلى عداوة اجتماعية. المجتمع الحضاري مجتمع تعددي بطبيعته، وتعدد الآراء والمصالح والمواقف فيه ظاهرة طبيعية. ولذلك ينبغي ألا يتحول الاختلاف السياسي أو الفكري أو الديني إلى قطيعة اجتماعية أو خصومة وجودية. فالاحتجاج على سياسة حكومية لا يعني العداء لكل العاملين في الدولة، والاختلاف مع حزب لا يبرر الاعتداء على أنصاره، كما أن معارضة رأي لا تعني نزع حق صاحبه في التعبير عنه.
سابعاً: المسؤولية المشتركة بين المتظاهرين والسلطة. لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى الأسلوب الحضاري إلى مطالبة المواطنين بالانضباط مع إعفاء السلطة من مسؤولياتها. فالدولة مطالبة بحماية الحق في التعبير والتجمع السلمي، وتوفير الحماية للمتظاهرين، والامتناع عن استخدام القوة غير المشروعة، والاستماع الجاد إلى المطالب. ولا يجوز اتخاذ النظام العام ذريعة لإلغاء الحقوق، مثلما لا يجوز اتخاذ حرية الاحتجاج ذريعة للاعتداء على الآخرين.
ثامناً: الانتقال من الاحتجاج إلى الفاعلية الاجتماعية. تبلغ ممارسة الاحتجاج مستوى أكثر تطوراً عندما لا تنتهي بانتهاء التظاهرة، بل تتحول إلى متابعة منظمة للمطالب، وإنتاج المعرفة، وتشكيل المبادرات الاجتماعية، ومراقبة أداء المؤسسات، والمشاركة في بناء البدائل. وهنا تظهر العلاقة بين الأسلوب الحضاري في التظاهر ومفهوم «الذات الفاعلة الجماعية»، لأن الاحتجاج يمكن أن يكون إحدى وسائل انتقال المجتمع من الشعور بالعجز إلى الوعي بقدرته على التأثير والتغيير.
تاسعاً: تعظيم القيمة وتقليل الهدر. يمثل هذا المبدأ معياراً تحليلياً مهماً في الفلسفة الحضارية. فالاحتجاج الذي يسهم في حماية الحقوق، وتصحيح السياسات، ومكافحة الفساد، وتعزيز المشاركة العامة، يمكن أن ينتج قيمة اجتماعية وسياسية كبيرة. أما العنف والتخريب وإهدار الأرواح والموارد، فإنها تستنزف طاقات المجتمع وتضعف قدرته على تحقيق أهدافه. ولا يعني ذلك اختزال قيمة الاحتجاج في حساب تكاليفه المادية، لأن الدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة يحمل قيمة إنسانية لا يجوز تجاهلها.
عاشراً: قبول النقد والمراجعة والتصحيح. لا يمتلك المتظاهرون الحقيقة المطلقة، مثلما لا تمتلكها السلطة أو الأحزاب أو المؤسسات. ولذلك فإن الأسلوب الحضاري يقتضي الاستعداد لمراجعة المواقف، وتصحيح المعلومات، وتطوير المطالب والوسائل في ضوء الحوار والمعرفة والتجربة، من دون التخلي عن المبادئ والحقوق الأساسية.
حادي عشر: وضوح البديل والمطالب. لا تكتمل الفاعلية الحضارية للاحتجاج بمجرد رفض الواقع القائم، وإنما تتعزز بوضوح المطالب ووجود تصور للبديل المنشود. فالاحتجاج الحضاري يسعى إلى الانتقال من التعبير عن الغضب إلى اقتراح الحلول، ومن المطالبة بتغيير الأشخاص إلى معالجة الاختلالات في القيم والمؤسسات والسياسات. ولا يعني ذلك اشتراط امتلاك المتظاهرين برنامجاً تفصيلياً متكاملاً، وإنما يتطلب وضوح الاتجاه العام للتغيير، حتى لا ينتهي الاحتجاج إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها بأسماء ووجوه جديدة.
البعد الأعمق في الفلسفة الحضارية
تكمن أهمية هذه المبادئ في أنها تنقل موضوع التظاهر من مستوى السلوك الفردي والجماعي إلى مستوى البناء الحضاري للمجتمع.
فالتظاهر ليس مجرد وسيلة لإعلان الغضب، وإنما يمكن أن يكون مدرسة اجتماعية لتعلم المواطنة، والتعاون، والتنظيم، والانضباط الذاتي، وتحمل المسؤولية، واحترام الاختلاف، والمشاركة في الشأن العام. ومن خلال هذه الممارسة تتطور قدرة الإنسان على الانتقال من موقع المتلقي السلبي لقرارات السلطة إلى موقع المواطن الفاعل في مراقبتها ومساءلتها والمشاركة في توجيهها.
لكن هذا التحول لا يتحقق تلقائياً بمجرد خروج الناس إلى الشوارع، بل يتوقف على نوعية الوعي الذي يحرك الاحتجاج، والقيم التي تضبط ممارسته، والمؤسسات والتنظيمات التي تحفظ نتائجه، ومدى استعداد السلطة والمجتمع للتفاعل معه.
وهنا يمكن صياغة قاعدة حضارية مهمة:
حضارية الاحتجاج لا تُقاس بمدى هدوئه أو شدته، وإنما بمدى مشروعية غاياته، وسلمية وسائله، واحترامه لكرامة الإنسان، وقدرته على تحويل الاعتراض إلى فعل اجتماعي واعٍ يسهم في الإصلاح والتغيير.
ولا ينبغي الخلط بين الأسلوب الحضاري وبين الاحتجاج المهذب الذي لا يزعج السلطة؛ فقد يكون الاحتجاج الحضاري واسعاً وصاخباً وحازماً، وقد يطالب بتغيير جذري في السياسات والمؤسسات، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على الحدود الأخلاقية والإنسانية التي تمنع تحوله إلى اعتداء على الإنسان والمجتمع.
والخلاصة أن المجتمع الحضاري ليس المجتمع الذي تختفي منه الاحتجاجات، وإنما المجتمع الذي يمتلك المواطنون فيه القدرة على الاحتجاج بحرية ومسؤولية، وتمتلك مؤسساته القدرة على الاستماع والمساءلة والاستجابة والتصحيح. وهذا يفتح مجالاً مهماً في الفلسفة الحضارية يمكن تسميته «حضارية الاختلاف والاحتجاج»، بوصفه جزءاً من النظرية الحضارية للمواطنة والفاعلية الجماعية والعلاقة بين الدولة والمجتمع.



اضف تعليق